الأخبارمقالات وآراء

الضاحية في كل تموز: أبجدية صمود

هي المبتدأ عند الحديث عن المقاومة والخبر ذات كل حدث، وهي حروف العطف إذا ما تعلق الأمر بالدموع على الشهداء، وفوق كل هذا كله، هي الأبجدية عند الحديث عن الصمود.

هي الضاحية إذ تعانق البحر، تحت أنظار جبل لتلامس بأطرافها قلب بيروت. حنونة على أهلها والغرباء، لا تلفظ أحدا أو تنبذه. هي المدينة إن حكت، وفية لأولادها حين يغادرون أعشاشهم في الصباحات ليعود بعضهم إليها متفاخرا بمجد وانجازات وآخرون يعودون في نعوش تروي قصصا عن أبطال كانوا هنا.. ورحلوا.

لأهل الضاحية حكايات مع الشهادة، مذ صب العدو الصهيوني نيران حقده وغضبه على منازلهم خلال عدوان تموز 2006. في كل بيت قصة ترويها أم أو أب وأحيانا ابن وابنة.

ذات يوم من أيام تموز استفاقت أحياء الآمنين فيها على هدير الطيران وأصوات القذائف. مجمعات بأكملها سويت بالأرض، ارتفعت درجة حرارة الأجواء. ثمة من غادر على عجل، وآخرون لم يسعفهم الوقت، فارتقوا شهداء الأيام الأولى للعدوان.

كل الذين غادروا إلى المناطق المحيطة، القريب منها والبعيد كانوا يعودون إليها كلما سنحت لهم فرصة. منهم من كان يحاول البحث عن ذكريات في بقايا أحياء ومنازل مدمرة، ومنهم من تعلق بصورة في لحظة المأساة، ومنهم من كان يعود للبكاء كلما سمع بشهيد من الأهل والأقارب، غير أن هذا كله لم يغير في واقع النفوس شيئا وإن كانت معالم الحجر قد تغيرت إلى حد كبير.

كان الحاج أبو حسين في الجنوب عندما بدأ العدوان الإسرائيلي. يمضي الرجل السبعيني أيام الصيف في بلدته الخيام ليعود في أول شتاء إلى شقته المقابلة لمجمع القائم في الحي الأبيض. من الخيام كانت وجهته إلى البقاع حيث حل ضيفا على بعض الأصدقاء هناك. عانى وعائلته مشقة الانتقال على الطرق المهددة، وطوال رحلته، كان يفكر باستمرار بمنزله في الضاحية ففيه الكثير من الذكريات وجنى العمر، وفيه شبّ أبناؤه الستة. لم يتسن له الوقت للعودة وكلما سمع باستهداف محيط «القائم» كانت دقات قلبه ترتفع إلى أن سمع خبر انهيار إحدى عمارات الحي. وقتذاك أصيب بالصدمة والصمت، ليهمس في سره: «الحمدلله تجي بالحجر وتبقى الصحة»، كررها أكثر من مرة. ظل مرتبكا لفترة إلى أن اتصل به أحد الجيران قائلا: «يا حاج عمارتنا لم تتهدم بل البناية التي إلى جانبها».

اليوم يجلس أبو حسين على شرفة شقته في حي الأبيض متذكرا أياما لا يحبذ تكرارها. «لكن ماذا نفعل إذا كانت إسرائيل تعتدي علينا، سنتحمل ونصبر لكننا لن نكون إلا إلى جانب المقاومة مثلما كانت إلى جانبنا» يقول عباراته بشيء من الغصة: «ما مضى من العمر أكثر مما بقى».

إلى حارة حريك، لا يبدو المشهد مختلفا، تتشابه المعالم.. والرايات، هي صفراء وسوداء في غالبيتها. كثيرون يتذكرون الحرب ومآسيها، منهم من يرفض الحديث هربا من دموع قد تحرج، وآخرون تلمس حيرتهم في أعينهم، عند سؤالهم: ماذا لو تكرر تموز؟.

يبدو لوهلة أن هذا السؤال كبير بحجم جبل، خصوصا لدى التفكير بالوجهة التي سيختارونها إذا ما أرادوا مغادرة الضاحية ذات غدر صهيوني. هم الذين يدفعون اليوم الثمن بالدم شهداء يسقطون في مواجهة الارهاب التكفيري في سوريا. تختلط صور هؤلاء الشهداء بصور شهداء تموز 2006. هم الأهل الذين يقفون عند الحواجز العسكرية والأمنية تزنر كل مداخل الضاحية الجنوبية، مخافة أن يقدم الظلاميون على تنفيذ تفجيرات انتحارية جديدة.

يجمع محمد موسى نفسه. يجلس على كرسيه في قهوة صغيرة شعبية على أوتوستراد السيد هادي نصرالله، ويقول: «سنبقى في بيوتنا ولن نغادر، وإذا فرضت الحرب علينا فسنكون إلى جانب المقاومة»، لكنه برغم ذلك يتحدث عن الرحيل هذه المرة ليس إلى بيروت التي عاش فيها طوال أيام عدوان 2006 لكن إلى أوروبا «فالهجرة تظل أحد الخيارات المطروحة إذا قدرنا عليها».

يتحدث محمد عن الأيام الأولى للعدوان: «نزلت إلى الخندق الغميق (بيروت) لكن كنت أعود إلى حارة حريك يوميا لأزور شقتي التي بقيت صامدة حتى آخر يوم في الحرب. في ذلك اليوم شعرت بالعري عندما تم تدمير بنايتنا.. الى أين اذهب؟ سؤال راودني لأيام قبل أن استقر في منزل خالتي، وكانت المفاجأة أنني أقمت عندها منذ انتهاء العدوان ولمدة ست سنوات، تأخر بناء عمارتنا كثيرا وعندما عدنا كانت الشقة قد تقلصت في مساحتها فتقريبا نقص غرفة من شقتنا». وبرغم ذلك، لا بد من الفصل بين أمرين: المقاومة وهي المتمثلة بالرجال الذين يقاتلون دفاعا عنا. ولا نراهم ولا نعرفهم. وبين أولئك الذين نراهم كل يوم ويتابعون أمورنا بعد انتهاء الحدث».

وإذ يوجه متضررون انتقادات للتفاوت في التعويضات التي حصل عليها المتضررون من الحرب، برغم مضي 10 سنوات على تلك المأساة، يوضح حسن: «نحن نؤيد المقاومة لأنها تدافع عن أرضنا وعرضنا، وعلى هذا الأساس لا نحكم عليها من خلال بعض الأشخاص، بل بما يمليه علينا ضميرنا بمساندة هؤلاء الشباب الذين يعطون من دمائهم لقاء أمننا وأماننا».

في مجمع الإمام الحسن، تبدو العمارات الثماني التي استهدفت خلال عدوان تموز جديدة نسبيا، أعيد بناء المجمع الذي كان موحدا بتقسيمه إلى قسمين، يضم كل واحد منهما أربع بنايات. ينشغل أهل هذه البقعة بأعمالهم بعد سنوات من زوال غمامات الحقد السوداء. في المجمع سقط شهداء كثر لا يزال الأهل يذكرونهم، على وجع وقلق من المستقبل.. هم يفضلون أن يقفلوا أبواب الذكريات الأليمة على مساحات في دواخلهم صغيرة بكبر بحر.

تختلف الذكريات بين عزيز رحل، وجنى عمر احترق، لكن ما يجمع عليه سكان الضاحية مهما اختلفت عناوين أي عدوان ولو مفترض، وفي أي وقت كان يبقى لسان الحال والشعار «الشهادة ولا الذل».

المصدر: جريدة السفير

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى