الأخبارمقالات وآراء

القدس في الانتفاضات الفلسطينية.. سرُّ الانفجار

هيثم أبو الغزلان *
تدفع الممارسات والإجراءات “الإسرائيلية” بحق المقدسيين العرب، وبحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين؛ تدفع المقدسيين إلى التصدي ومقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوقهم ووجودهم في المدينة المقدسة، وأن جذر المشاكل وسببها المباشر هو الاحتلال، والذي يقتل الإنسان المقدسي في اليوم ألف مرة؟! مع التأكيد أيضاً، أن الاحتلال الإسرائيلي كان ولا يزال وسيبقى الخطر الأكبر الذي يتهدد الأقصى والقدس وفلسطين كلها.

سياسة مبرمجة
توجد سياسة “إسرائيلية” مبرمجة في استهداف جميع المقدسات الإسلامية في فلسطين؛ عبر الاقتحامات المتكررة وشبه اليومية، وتسجيل سلطات الاحتلال ممتلكات عقارية عربية وأوقاف إسلامية في البلدة القديمة بالقدس في قسم التسجيل بوزارة الداخلية “الإسرائيلية” “الطابو”، وتسجيل ذلك على أساس أنه أملاك يهودية وإطلاق أسماء عبرية عليه رغم أنها أملاك عربية كانت تتبع الوقف الإسلامي.
إن المقاطع المصورة التي تظهر اعتداءات قوات الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين العزل الأبرياء وعمليات الإعدام الميدانية المتكررة التي يقوم بها جنود دولة الاحتلال شكلت دافعًا جديدًا وإضافيًا للشباب الفلسطيني للانخراط في انتفاضة القدس ومواجهة الغطرسة الإسرائيلية.
وأظهر استطلاع أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والبحثية”، شمل 1270 شخصًا، تأييدًا بنسبة 67% ممن شملهم الاستفتاء لعمليات الطعن وموجة عمليات المقاومة التي شنها الشبان ضد الاحتلال خلال “إنتفاضة القدس”.
ويتصاعد ذلك الإرهاب “الإسرائيلي” الدموي بـ “غطاء” ومباركة دولية، عبر الاعتداءات والاقتحامات، والتوسع في المشاريع الاستيطانية في القدس المحتلة وإنشاء المزيد من المستوطنات وتسمين القائم منها، وطرح مناقصات لبناء أحياء استيطانية جديدة على أراضي صور باهر والمكبر، ناهيك عن القضم المنهجي لما تبقى من أرض مقدسية أتى عليها جدار الضم/ الفصل العنصري.
في الوقت نفسه تتواصل الحفريات أسفل المسجد الأقصى حتى بلغت أخطر مراحلها، وتهدد بقاءه تمهيداً لهدمه وبناء هيكلهم المزعوم على أنقاضه.
تل أبيب تمضي ببناء مستوطنات يهودية تفصل القدس الشرقية بالفعل عن الضفة الغربية ومن خلال التفرقة في المعاملة التي تدفع الفلسطينيين إلى الرحيل عن المدينة المقدسة.
ويواجه العرب الكثير من العقبات للحصول على حق الإقامة في القدس وبخاصة إذا عاشوا خارجها لأي فترة من الزمن، وأنهم لا يحصلون عادة على تراخيص لبناء منازل جديدة، كما أن خدمات البلدية ضعيفة في مناطقهم. ويقتطع الجدار العازل في الضفة الغربية بالفعل بعض المناطق النائية التي يسكنها عرب من بلدية القدس عن مركز المدينة.
ويُرجع الباحث والمتخصّص في شأن القدس جمال عمرو “هبة القدس التي تخيف إسرائيل وتقلقها لأنّها أثبتت فشل سياستها في ترويض السكّان وتغيير هويّتهم وتهويد ثقافتهم من خلال التّطبيع ودمجهم في المجتمع الإسرائيليّ”.
ويشير إلى أنّ إجراءات الإحتلال في المدينة جعلت المقدسيّين يكتشفون أنّهم “الأكثر فقراً، وأنّ مواجهة الاحتلال يجب أن تحدث، الأمر الذي فاجأ إسرائيل التي ظنّت أنّ المقدسيّين قد استكانوا وأنّ مشروع التّطبيع قد نجح”.
ويعزو مدير مؤسّسة “مدار للدراسات الإسرائيليّة” أنطوان شلحت في حديث صحافي القلق الإسرائيليّ لأهميّة القدس في الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، ورفضها تقديم أيّ تنازل فيه على طاولة المفاوضات، موضحاً أنّ المعركة على القدس لدى اسرائيل أشبه بأمّ المعارك. لذلك، ترى “أنّ المواجهات تعكس تحديّاً لكلّ مخطّطاتها الآنيّة والاستراتيجيّة في المدينة، القائمة على فرض وقائع ميدانيّة من خلال مصادرة الأراضي والاستيطان وطرد الفلسطينيّين”.
ويعتبر المعلق العسكري لموقع “يديعوت أحرونوت” الإلكتروني رون بن يشاي، فإن “الانتفاضة الثالثة تراكم زخماً، وهي تجري في المسار المعهود: القدس، الوسط العربي و”إسرائيل”، يهودا والسامرة وحالياً في تل أبيب. واللهيب ينتقل من مكان إلى مكان وكل بؤرة اشتعال تغذي وتلهب البؤر الأخرى. هذا كان في الانتفاضة الأولى، انتفاضة الحجارة، وفي الانتفاضة الثانية، انتفاضة الاستشهاديين”، حسب تعبيره.

إشتعال الأوضاع
يعترف عدد من القيادات “الإسرائيلية” بأن تشديد العقوبات بحق الفلسطينيين في القدس سواء بالاعتقال أو الغرامة المالية أو محاولات الإبعاد عن المدينة لن يزيد الأوضاع إلا اشتعالاً، وأن حل التصعيد ضدهم هو وصفة جديدة لصب الوقود على نار الهبة الفلسطينية المشتعلة في أحياء القدس.
وأشار تقرير، نشرته صحيفة “هآرتس”، إلى الأوضاع في القدس، وتصاعد عدد منفذي العمليات في السنوات الأخيرة، بالمقارنة مع مدن الضفة الغربية، خلافاً لما كان عليه الوضع في السابق في فترة الانتفاضة الأولى. واعتبر التقرير أن ما أسماه عملية “الأسرلة” في سلوك المقدسيين لتسهيل أمور حياتهم المعيشية اليومية، يترافق مع تعزز المشاعر القومية والدينية، والاتجاه نحو التصعيد مع الاحتلال.
ومن اللافت أيضًا أن جهاز الشاباك، كان قد حذر في تقرير له عام 2008 من تصاعد عدد المقدسيين المشاركين في عمليات المقاومة ضد الاحتلال، إضافة إلى ظاهرة تنفيذ عمليات بشكل فردي، وتشكيل تنظيمات محلية، والمبادرة إلى تنفيذ عمليات بدون توجيهات من الخارج.
وبحسب معطيات نشرها جهاز “الشاباك” “الإسرائيلي”، فإن الرسم البياني للمقدسيين المشاركين في تنفيذ عمليات ضد الاحتلال، بدأ يتصاعد في العام 2008، بينما شهدت الضفة الغربية هدوءاً نسبياً، واستمر التصاعد مدة سنتين، وتراجع في العام 2011، ولكنه تصاعد مرة أخرى. ومن ضمن التفسيرات التي يعرضها التقرير، تمت الإشارة إلى بناء جدار الفصل الذي مس بالمجتمع الفلسطيني في القدس وفي اقتصاده، واقتحام اليهود المتصاعد للحرم المقدسي، والاستيطان اليهودي في داخل الأحياء الفلسطينية. ويرجع أحد الباحثين “الإسرائيليين” السبب أيضاً إلى ما أسماه “تحطيم القيادة الفلسطينية في القدس”، معتبراً أن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية هي عنصر يدفع باتجاه “الاعتدال”، في حين يُمنع نشاط السلطة في القدس التي باتت بدون قيادة محلية.

القدس بين الانتفاضات
أكد البروفيسور “مناحيم كلاين” من جامعة “بار إيلان” في “تل أبيب”، أن القدس تعيش انتفاضة، ونقلت صحيفة “ديلي تلغراف” عنه قوله إن القدس تعيش انتفاضة جديدة لا تشبه انتفاضتي 1987 و2000، وأضاف “من يقولون إنها ليست انتفاضة يقارنون ما يجري بالانتفاضتين السابقتين، ولكنني أرفض النظر للانتفاضة الثالثة من خلال القياس على الأولى والثانية، وقد تكون مختلفة، وهي رفض شعبي لسلطة إسرائيل”.
وقارنت صحيفة “يديعوت احرونوت” (15-3-2016) بمقال ترجمه موقع “القدس”، تحت عنوان “انتفاضة الجيل الثالث”، بين الانتفاضات الثلاث التي مرت خلال ثلاثة عقود، بدءاً من انتفاضة الحجر عام 1987 من القرن الماضي، ومرورًا بالعمليات الاستشهادية والسيارات المفخخة في الانتفاضة الثانية، وانتهاءً بانتفاضة القدس.
وتناولت الصحيفة هذه المقارنة من عدة جوانب، بدءاً من اسم كل انتفاضة ومرورًا بفترتها وقيادتها والحافز لقيامها، وانتهاءً بالوضع السياسي الذي تزامن مع كل انتفاضة من الانتفاضات الثلاث، وطبيعة المشاركين فيها وأساليبها.
بالنسبة للاسم فقد حملت الانتفاضة الأولى اسم “الانتفاضة الفلسطينية الأولى”، في حين حملت الانتفاضة الثانية اسم “انتفاضة الأقصى”، أما الانتفاضة الحالية فتحمل اسم “انتفاضة القدس”.
وفيما يتعلق بالفترة الزمنية، أشارت الصحيفة إلى أن الانتفاضة الأولى بدأت في نهايات العام 1987، واستمرت لغاية التوقيع على اتفاق أوسلو في العام 1993، في حين امتدت الانتفاضة الثانية من العام 2000 ولغاية العام 2005 مع انعقاد قمة شرم الشيخ، أما الانتفاضة الحالية فهي مستمرة.
وتطرقت الصحيفة للدافع وراء اندلاع الانتفاضة الأولى، والذي تمثل بحادث الطرق الذي أودى بحياة 4 عمال فلسطينيين من قطاع غزة، أما الإنتفاضة الثانية فقد نشبت في أعقاب قيام رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أرييل شارون باقتحام باحات المسجد الأقصى، أما الانتفاضة الحالية فجاءت في أعقاب المحاولات الإسرائيلية لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي الشريف.
وبخصوص الوضع السياسي الذي ترافق مع كل انتفاضة، قالت الصحيفة إن الوضع السياسي في الانتفاضة الأولى امتاز بالجمود التام على الساحة السياسية، أما الانتفاضة الثانية فقد جاءت في أعقاب انهيار مفاوضات كامب ديفيد، اما الظرف السياسي للانتفاضة الحالية فيتمثل بالجمود السياسي وغياب أي أفق للحل، واليأس الفلسطيني من العملية السلمية وفقدان الثقة بين قيادتي الطرفين.
وبالنسبة للمشاركين في الانتفاضات الثلاث، أشارت “يديعوت” إلى أن الانتفاضة الأولى امتازت بمشاركة جماعية من جميع فئات السكان، في حين امتازت الثانية بمشاركة جماهيرية مقلصة واتخذت الطابع العسكري، أما الحالية فتستند أساسًا على الطلاب والشبان الصغار.
وتناولت الصحيفة طبيعة الانتفاضات الثلاث وأشكالها، حيث تمثلت الانتفاضة الأولى برشق الحجارة والزجاجات الحارقة والمظاهرات الجماعية والمواجهات مع جيش الاحتلال، في حين امتازت الثانية بالطابع العسكري من خلال العمليات التفجيرية، خاصة داخل “الخط الأخضر” وعمليات إطلاق النار في الضفة الغربية، أما الانتفاضة الحالية فقد بدأت بمواجهات في الضفة، وتشهد موجة من عمليات الطعن والدهس ينفذها أشخاص منفردون، بالإضافة إلى عمليات إطلاق نار ومحاولات تسلل للمستوطنات.
إن الموقف “الإسرائيلي” ليس بالجديد بل إنه الموقف الطبيعي الذي يخدم سياسة ومصالح الكيان، أما من غير الطبيعي فهو هذا التخاذل العربي المطبق عن نصرة الأقصى والمقدسات، نعم هناك أصوات تعلو هنا وهناك ولكنها تبقى أصواتاً باهتة، وغير مؤثرة، لقد غاب التأثير مع غياب التحرك المنظم لإنقاذ الأقصى والقدس، فلا نكاد نلمس ردود فعل عربية أو إسلامية قوية على عمليات التخريب والتهويد والتشويه المستمرة والمتواصلة، وكأن ما يجري في هذه البقعة المقدسة هو خارج هذا العصر الصهيو ـ أمريكي بامتياز.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى