الأخبارمقالات وآراء

الحركة الأدبية الأسيرة داخل السجون الصهيونية.. معركة الوعي وصراع الإرادات تنتج جيلاً مبدعاً

بقلم: نبيلة سمارة _خاص طريق القدس

تعتبر الحياة الثقافية للأسرى داخل المعتقلات الإسرائيلية من أهم ملامح الحياة الاعتقالية, وقد سارعت الحركة الأسيرة إلى تشكيل حراك ثقافي واسع شمل مختلف عناصر الأطر والفصائل المشكلة للحالة الاعتقالية، وقد لعبت العديد من العوامل دورا” دفع رواد الحركة الأسيرة الأوائل إلى خلق إطار يعبر عن ثقافة الأسرى وانتماءاتهم الفكرية والحضارية,والعمل على ملء الفراغ الناجم عن اعتقالهم والاستفادة من الوقت , ونشر الوعي التنظيمي والتعبئة الفكرية .
يتحدث الأسرى المحررون لطريق القدس عن واقع الحياة الثقافية داخل السجون الإسرائيلية من وحي تجربتهم الخاصة .
عبد الحميد الشطلي أسير محرر سجن رام الله (1967-1981 ) :
تعتبر الثقافة أو الوعي مقوماً أساسياً من مقومات الصمود والاستمرار والمقاومة, وهي عنصر من عناصر زيادة القدرة على التحدي , وإذا فهمنا الحرية بمضمون عميق يصبح الأسير أكثر حرية من سجّانه, لأن الأسير يعرف متطلباته ودوره ومستقبله , فالذي يتبنى هذا الوعي هو أكثر وعياً وحرية لفهم الحياة ومضمونها.
لذا أصبحت السجون معاهد وكليات تعرّف أصول الوطنية الفلسطينية, وأصبح هناك صراع إرادات بين الفلسطيني الذي يصنع من سجنه نقطة انطلاق نحو المستقبل والإسرائيلي الذي أراد أن يكون السجن مقبرة للفلسطيني وردعه عن المقاومة.
فلم يواجهنا المحتل بالقيود والأصفاد والإجراءات التعسفية والتضييق على ظروف الحياة فقط ,بل يواجهنا بمعركة الوعي, كنا نذكر ما قاله شاؤول موفاز: “علينا بكي الوعي الفلسطيني”، كان يعني أن نوصل الفلسطيني إلى القناعة العميقة بفشل محاولاتهم لإزالة العدو الصهيوني وأن أحلامهم بالعودة والتحرير لن تتحقق وإصابته بالخيبة المتكررة.
ويضيف تحسين الحلبي أسير محرر سجن عسقلان (1967-1979) :
يعيش المرء في معتقلات الاحتلال في عالم يزيد فيه تفاعله الداخلي النفسي أكثر من أي تفاعل آخر ويصبح الحوار مع الذات والآخرين بعددهم المحدود الأداة الغالبة مع النفس ومع ذكريات ما قبل الأسر, في عالم الأسر لا يرى الأسير وجه السجّان وتفاصيل يومه الرتيب فقط بل يرى القضية التي ناضل من أجلها والمقاومة في أوسع حلقاتها المبتكرة والمتوفرة, ويرى بشكل دائم حياته بين رفاقه الأسرى ويتحسس بالتدريج طبيعتها المركزية بالنسبة لهم كأنهم مجموعته الفدائية ومجتمعه ودولته, وحريته النسبية, في عالم الأسر نجده يحب ويكره حتى لو كان ذلك في الخيال ويبحث عن تحقيق جدواه بأي طريقة أو وسيلة يستحضرها أو يكتشف أهميتها.

كيف بدأت الحركة الأدبية داخل السجون ؟
تحسين الحلبي :
في السنوات الأولى التي افتتح فيها سجون الأسر في الضفة الغربية وداخل الأراضي المحتلة عام 1948 اعتاد السجان على إقراضنا قلماً أو اثنين لكل زنزانة لنكتب رسائل إلى أهلنا ثمّ نعيد القلم بعد الانتهاء, لذلك تعلمنا الاحتفاظ ببروة قلم الرصاص أو أنبوبة قلم الحبر الجاف لنستخدمه في كتابة أو نقل ما نرغب به من صحيفة إسرائيلية كانت تصدر باللغة العربية، ويسمح لنا السجّان بقراءتها خلال ساعة وإعادتها ومنعنا من الاحتفاظ بها, وكنا نستخدم القلم في نظم قصيدة أو أبيات شعرية أو كتابة قصة قصيرة أو مقولات فلسفية. كان ممنوعاً على الحركة الأسيرة إدخال الكتب ودواوين الشعر ومختلف الكتب السياسية والتاريخية, وبعد سنوات من النضال والإضراب خاصة بعد عام 1970 بدأنا نفرض على السجّان إدخال الكتب طبعاً بعد مراقبتها من السجان بغض النظر عن محتوياتها, وبعض الكتب كان يأتي بها الصليب الأحمر وتخضع للمراقبة قبل الدخول, وبقيت الكتب التي تتحدث عن الثورة والعمل الفدائي ممنوعة من الدخول إلى المعتقلات, وفي (عام 1968 ) تمكن المعتقلون من تهريب ديوان (دمي على كفي) لسميح القاسم وحفظ الأسرى قصائده عن ظهر قلب.
في عام (1969-1970) توفر لنا أن ننقل مشاعرنا على شكل رسائل صغيرة نتداولها بين بعضنا في غرفة الزنزانة وبقية الزنازين .
من الناحية السياسية تراكمت لدينا تساؤلات سياسية كثيرة ولم يتوفر لدينا كتب سياسية تحلل الوضع السياسي من مختلف جوانبه وتضع لنا المهمات والبرامج السياسية هذه كنا ننفعل معها من خلال حوارات سياسية تجري داخل الزنازين فقد كان هناك من يتجه إلى الفكر الإسلامي وأخر إلى الفكر الماركسي, وكان السجن ما يشبه سوق عكاظ وكل يضع قصيدته داخل زنزانته ,أو ورقته أو وجهة نظره ويتحدث فيها بشكل ديمقراطي ويتقبل كلٌّ منا الآخر إن كان يحمل هذا الفكر أو ذاك.
ويضيف عبد الحميد الشطلي:
بدأت معركة المعرفة بمحاربة الأمية داخل المعتقلات فهناك من أجاد القراءة والكتابة وهناك من تمييز وحصل على شهادات جامعية وأصبحوا كتّاباً وأدباء وباحثين وشعراء بعد مغادرتهم السجن, كان ذلك جزءاً من المعركة مع العدو الذي أراد أن يخوّف ويجوّف ويفرّغ ويكوي الوعي لهزيمة الفلسطينيين, وقد أعطى الوقت الطويل للأسرى داخل السجون فرصة لتعلم اللغات فبعضهم تعلّم وأتقن خمس لغات داخل السجن مثل تحسين الحلبي وعطا القيمري وحلمي الغبن, وأسس بعضهم مراكز دراسات متخصصة في شؤون العدو بعد التحرر من الأسر هذه الكفاءات تميزت داخل المعتقلات بعد تبحّر وتعّمق في شؤون العدو.
أما الصحافة داخل السجون فقد كان العدو يأتي بصحيفة من 3-4 صفحات ناطقة باسم إسرائيل, وكانوا يسمحون لنا بالاستماع إلى نشرة أخبار واحدة كل 24 ساعة , ومع نضالات الأسرى أصبح يسمح لنا بثلاث نشرات إخبارية من إذاعة إسرائيل, كنا نستمع لأخبارها المسمومة المحبطة ثمّ نحلل الأخبار حتى نصل إلى الحقيقة هذا أدى إلى حركة نشطة بمواهب متعددة أحدهم اهتم باللغة وآخر بالكتابة وأصبح أديباً يكتب قصة قصيرة وآخر اهتمّ بالأدب السياسي فكتب بالصحافة.
ومن هنا بدأت صحافة المعتقلات بالظهور فصدرت صحيفة الهدف والحرية والوطن وغيرها من الصحف, فمثلاً صحيفة الهدف الناطقة باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كنا نصدرها داخل السجن على الرغم من عدم توفر إمكانات الكتابة والطباعة, فقد كانت تكتب بخط اليد وبطريقة سرية , تعمم قضايا ثقافية وتضمنت نتاجات أدبية لبعض الأسرى كالشعر والقصص القصيرة عن المقاومة أو الحياة في الخارج …… إلخ وتكتمل الهدف كصحيفة بأبوابها وعناوينها كالهدف التي تصدر خارج السجون إلا أنه كان يميزها عنها تضمينها رسوماً لأربعة فنانين تشكيليين تواجدوا في سجن عسقلان وهم محمد الركوعي وزهدي العدوي وعلي النجار ومحمود عفانة.
وأصبح هناك حركة صحافية داخل المعتقلات تتسم بالتنافس والسعي نحو الأجود والتأثير في مصادر الثقافة والمعرفة داخل المعتقلات، هذه المعركة التي أنهضت كفاءات وصقلت تجارب وعمقت قدرات عند الأسرى هي معركة ثقافية مع المحتل وما يُكتب وما يُقرأ وما يجري تعميمه للفائدة حتى ننتصر في معركة كي الوعي التي يخوضها العدو لمواجهتنا وتفريغ المناضل الفلسطيني من محتواه الوطني ليصبح أرقاما” صفراء في سجلاته.
لقد شكلت السجون الإسرائيلية رافداً مهماً و أساسياً للثورة والوطن وخرجت الكثير من المناضلين الأشداء الذين كانوا جنوداً للوطن ووقوداً للثورة, وخرجت القادة السياسيين الذين كان لهم دور كبير ومؤثر في قيادة الجماهير الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى