الأخبارمقالات وآراء

عملية تل أبيب: بين النزعات الإنسانوية والأخلاقية… ومعادلات الواقع والصراع الصلبة!

بقلم نصار ابراهيم

قيل بأن السياسة جبر لا حساب… وقيل أيضا أن السياسة منتوج علاقات وموازين وعوامل قوة شاملة ومتراكمة.. بكلمات أخرى إنها ليست نزعات وتهويمات ومواعظ ومشاعر … لقد تابعت بعض ردود الفعل على عملية تل أبيب.. وتوقفت أمام تلك “المقاربات والتحليلات” التي أخذت تعبر عن نفسها بطريقة ولغة “إنسانوية” و”أخلاقية” عند بعض الكتاب والمثقفين والإعلاميين العرب والفلسطينيين… حيث “حاولت”تلك الأصوات والأقلام جاهدة أن تتسم ب”العقلانية… والواقعية” بل وذهب بعضها إلى إدانة ما جرى… باعتباره عملا “لا أخلاقيا.. ووحشيا” ، بل وأكثر من ذلك اتهام إسرائيل بأنها هي التي خططت له لكي تتكئ عليه وتطلق عنفها ضد الفلسطينيين… خلاصة القول أن البعض برر منطقه هذا بحرصه على “طهارة وأخلاقية ” مقاومة الشعب الفلسطيني… والبعض الآخر برر منطقه بخوفه وحرصه على الشعب الفلسطيني من رد فعل نتنياهو وليبرمان….

في كل الأحوال… هذا المنطق بجانبيه لا يغني ولا يسمن من جوع.. ذلك لأن منطق معادلات التاريخ والواقع وعوامله الفاعلة سواء عند الشعب الفلسطيني أو عند منظومة الاحتلال تختلف كثيرا مع مثل هذه المقاربات والتحليلات الإنسانوية والأخلاقية (على نبلها)… ذلك لأن منطق الصراع محكوم بمعادلات لها سياقاتها التاريخية التي لا تتقيد بتنهدات كتابنا ومثقفينا… هو صراع طاحن يمتد على مدار قرن من الزمان… فالشعب الفلسطيني يخضع للاحتلال الاستيطاني الاستعماري الصهيوني منذ 70 عاما .. وهذا الاحتلال له استراتيجياته التي لا تتقيد بردود الأفعال اللحظية… ولا يهمها كثيرا التأوهات الإنسانية… فمنذ سبعين عاما وهو يقتل ويذبح ويقتلع ويدمر ويسرق ويعتقل ويحاصر ويحرق.. ولا ينتظر تبريرا أو تسويغا…

هنا جذر المشكلة هنا السبب والنتيجة وليس رد فعل الشباب الفلسطيني الغاضب.. أو رد فعل الشعب الفلسطيني الذي يخضع لأقسى أنواع الاحتلالات في التاريخ.. أقصد الاحتلال الإحلالي الاستعماري الإسرائيلي الذي ينفي حق الشعب الفلسطيني في الوجود كما ينفي حقه في الأرض .. سواء كان الشعب الفلسطيني أخلاقيا أو إنسانيا أم لا..سواء مارس المقاومة أم انصاع.. فحسابات إسرائيل لا تخضع لمعادلات كتابنا الإنسانية والأخلاقية… أبدا… فهونوا عليكم..
سبعون عاما وهم يدفعون الفلسطيني ليكون خارج الواقع والعقل والتاريخ والجغرافية.. ويجردونه من كل أسباب القوة وفي النهاية يأتي مثقفون وإعلاميون وساسة عرب ويطالبوا الفلسطيني أن يكون عقلانيا…!

هذه المقاربة –ومهما كانت الدوافع نبيلة وإنسانية- تخطئ في المبتدأ والخبر… تخطئ في المبتدأ من حيث أن أصحابها ينسون أو يتناسون السبب الأساسي والرئيس في كل ما يجري ألا وهو الاحتلال… ينسون أن الاحتلال بممارساته ومشاريعه هو فقاسة كل العنف وردود الأفعال .. بما في ذلك العنف الذي يطال الإسرائيليين…
يخشى البعض أن مثل هذه العملية ستزيد من القمع الإسرائيلي (يا سلام!!!!!!!!!!) وكأن الإحتلال ينتظر ويبحث عن مبررات… قال شو: سيستغل نتنياهو العملية ليحاصر ويمنع التصاريح ويشن حملات قهر وعنف… (يا سلاااااااااام) ع أساس أن الفلسطينيين ليسوا محاصرين في الضفة ب 650 حاجزا عسكريا.. وغزة ليست مثلا تحت الحصار الشامل منذ 2007، تم خلاله تدميرها ثلاث مرات…

والأجمل هو حكاية التصاريح… من ذلك الذي وضع في عقولكم أن الفلسطينيين مبسوطين كثيييير على التصاريح…؟؟؟ ألا يسأل الكتاب والمثقفون الإعلاميون العرب الإنسانيون جدا جدا أنفسهم.. لماذا على الفلسطيني من حيث الأصل أن ينتظر تصريحا من إسرائيل حتى يزور القدس أو لكي يصلي في الأقصى أو في القيامة…!!!!! هذا بالإضافة إلى 7000 أسير فلسطين كمعدل دائم في السجون الإسرائيلية… يعني ما يقارب مليون فلسطيني على الأقل قد دخلوا المعتقلات الإسرائيلية …
خطورة هذا التفكير أنه باسم الواقعية والإنسانوية يحيل المعضلة إلى الفلسطيني .. فيصبح غير عقلاني.. ولا إنساني… طيب ماشي… ومع ذلك لا أستطيع أن أفهم كيف ينسى الكتاب والمثقفون سياقات صراع ممتد على مساحة قرن ثم يبنون نظريات ومقاربات على حدث منفرد… أقصد هل احتلال فلسطين عام 1948 وما ارتكبته عصابات شتيرن والهاغاناة والبلماخ كان بسبب عنف الفلسطينيين؟؟؟؟ وبعدها… هل ضم القدس وبناء المستوطنات والاستيلاء على المياه هو بسبب وحشية الفلسطنيين؟؟؟؟
سبعون سنة والفلسطيني مقتلع ومهان ويقتل كل يوم 100 مرة… تفضلوا اقنعوا نتنياهو وليبرمان بالطريقة (الإنسانوية) لكي يعترفا ببعض بعض بعض حقوق الفلسطيني ولا أريد أن أقول كلها!
منذ ستة وعشرين عاما والقيادة الفلسطينية تفاوض .. وتعلن ليلا نهارا أنها تعترف بإسرائيل على 78% من فلسطين التاريخية… ومستعدة حتى لمبادلة أراضٍ من الضفة المحتلة… وقبول حل “عادل” لقضية اللاجئين ومستعدة أيضا للتعاون والتنسيق… و.. و.. و.. و.. و.. و… فماذا كانت النتيجة؟
ولكن هذا ما سنصل إليه مع “إنسانية العرب المفرطة” يصبح نتنياهو أخلاقيا في ردود فعله على لا أخلاقية الفعل الفسطيني… يعني علينا إذن أن نثبت لإسرائيل وللدول الغربية التي احتضنت ولا تزال تغطي على الاحتلال الإسرائيلي وحروبه العدوانية أننا إنسانيون وأخلاقيون كي يعترفوا بنا… وإلا فإسرائيل ستجد مبررا لكي تفعل بالفلسطينيين ما تشاء… أي تأديب هذا الفلسطيني “المتوحش”…

بالمناسبة لست مع قتل أي إنسان بشكل عام … كما لست مع قتل أي إنسان في فلسطين من حيث المبدأ… مهما كان دينه أو لونه … ولكن حتى يحصل ذلك وحتى تصبح هذه الرغبة والنزعة الأخلاقية والإنسانية ذات جدوى وحقيقية ومقنعة ولها معنى… إذن يجب إنهاء سبب القتل في فلسطين، الذي هو في المقام الأول والعاشر يتمثل بالاحتلال.. وعدا ذلك هي تبريرات أو هروب لا أكثر ولا أقل وتحميل الضحية بصورة مباشرة أو غير مباشرة السبب فيما يجري…
خلاصة القول ليغضب مثقفونا الإنسانويون كما يشاؤون… وليكونوا كما يريدون…فهذا لا يغير من معادلات الواقع شيئا… فقط أريد أن أذكر هؤلاء بالحادثة التالية ليتعلموا ويفهموا ما أقصد:
[في سبتمبر عام 1997 قتلت ابنة اخت مايكو بيليد ( Miko Peled اليهوديه – حفيدة الجنرال بيليد – وهي في سن الثالثة عشرة من قبل شاب فلسطيني – وقامت وسائل الاعلام الصهيوني بتضخيم الحدث وطالبت بالانتقام ولما سئلت امها عن الثأر لمقتل الطفله اجابت بانه ليس هناك ام في العالم ترضى ان تقتل ابنتها او ابنة اية ام اخرى لذلك فان الانتقام مرفوض تماما ولما سئلت عن المسؤول عن مقتل الطفله اجابت بان الحكومة الصهيونية المتطرفه هي المسؤولة عن مقتلها لانها ادخلت اليأس الى نفوس الشباب الفلسطيني وحرمتهم من ارضهم ومياههم وكل حقوقهم الانسانيه ( وقد كان نتنياهو رئيسا للوزراء انذاك وكان صديقا لهذه المرأه (نوريت بيليد الحنان) لانهم درسوا في مدرسة واحده)..

بالمناسبة أصبحت نوريت من أكثر النساء معاداة للصهيونية ولها كتاب ممتاز تكشف فهي بنية النظام التعليمي الصهيوني العنصري ضد الفلسطينيين..
وقبل وبعد يبقى السؤال: لم “جُنَّ” هذا الفلسطيني؟ أقصد لا تلوموا الفلسطيني على “جنونه” بل ابحثوا فيمن يدفعه “للجنون”… ذاك هو السبب… فألقوا القبض عليه إن استطعتم!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى