الأخبارمقالات وآراء

أمريكا وصناعة فوضى الشرق الأوسط الجديد

د.رمزي عوض/ المدير التنفيذي لجمعية راصد لحقوق الإنسان

التطورات السياسية في المنطقة من الصراع السياسي في تونس إلى الاضطرابات الأمنية في مصر إلى الصراع العسكري في ليبيا إلى الحرب على اليمن والحرب على سوريا، كلها ملفات أسقطت مقولة (الربيع العربي)، وأكدت أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية يسعى إلى مايسمى (الفوضى الخلاقة) بحسب تعبير (كونداليزا رايس) وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية السابقة بالفترة من 26 يناير 2005 إلى 20 يناير 2009.

بداية صناعة الفوضى في الشرق الأوسط
في مطلع عام 2005 كشفت (كونداليزا رايس) لجريدة (واشنطن بوست) الأميركية، عن نية الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية بالعالم العربي – بحسب تعبيرها – مؤكدة أنها ستبدأ بتشكيل ما يُعرف ب (الشرق الأوسط الجديد)، كل ذلك عبر نشر (الفوضى الخلاقة) (Creative Chaos) في الشرق الأوسط، والمعروف أن هذا التعبير هو أحد (بروتوكولات حكماء صهيون).
طبعاً هذا التصريح للسيدة رايس لم يكن يتحدث عن مشروع ستقوم به الولايات المتحدة الأمريكية في المستقبل ولكن كانت تتحدث عن مشروع قائم، بدأت به أمريكا منذ حربها على العراق عام 2003 بحجة وهمية، وهي القضاء على أسلحة الدمار الشامل التي قالت أمريكا بأن العراق يمتلكها، حيث أطلقوا حملة القصف المسماة (الصدمة و الترويع) أدت إلى انهيار الحكومة البعثية، و اعتقل صدام حسين في ديسمبر كانون الأول من العام نفسه، ثم قدم بعد ثلاث سنوات لمحكمة صورية أدت الى شنقه في صبيحة عيد الأضحى برسالة واضحة للعرب والمسلمين.
بدأت أمريكا بسحب قواتها في شتاء 2007، وأعلنت رسميا انسحاب جميع قواتها القتالية من العراق بحلول ديسمبر 2011.
ولا ننسى أن بوش الابن نفسه أعلن أمام المجلس الوطني لتنميه الديمقراطية في نوفمبر 2003 أن واشنطن ستتبنى إستراتجية مستقبلية جديدة في الشرق الأوسط، وفي يونيو 2004 طرح بوش (مبادرة الشرق الأوسط الكبير) على قمة مجموعة الثماني التي عُقدت في ( سي أيلاند) بولاية جورجيا.

هزيمة اليابان دون فوضى (مثال حاضر)
ولنعد الى منتصف القرن الماضي – لوضع مقارنة – عند قصف هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية الأمريكية في 6 و 9 أغسطس – أب عام 1945، فبرغم علم الولايات المتحدة الأمريكية بمكان وجود قادة الحرب اليابانية (مجلس الستة الكبار) مع الإمبراطور في الكهوف قرب (ناغانو) على جزيرة (هونشو) اليابانية، التي لم تقصف بالقنابل النووية بل قصفت أماكن أخرى، ولم تسقط أمريكا النظام الحاكم وقت ذاك، اتضح سببه فيما بعد بأن أمريكا لاتسعى للفوضى في اليابان، ولكن تسعى لوجود شريك ينهي الحرب العالمية الثانية وهو حكومة اليابان والإمبراطور، أعلنت على أثره اليابان استسلامها بعد أسبوع من الدمار النووي.

المقاومة عائق أمام مشروع الفوضى
كانت المقاومة الفلسطينية واللبنانية عائق أساسي أمام (الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير) لأن هاتان النظريتان تبحثان عن مكان طبيعي لكيان الاحتلال الإسرائيلي في (الشرق الأوسط الكبير) كونه لايخفى على أحد أهمية (اللوبي الصهيوني) في صناعة السياسية الأمريكية، فمهما كانت الآراء حول الحربين اللذان قادهما الاحتلال الإسرائيلي عام 2006 على لبنان و 2008 على قطاع غزة، فقد أرست المقاومة معادلة (توازن الرعب) بدعم من إيران ضد كيان الاحتلال الإسرائيلي وداعمته أمريكا، فكان لابد من إعادة تدوير لقواعد الاشتباك وخلق أبواب أخرى لتنفيذ المشروع الأمريكي الصهيوني في الشرق الأوسط.

روسيا ضد مشروع الفوضى وتأسيس الحلف الرباعي
من كل ذلك التاريخ نصل الى معرفة حقيقة تسعى إليها أمريكا في المنطقة وهو (فوضى بدون شريك) من خلال اسقاط الأنظمة الحاكمة، لبسط سيطرة القطب الواحد وهذا ما تعلمه روسيا جيدا، فلو قبلت بما تفعله الولايات لمتحدة الأمريكية، ستنتهي المصالح الروسية في المنطقة، وسيترسخ قانون جديد وهو (فوضى بعيداً عن أمريكا) جيوسياسياً، تلهب المنطقة وتصبح فيه أمريكا حاكم ومقرر للعالم.
كل تلك المخططات الأمريكية اصطدمت بسياسة روسيا الرافضة للمشروع الأمريكي الذي لم ترفضه أوروبا كلياً، بسبب تحالفاتها القائمة ونظامها السياسي الذي لايسعى للتمدد ولكن يسعى للاستقرار داخل حدوده رغم تباينات في المواقف من المشروع الأمريكي في المنطقة.
شكلت روسيا حلفا قويا (كانت بوادره موجودة أساساً) مع إيران واعتبرت سوريا هي نقطة المواجهة الكلية مع الولايات المتحدة الأمريكية، فظهرت تنظيمات متطرفة مثل النصرة وداعش وغيرهما، دعمتها أمريكا من خلال تصنيفها (متطرفة أو غير متطرفة)، كما دخلت تركيا على الساحة من خلال توجهها (الراديكالي) الخاص بالرئيس (أردوغان)، وشكلت تحالفات عربية في الخليج العربي بقيادة السعودية، في اليمن وسوريا بشكل خاص.
العراق وسوريا هي نقطة ارتكاز أساسية في المواجهة الروسية الأمريكية، فقامت روسيا بتشكيل التحالف الرباعي أو غرفة عمليات بغداد عام 2015، هو عبارة عن مركز استخباراتي معلوماتي، نشأ نتيجة تحالف استخباراتي دولي بين كل من (إيران، العراق، سوريا، روسيا)، ليكون بمواجهة ما دعت إليه الإدارة الأمريكية في عام 2014 لتشكيل تحالف دولي لمواجهة تنظيم داعش، بعد تشكيك تلك الدول بنوايا الولايات المتحدة الأمريكية في أسباب تشكيل التحالف الدولي، وقد استطاعت دول التحالف الرباعي إبقاءه بعيداً عن التناول الإعلامي، لذلك انتشرت العديد من الأخبار حول انتهاءه، ولكن تؤكد الأحداث والنتائج في العراق وسوريا أن هذا التحالف باق ضمناً ويمتلك كافة المقومات لاستمراره.

ولادة داعش والدعم الأمريكي لها
في عام 2006 خرج (الزرقاوي) وهو أحد قياديي تنظيم القاعدة في شريطِ مصور معلناً عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين٬ بزعامة عبد الله رشيد البغدادي٬ وبعد مقتل الزرقاوي في نفس الشهر٬ جرى انتخاب أبو حمزة المهاجر زعيما للتنظيم٬ وفي نهاية السنة تم تشكيل (الدولة الإسلامية في العراق) بزعامة أبي عمر البغدادي، وبعد مقتل أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر، وبعد أسبوع واحد اعترف التنظيم في بيان له على شبكة الانترنت بمقتلهما، وبعد حوالي عشرة أيام انعقد مجلس شورى الدولة ليختار أبي بكر البغدادي خليفة له، وبعد دخول هذا التنظيم على خط الحرب على سوريا وضم أراض هناك أعاد التنظيم تسمية نفسه ليصبح (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وهو مايعرف بـ (داعش)، وما لبثت أن أعلنت داعش بتاريخ 29 يونيو 2014 عن الخلافة الإسلامية ومبايعة أبي بكر البغدادي كخليفة المسلمين، وقال الناطق الرسمي باسم الدولة أبو محمد العدناني أنه تم إلغاء اسمي العراق والشام من مسمى الدولة، واستمرت في أعمال العنف والقتل والتطرف وقتال الجماعات المسلحة الأخرى وعلى رأسها جبهة النصرة التي كان تنظيم داعش سابقاً أعلن أنها جزء منه.
واستمر النزف الدموي في سوريا والعراق، بحرب بين كافة الأطراف وكانت الولايات المتحدة الأمريكية تمد داعش بالأسلحة والمساعدات اللوجستية، وتوجه ضربات في مناطق عسكرية مفصلية لتساهم في تمدد هذا التنظيم المتطرف، وافتضح ذلك بشكل مباشر بعد كشف فيديوهات ترمي خلالها طائرات أمريكية مساعدات غذائية وأسلحة للتنظيم قالت فيما بعد بأنها سقطت عن طريق الخطأ.

تغيير اسم جبهة النصرة
في 28 يوليو 2016، أعلن زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني، من خلال تسجيل بث على قناة الجزيرة عن إلغاء العمل باسم (جبهة النصرة) وإعادة تشكيل جماعة جديدة باسم (جبهة فتح الشام) معلناً أن عمل تنظيمه هو في سوريا فقط، وليس له علاقة بأي جهة خارجية، في محاولة منه لنزع صفة الإرهاب عن تنظيمه، وذلك بمشاورات خليجية وأمريكية لتكون بمواجهة الحلف الرباعي، ليدخل التنظيم في عملية التسوية السياسية لو أمكن ذلك، ولكنه استمر في أعمال التفجير وقتل المدنيين والخطف والتمدد لمناطق في لبنان كضمان امتداد له يتكامل مع داعش في العراق.
وعن تغير اسم جبهة النصرة قال (بهرام قاسمي) المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، في بيان، إن تغيير اسم (جبهة النصرة) إلى (جبهة فتح الشام) ليس سوى لعب بالكلمات، مضيفا أن الهدف من هذه اللعبة هو إخراج جماعة (جبهة النصرة) من لائحة الإرهاب.

حرب أمريكا على داعش ليست شاملة لضمان (الفوضى)
وكانت دائما الحرب المعلنة من الولايات المتحدة الأمريكية على داعش والنصرة بحلف دولي هي (وقتية)، تارة لحماية الييزيديين وتارة لحماية المسيحيين وتارة لمنع تمدد التنظيمات الإرهابية وتارة لمنع الإمدادات لها وتارة أخرى بحجة حماية المدنيين، ولكنها لم تكن يوما حربا شاملة عليها،
هذا يؤكد أن أمريكا لاتسعى لاستقرار المنطقة، وأن داعش وأخواتها هي أفضل (للااستقرار أو الفوضى) من العراق وسوريا كدول، كونها تنظيمات مسلحة متطرفة لايمكن أن يتقبل العالم وجودها، مما سيجعل المنطقة ساخنة مستنزفة الى تجهيز تسوية تضمن وجود دولة الاحتلال الصهيونية ونفوذ أمريكي مطلق في المنطقة.

دولة الاحتلال الصهيوني تدعم المتطرفين
وكان لعلاج المتطرفين من داعش والنصرة في دولة الاحتلال الصهيونية والضربات الجوية بطائرات الاحتلال ضد قوات حزب الله والقوات السورية التي تقاتل ضد تلك التنظيمات المتطرفة هو دليل قوي على دعم كيان دولة إسرائيل (للااستقرار) في سوريا، ولاستنزاف المقاومة اللبنانية في حرب طويلة الأمد يعتقد الاحتلال الصهيوني أنها ستؤثر في معادلة (توازن الرعب) بينها وبين المقاومة اللبنانية.
وكان قياديا في (داعش) يدعى نضال النصيري، أعلن أن تحرير فلسطين ليس من (أولويات الجهاد المقدس)، كما قال رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، اللواء (هيرتسي هاليفي) بإشارته إلى أن الدولة العبرية تفضل هذا التنظيم على نظام الأسد، وأنها لا تريد أن يسوء وضع (داعش) في الحرب الدائرة هناك إلى درجة الهزيمة.
وهذا الموقف الإسرائيلي من (داعش) يقترب بدرجة ما من الموقف الأمريكي، وهو يتطابق من حيث الجوهر مع مواقف عدد من الدول العربية وخاصة الخليجية، ونقطة الالتقاء بين هذه الأطراف صناعة ما يسمى بـ (الخطر الإيراني).
هذه المفارقة تعكس الكثير من المتغيرات التي تتجلى بتدمير وتفكك ليبيا – التي يراد لها أن تكون خزاناً بشرياً وماليا للتطرف الإسلامي – واهتزاز أمن مصر بشدة، واحتدام الصراع الطائفي والمذهبي في المنطقة من العراق إلى سوريا مرورا بالبحرين واليمن، ليصبح على قمة أولويات حكومات المنطقة وبرامجها السياسية والاقتصادية، وهذا بالنسبة لكيان الاحتلال الإسرائيلي يمثل فرصة ذهبية تساعدها على التواري خلف (حروب داخلية) دامية بالمنطقة تزيحها في صمت – بسبب الفوضى في الشرق الأوسط الجديد – من خانة العدو الأول لتصبح إيران هي العدو في الشرق الأوسط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى