الأخبارمقالات وآراء

منع الأذان في سياق تقنين وتشريع العنصرية

علي بدوان _ خاص طريق القدس

صادقت مؤخراً، اللجنة الوزارية للتشريعات في الحكومة “الإسرائيلية”، على قانون شرعنة البؤر الاستيطانية، بتوقيع الوزراء السبعة في اللجنة، وهو يهدف إلى إبقاء مستوطنة “عمونا” المقامة على أراضٍ فلسطينية خاصة، والتي كان قد صدر قرار بإخلائها من المحكمة العليا “الإسرائيلية”.
كما تمت المصادقة على قانون منع الأذان في القراءة المُستعجلة، والمقصود منع الآذان عبر مكبرات الصوت، حيث يحظى المنادين بمنع الآذان بتأييد كامل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وكافة كتل الإئتلاف، وفيه إدراج كل صوت صادر عن دور عبادة اسلامية، بمثابة ضجيج، ويتم إدراجه ضمن قانون منع الضجيج القائم منذ العام 1961. ويجيز ذلك القانون للوزير ذي الاختصاص، إصدار تعليمات يراها مناسبة لمنع “الضجيج”، ما يعني إما الاسكات الكلي أو فرض أنظمة لمدى الصوت. وجاء في مشروع القانون، أنه اضافة إلى ما ينص عليه قانون منع الضجيج القائم، يتم إدراج البند التالي: “.. إن استخدام جهاز للنداء في بيوت الصلاة، بضجة قوية، أو بشكل غير معقولة، فإن الوزير المختص، وبالاتفاق مع وزير الداخلية، يحق له أن يحدد بأمر وزاري، الحالات التي يكون فيها استخدام الجهاز في بيت الصلاة، أو كل مكان مسقوف آخر، يستخدم للصلاة” ما يعني أن هذا البند، هو بند جزائي آخر، يحق للوزير ملاحقة الفاعلين، وفرض قيود وعقوبات، ومن ضمن هذا، منع كلي للأذان.
قانون أذان المسجد، طُّرِحَ لأول مرّة في العام 2011، واعتبره النواب العرب في حينها، مجرد مناورة حزبية عنصرية، إلا أن خمس سنوات كافة كافية لتحويل مثل هذا القانون العنصري، إلى موقف إجماع في الحكومة الإئتلافية التي يقودها بنيامين نتنياهو، والتي تضم في عضويتها زبدة المتطرفين من القوى والأحزاب في المجتمع الصهيوني.

وعليه، يأتي قانوني شرعنة البؤر الإستيطانية، ومنع الأذان، في سياق مُتصل من الإجراءات “الإسرائيلية” التي لم تتوقف في الفترات الأخيرة، وهدفها الرئيسي استكمال مشاريع التهويد من جهة، واستمرار العمل بسياسة محو الهوية الوطنية للمواطنين الفلسطينيين، حيث يأتي منع الأذان في سياق محو الهوية والتراث العائد للمواطنين أصحاب البلاد الأصليين، ويُعبّر في الوقت نفسه عن عنصرية تجاوزت الأبعاد السياسيةِ لتصل إلى أبعادٍ دينية، من خلال المساس بحرية المُعتقدات ووسائل التعبير عنها. كما يُشكّلُ تطرفاً وعنصرية تجاه أبناء الديانة الإسلامية في القدس، هذه المدينة التي يحاول العنصريون إلغاء كونها مدينة تعددية مارست فيها الديانات السماوية عبادتها وشعائرها فيها بحرية كاملة على مدار تاريخها تحت السيادة العربية الفلسطينية، الإسلامية والمسيحية، وتحويلها إلى مدينة بسماتٍ إقصائية تُعبِّرُ عن لون عنصري “إسرائيلي صهيوني” مُتطرف، سعياً منها لفرض الطابع اليهودي العنصري على المدينة وانهاء طابعها العربي ـــ الإسلامي المسيحي ـــ في سياقات عملية التهويد المتواصلة للمدينة ومحيطها، مما يشكل خطراً كبيراً وتهويداً واضحاً لكل المعالم والتراث الإسلامي والمسيحي للمدينة الفلسطينية.
لقد جاء القرارين الأخيرين : منع الأذان، وشرعنة البؤر الإستيطانية، بعد سلسلة من التشريعات العنصرية التي يجري البحث بشأنها داخل الكنيست، فقد كان “الكنيست الإسرائيلي” (البرلمان) قد صوّتت قبل ذلك بالقرائتين الثانية والثالثة على مشروع القانون المُثير للجدل والذي يُتيح إقصاء أي نائب في الكنيست (والمقصود أي نائب عربي) بسبب ما يوصف بأنه “ممارسته التحريض على العنصرية”، ودعمه لعمليات مسلحة ضد “إسرائيل”.
مشروع القانون المشار اليه اعلاه، كان قد طرحه رئيس الحكومة “الإسرائيلية” بنيامين نتنياهو مطلع العام الجاري 2016، ومعه عضو الكنيست من حزب البيت اليهودي اليميني نيسان سلومانسكي وهو الحزب الشريك في الإئتلاف الحكومي، وجاء طرحه بالتحديد عقب زيارة نواب من القائمة العربية الموّحدة في الكنيست (البرلمان) لعائلات شهداء فلسطينيين عمليات فدائية بالقدس المحتلة مازالت جثامينهم مُحتجزة لدى سلطات الإحتلال. وبالتالي فإن القانون يستهدف النواب العرب تحديدًا، ويستهدف دورهم النشط الى جانب شعبهم، مع الإشارة إلى أن الكنيست كانت في فترة ماضية قد أبعدت ثلاث من النواب العرب وهم: باسل غطاس وجمال زحالقة وحنين زعبي عن الكنيست لمدة ثلاثة أشهر، عقب زيارة أهالي الشهداء والتضامن معهم.
وفي حقيقة الأمر، إن انفلات القوانين العنصرية، وسلسلة القوانين ومشاريع القوانين التي يجري ترسيمها في “إسرائيل” تأتي في سياقات متواصلة من المحاولات الرسمية وغير الرسمية “الإسرائيلية” المستمرة لتثبيت وتقنين العنصرية تجاه المواطنين الفلسطيني على طرفي الأرض المحتلة (1948 و 1967)، عدا عن اطلاق يد القوى الفاشية داخل المجتمع “الإسرائيلي” الصهيوني وشحنها بالتطرف. في الوقت الذي فضحت وكَشَفَت عملية التصويت على مشاريع تلك القرارات داخل الكنيست، انتهازية مايُسمى “أحزاب وقوى اليسار الصهيوني” التي انحاز العديد من نوابها في الكنيست الى جانب التصويت على مشاريعها. كما كَشَفَت أوهام المراهنة على تلك القوى التي مازال يعتقد البعض بأنها يُمكن لها أن تُساهم بلجم سياسات التطرف والفاشية التي باتت تستفحل داخل المجتمع “الإسرائيلي” أكثر من أي وقت مضى.
لقد ثبت للمرة الأف، من خلال مشاريع القرارات العنصرية المطروحة على جدول أعمال الكنيست، ومنها قانون منع الآذان، أن المشروع الصهيوني ليس مشروعاً استعمارياً استيطانياً إجلائياً فحسب، بل يذهب الى ما أهو أبعد كثيراً ليصل الى عملية إقصاء وجودي وحضاري للتاريخ الفلسطيني، واستبداله بـ “تاريخ خاص” لهم وبهم، ضمن حركة تزوير خاصة، وصارخة، للتاريخ الانساني ولتاريخ المنطة بأسرها.
إن دولة الإحتلال تتحدث عن “حرية العبادة” في القدس، في الوقت الذي تمنع فيه المصلين من الفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، من دخول القدس، والآن تسعى لإقرار منع الآذان، فهل ستمنع أجراس الكنائس لاحقاً؟ وهل هذا هو ردّهم على قرار اليونسكو بشأن إسلامية الحرم القدسي الشريف؟. نعم كل ذلك متوقع مادامت دولة الإحتلال تحظى بتغطية أمريكية على سياساتها، ومادام الموقف العربي والإسلامي تحت سقف المناشدات والكلام الإعلامي فقط.
إن الخلاص من الاعتداء على حرية العبادة في القدس وعموم فلسطين المحتلة، والردّ عليه يكون… بالخلاص من الإحتلال، وأن تكون القدس فلسطينية السيادة، وإنهاء الاحتلال والسيادة الضمان الأقوى لحرية العبادة. الأذان وأجراس الكنائس في فلسطين، كما البحر وكما الجبل وكما الصحراء وكما الهواء، هو جزء من تضاريس فلسطين الوطن، وعقلية المستعمر وقوانينه لن تقوى عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى