مقالات وآراء

أوهام الرهان على أمريكا

عارف الآغا _ خاص طريق القدس

من أولى تعبيرات العجز العربي والفلسطيني وبداية إدارة ظهرهم للتاريخ هي يوم ان تخلوا عن تسعة وتسعين بالمائة من قرارهم وإرادتهم في مواجهة المشروع الصهيوني واكتفوا لأنفسهم بواحد في المائة لإدارة هذا الصراع أوحله . فقد دقوا باتفاق كامب ديفيد أول مسمار في نعش الأمن القومي العربي وفتحوا الباب على مصراعيه أمام إلغاء الصراع العربي الإسرائيلي فكرا وممارسة . وغدا اليوم تحت مسمى الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.فمنذ عقود مضت والأيام والسنون تدور والأحداث تتكرر وتعيد ذاتها في دائرة مفرغة من الكلام الفارغ حول السلام وعملية السلام وإمكانية قيام الدولة الفلسطينية المزعومة, ومنذ عقود أيضاً والقضية الفلسطينية قابعة في مرمى الوعود وفي لعبة ما قبل وبعد موعد الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية, فتارة يوهمون الشعب الفلسطيني بوجوب الانتظار حتى انتهاء الانتخابات الرئاسية الأمريكية وأخرى الانتظار حتى ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية وهكذا دواليك دون أن يحدث أي تقدم ملموس في ما يسمى بعملية السلام التي أصبحت عمليه مطاطية وفضفاضة هدفها الواضح والساطع هو كسب المزيد من الوقت لصالح استمرار الاستيطان الإسرائيلي وفرض الوقائع الجغرافية والديموغرافية على الأرض والقضية الفلسطينية . وبعد أن تنتهي الانتخابات تعود الأمور إلى ما كانت عليه في الاستمرار والتغول في عملية قضم المزيد من الحقوق والأرض الفلسطينية.. ما هو جارٍ منذ أمد هو ليس الركض وراء السراب فحسب لا بل الاستمرار في تمرير نفس اللعبة ونفس الأكذوبة وهي انتظار نتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية والرهان الخاسر على سياسة هذا الرئيس الأمريكي أو ذاك أو على سياسة رئيس وزراء إسرائيلي أو آخر والنتيجة هي أن النهج الأمريكي والإسرائيلي نحو القضية الفلسطينية لم يتغير لا بل يزداد إمعاناً في هضم حقوق الشعب الفلسطيني وخصوصاً إبان فترات الانتخابات الرئاسية الأمريكية الذي يصبح فيها دعم إسرائيل وكسب اللوبي اليهودي لصالح هذا المرشح أو ذاك عملية مرتبطة بقدر ومعيار هضم المزيد من الحقوق الفلسطينية عبر وعود تقديم الدعم للكيان الإسرائيلي بلا حدود .
فغداة إعلان بوش الصغير عن تأييده لقيام دولة فلسطينية تتعايش مع دولة ” إسرائيل”، جرى التطبيل والتزمير عن تحول جذري في السياسة الأميركية، واستبشر حلفاء في المنطقة ومعهم الفلسطينيون خيرا ،واستجابوا لهذه الكذبة الكبيرة ، وانقضت ولاية بوش ولم يتحقق من هذا الوعد شيء، بل زاد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بنسبة 600 %، وتجاوزت جرائم العدو كل الحدود . ورأينا كيف هلل البعض من العرب والمسلمين الفلسطينيين لخطاب أوباما في جامعة القاهرة في يونيو 2009 عندما تحدث عن تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، واليد الممدودة للحوار حتى مع الخصوم .لكن هذا النفاق والكذب والحديث عن حل الدولتين لم يدم طويلا ..وأثبتت إدارة اوباما يوما تلو آخر أنها نسخة طبق الأصل عن المحافظين الجدد ، وأكثر ولاء للكيان الصهيوني من سابقتها .فقد استمر اوباما في الحروب الذي بدأها سلفه سواء في العراق أو أفغانستان وتآمر على الدولة و الشعب السوري ومحور المقاومة ولم يفعل أي شيء للقضية الفلسطينية لا بل إن هذا البهلوان تبنى برنامج حكومة نتنياهو بالكامل وصمت على الاستيطان ولم يطرح أي مشروع أو خطه حتى لاستئناف المفاوضات الوهمية بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو وصمت بالكامل على حصار قطاع غزه المستمر منذ أعوام طويلة وبرر الحروب الإجرامية على ب”حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ” ولم يخرج عن سرب من سبقوه من رؤساء وظل وفياً للإمبريالية الأمريكية والصهيوني العالمية ومعاديا للقضايا العربية ولقضية فلسطين من منطلق الفكر الامبريالي الأمريكي المبني على أساس الانحياز الكامل لإسرائيل والعداء الكامل للقضية والحقوق الفلسطينية .اما جوهر مبادرته “للسلام في الشرق الأوسط “فتقوم على وعد جديد هو إقامة دولة فلسطينية خلال أربع سنوات، وعدا عن كونها منزوعة السلاح، فهي لا تشمل القدس ولا حق العودة للاجئين، ولا حتى التنازل عن الكتل الاستيطانية الكبرى، بل يتم الاحتفاظ بها في إطار تبادل أراض بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ومسألة تحقيق الدولة الفلسطينية خاضع لسلسلة من الاشتراطات الإسرائيلية والأمريكية، والتي تجعل من تحقيقها أقرب إلى الحلم والخيال بل وحتى المعجزة. ومن هذه الاشتراطات التي يطرحها اوباما بطريقة لا تخلو من السخرية وهي أن الحكومة الإسرائيلية القائمة في إسرائيل، حكومة يمينية ومتطرفة، وحتى نستطيع أن نقنعها بالسلام، فالمطلوب من العرب والفلسطينيين تقديم تنازلات ، يقف على رأسها إلغاء حق العودة للشعب الفلسطيني وفق القرار الأممي 194، وبمعنى آخر الاعتراف بالطابع اليهودي لدولة إسرائيل، وهذا ما وضعه “نتنياهو” كشرط في خطاب تنصيبه للموافقة على حل الدولتين، وبعد تحقيق هذا الشرط، يأتي دور عرب الداخل- عرب مناطق 48 – حيث يتم التخلص من م الجزء الأكبر منهم عبر التبادل السكاني وما تبقى يطرد ويرحل قسراً. هذا من جهة ومن جهة أخرى لا تشترط مبادرة “أوباما” إنهاء الاحتلال، بل شرعنته من خلال عملية تطبيع وإقامة علاقات ما بين إسرائيل وأكثر من 57 دولة عربية وإسلامية، وبالقدر الذي يتقدم فيه التطبيع مع العرب، تصبح إسرائيل قادرة على القيام بخطوات أكثر جدية لوقف الاستيطان وتسليم أراضي.
واليوم ما الحاصل مع الرئيس الجديد . كثيرون رأوا في فوز ترامب فأل سيء على القضية الفلسطينية . كيف لا وهو الذي عبّر مرارًا أثناء الدعاية الانتخابية أنه يُساند ويدعم إسرائيل، وصرح في تغريدة له على حسابه “تويتر”، “إن الولايات المتحدة ستعترف بالقدس عاصمة وحيدة وحقيقية لإسرائيل”، مُحذرًا من أي اتفاقية سلام من شأنها أن تنزع الشرعية عن إسرائيل.
وقال :”إن القضية الفلسطينية ستواجه مرحلة خطيرة، خاصة وأن ترامب عبّر عن ذلك مسبقًا وأنه سيدعم الاحتلال الإسرائيلي على كافة الأصعدة العسكرية والسياسية والمالية”.لا نعتقد أنّ ترامب سيحدث جديداً على السياسات الأميركية السابقة ولن يكون في دعمه لـ إسرائيل وتالياً في عمله ضدّ العرب والفلسطينيين أسوأ ممن سبقوه، كما أننا لا ننتظر منه مطلقاً شيئاً إيجابياً لمصلحة الشعب الفلسطيني والقضية التي تشكل عاراً على الإنسانية. ولهذا نرى أنّ من يتطلّع إلى ترامب ليعطيه شيئاً في فلسطين أو يضغط على إسرائيل لتترك جزئية من حق اغتصبته إنما هو واهم. ولا نرى سبيلاً في المجال الفلسطيني إلا المقاومة التي بها وحدها تنتزع الحقوق السليبة وغيرها لا أثر ولا محلّ له. لكن السلطة الفلسطينية ارتأت استباق الأحداث وتقديم حسن النية مع الرئيس الأمريكي الجديد كما كانت تفعل مع سابقيه ، وفي إطار ذلك قالت على لسان الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة:” إن السلطة ستتعامل مع أي رئيس أمريكي منتخب من قبل الشعب على قاعدة تحقيق السلام في الشرق الأوسط”، مؤكدًا أنه لن يتأتي إلا من خلال حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا وفق الشرعية الدولية والقاضي بحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 واعتما شرقي القدس عاصمة أبدية لدولة فلسطين، وبيّن أن التزام أمريكا وسعيها إلى تحقيق ذلك من شأنه أن يقضى على حالة الفوضى والتطرف التي تسود الأوساط العربية والدولية في الآونة الأخيرة”.
، كفا وهما سيد أبو ردينه فإن تغيير اسم أو شخصية الرئيس الأمريكي ليس له تأثير على مجريات القضية الفلسطينية، فسواء كانت كلنتون أو ترامب أو غير هذه الأسماء. فهناك ثوابت للسياسة الأمريكية لا يستطيع أن يغيرها أي رئيس أمريكي، أو يفرض بعض الحلول العادلة للقضية الفلسطينية. وهل ما زلت تعقدأنشعبا يرزح تحت نير الاحتلال أي احتلال كان ، فما بالك بالاحتلال الصهيوني الإحلالي أن ينال حريته بالوسائل السلمية أو بالرهان على الولايات المتحدة لتحقيق حلم السلام المنشود هذا؟ خاصة وان ولاء أمريكا لإسرائيل والصهيونية ثابت في السياسة الأمريكية منذ ترومان حتى اوباما وترامب ولا يخفون دعواهم إلى التطهير العرقي ضد الفلسطينيين ؟ القناعة الوحيدة المؤكدة أن التغيير في القضية الفلسطينية لن يأتي من البيت الأبيض أو أروقة الكونجرس بل سيأتي من الأرض من الناس في الضفة الغربية وفي غزة، فهم الذين سيفرضون الحلول الحقيقية للقضية.
مختصر القول رغم كلّ ما يتصل بترامب والجدل حول سياساته، فالميدان على الأرض من يفرض سياسة الآخرين وتصرفاتهم ، فالقوي والمقاوم والمقاتل هو مَن يفرض حقه ويحميه أو ينتزعه إنْ اغتصب، ولا أمل للضعيف في الرهان على عدالة أعداءه وإحسانهم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى