الأخبارمقالات وآراء

ترامب رئيساً عنصرياً ولا سامياً

بقلم: حلمي موسى _ السفير اللبنانية

منذ اللحظة الأولى لإعلان فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة، برزَ على الفور نوعٌ من التناقض بين أنصار إسرائيل، فاليمين الإسرائيلي هلّل وطبّل لهذا الانتصار العظيم الذي اعتبروه انتصاراً لمنظومة القيم الفاشية التي يؤمنون بها، بل إن قادةً مثل زعيم «البيت اليهودي» نفتالي بينت، قال إن فوز ترامب يعتبر نهايةً لفكرة «حل الدولتين»، وبالتالي نهاية بائسة لفكرة الدولة الفلسطينية.

ولكن كان في أميركا تيارٌ يهودي رأى أن فوز ترامب أخرج من باطن أميركا أسوأ ما فيها، وهو ما صنع نوعاً من «وحدة العنصريين» مع اليمين الإسرائيلي.

والواقع أن الخلاف بين تيار يهودي أميركي واسع وبين اليمين الإسرائيلي كان بارزاً منذ وقت طويل، حينما تحالف هذا اليمين، خصوصاً الأشدّ تطرفاً منه، مع المحافظين الجدد ومع أنصار «حزب الشاي» في الحزب الجمهوري.

غير أن هذا الخلاف لم يخرج في الغالب عن بعض التلميحات والإشارات لأن الخطر لم يكن داهماً. لكن الحال تغيّر مع وصول ترامب إلى الحكم من جهة ومع التعيينات التي أعلنها حتى الآن، وهي في الغالب لعنصريين مشهورين، يخشاهم جداً يهود أميركا.

وهكذا، فإن المعلّق في «يديعوت» يارون لوندن كتب أن «إسرائيل لا تتأثر بتعيين عنصريين لا ساميين في مناصب عليا في إدارة ترامب، ولا احتجاج على ذلك. أولاً، ليس بأيدينا أن نغيّر هذا، فتعلقنا المطلق بالولايات المتحدة يفرض علينا أن نعضّ على نواجذنا ونكبح أنفسنا».

أما ثانياً، فكتب لوندن أن «الفكر الذي يتبنى التفوّق الأبيض يتناسب ومصالح حكومتنا. فإذا كان نفور رجال ترامب من العرب يفوق نفورهم من اليهود (الليبراليين، رجال وول ستريت، الصحافيين من الشاطئ الشرقي، محبي السود، أصدقاء هيلاري) فإننا نكون عقدنا صفقة غير سيئة. فترامب ورفاقه يرون في إسرائيل موقعاً متقدماً في مواجهة البرابرة، وهم ليسوا دقيقي التشخيص».

ولاحظ لوندن أنه «يسود في الصهيونية على كل أجنحتها فكرٌ يرى أن منسوباً معيناً من اللاسامية يَحسُن للمشروع الصهيوني. وبحدة أكبر: اللاسامية هي مثيرة الصهيونية وحليفتها. فاليهود بجموعهم ينزحون من أماكن سكنهم فقط عندما يهتزّ وضعهم الاقتصادي وأمنهم الشخصي. اليهود بجموعهم يُدفعون إلى هنا ولا ينجذبون إلى هنا. فليس بوسع الأمنية لبلاد صهيون والقدس أن تحرك ملايين اليهود إلى بلاد أمانيهم والتمسك بأراضيها».

وقد أشارت «هآرتس» إلى أن إسرائيل واليمين اليهودي في أميركا يصفحان عن اللاسامية التي يثيرها ترامب. وكانت منظمة صهاينة أميركا، وهي تمثل اليمين اليهودي، قد تجنّدت مؤخراً للدفاع عن ستيف بانون، وهو مدير حملة ترامب الذي تمّ مؤخراً تعيينه مستشاراً كبيراً في البيت الأبيض رغم مواقفه اللاسامية. وطبعاً، كان خلف حملة التأييد لبانون الملياردير اليهودي الأميركي شلدون أدلسون الذي يرعى كلّاً من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب على حد سواء. كما انضم للحملة السفير الإسرائيلي في واشنطن، رون دريمر، المقرب جداً من نتنياهو. وكان لهذه الحملة أن سحبت البساط من تحت حملة مضادة يقوم بها يهود أميركيون يتذكرون جيداً ماضي بانون اللاسامي.

وعلى الرغم من أن بانون مؤيدٌ كبير للاتجاهات العنصرية المتطرفة، فإن الجناح اليميني من يهود أميركا واليمين الإسرائيلي يغفرون له ذلك طالما أنه يؤيد الاستيطان ويعارض الاتفاق النووي مع إيران ويناهض أنصار حركة المقاطعة BDS.

غير أن هذا الغفران يهدد بتوسيع شقّ الخلاف بين أجنحة يهود أميركا التي بينها جناح كبير يرفض «العنصرية البيضاء» والعداء للأجانب ويصرّ على مواصلة القيم الليبرالية. ويرى معلقون أن القطيعة بين التيار الليبرالي اليهودي واليمين اليهودي في أميركا وربما مع إسرائيل قد تصير كاملة ويصعب التراجع عنها.

سرعة تأييد اليمين اليهودي الأميركي لعنصرية ترامب، أثارت غضب جماعات واسعة من يهود أميركا رغم استمرار الصمت من جانب حتى جماعات مثل «إيباك».

وكتب بيتر باينريت أن «اهتمام منظمات يهودية في أميركا بالدفاع عن نتنياهو أكبر من اهتمامها بأمن يهود أميركا». فالكثير من يهود أميركا لا يرون في ترامب مجرد خصم سياسي بل يعتبرونه شخصاً يعرّض للخطر النسيج الاجتماعي والقيم الديموقراطية ومستقبل أميركا.

وبحسب «هآرتس»، يشعر معظم يهود أميركا بأن الأرض ترتعد تحت أقدامهم، وهم يخافون من كونغرس جمهوري ومن محكمة عليا محافظة يمكنها أن تنكر حقوقا فردية وتمسّ بمنطلقات الهجرة وتفكك الجدار الفاصل بين الدين والدولة في أميركا.

ويعلم يهود كثيرون أن في محيط ترامب جوّ معاد لليهود وأن حملته الانتخابية أظهرت الأوكار التي كانت تستتر فيها اللاسامية منذ أكثر من خمسين عاماً. وقد أصاب تعيين بانون اليهود بالذهول لأنه اعتبر تأكيداً على أن ترامب لا يحاول تجميل أي شيء ولا يريد إخفاء تطلعاته.

ويشير يهود أميركيون إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية لا تتعامل مع اللاسامية في أميركا، التي خرجت من جحورها في ظل حملة ترامب، بوصفها خطراً، بل هناك من يرى أن من يعتبر ذلك خطراً لا بد أن يكون من أنصار اليسار الذي غدا في إسرائيل أقرب إلى الشتيمة. ويقولون إن إسرائيل تصمّ أذنيها عن سماع التعابير اللاسامية في تصريحات ومواقف كبار المسؤولين حول ترامب.

وفي نظر معلقين يهود، فإن التفسير الوحيد المتوفر هو أن حكم اليمين في إسرائيل وجه جهوده على مرّ السنين لاعتبار معارضة السياسة الإسرائيلية لا سامية واعتبار الانتقادات اليسارية لإسرائيل دليلاً على كراهية اليهود. وهذا ما أسهم في تنامي الاقتراب بين الفاشية اليهودية في إسرائيل وأميركا والفاشيات في العالم، وخصوصا في أميركا، التي يعتبر ترامب اليوم ممثلها الفعلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى