كلمتنا

الثورة الإسلامية وتغيير معادلة الصراع

د. محمد البحيصي / رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

جاءت الثورة الإسلامية في إيران في زمن الانهيار الإقليمي الكبير في منطقتنا، الذي تمثّل بسقوط النظام الرسمي المصري تحت حوافر المشروع الصهيوني، بعد ارتمائه في الحضن الأمريكي الذي قاده لهذا السقوط، وهذه حقيقة تجلّت في العلاقات التي جمعت الولايات المتحدة ومصر التي ظهرت أكثر على الملأ بعد حرب تشرين 1973، وما تلاها من تحضير لذلك السقوط الذي عبّرت عنه اتفاقية كامب ديفيد التي تركت الجبهة الشمالية ( سورية- الثورة الفلسطينية في لبنان) مكشوفة ومهّدت لاجتياح لبنان في صيف العام 1982، ومن ثم فتح الباب لتبنّي المسار السياسي التسووي مع إسرائيل في أوسلو، وقد كان مقدّراً كثمرة من ثمرات هذا التغيير في ميزان القوى بعد خروج مصر من معادلة الصراع أن تتساقط المنطقة على طريقة أحجار الدومينو، ابتداءً من الاختراق الإسرائيلي في مصر.

وهنا ظهرت يد الله العليا في إيران، وجاءت الثورة الإسلامية ومفجرها الإمام الخميني (رحمه الله) فيما يشبه المعجزة لتوقف هذا السقوط، ولتقيم من جديد جدار المواجهة والمنازلة الذي أوشك أن ينقضّ، وليعيد لمعادلة الصراع حضورها مضيفاً عليها ذلك البعد الذي حرص أعداء الأمّة على إقصائه وأعني به البعد الإسلامي، وللأمانة التاريخية فإنّ سورية ممثّلة برئيسها وقتذاك المرحوم حافظ الأسد كانت الأقدر والأجدر لقراءة حقيقة ما جرى في إيران، وعمق التحوّل الجذري والاستراتيجي الذي أوجدته الثورة والجمهورية الإسلامية حين قطعت يد كلاً من أمريكا وإسرائيل وكنستهما من إيران، وحفرت عميقاً للمجرى التاريخي الطبيعي والرابط بين إيران والمنطقة على قاعدة مواجهة المشروع الصهيوني بوجهيه الأمريكي والإسرائيلي، فكانت الاستجابة السوريّة الحاضرة والراعية، وكانت الاستجابة اللبنانية عبر حزب الله وقوى المقاومة الوطنية، وكانت الاستجابة الفلسطينية عبر حركة الجهاد الإسلامي التي حرّض وجودها على تبنّي حركة الإخوان المسلمين في غزة مشروع الكفاح المسلح عبر حركة حماس، ومن ثم العراق، واليمن.

وبهذا استطاعت الثورة الإسلامية أن توسّع دائرة فعلها منذ السنوات الأولى لانتصارها، ورغم أنّها أُجبرت على الدخول في حرب ظالمة مع النظام العراقي شغلتها ثماني سنوات استنزفت الكثير من الدماء والأموال والوقت والجهد.

وحين نُخضع هذه المخرجات لمعايير الانجازات، فإننا وبثقة كبيرة لا نغالي إن قلنا إنّها مخرجات تاريخية قادت إلى تغيير معادلة الصراع لصالح الأمة والمقاومة، وفرضت على العدو نمطاً من المواجهة أفقده الكثير من القدرة على توظيف فائض القوة لديه، وضربت أسس منظومة أمنه القومي وخلخلتها..

وكسرت الهجمة والحرب الكونية التي استهدفت سورية كياناً ودوراً، وهزمت الأداة الأكثر وحشية في تاريخ المنطقة وأعني بها “داعش”، وصمدت في وجه تحالف عدواني إجرامي ظالم على اليمن وأعجزته..

وأنجزت قاعدة علمية متقدّمة وقابلة لجسر الهوّة الحضارية المادية مع الغرب بل والتفوّق عليه كمقدّمة لاستعادة الأمة لدورها الحضاري الريادي..

وها هي الثورة الإسلامية وبعد /42/ عاماً من الانتصار تملأ سمع العالم وبصره، وتُؤسس لنظام عالمي جديد لا يخضع لمعايير هذا الفريق الاستكباري أو ذاك، وتتطاول في عمران ذاتها من خلال هويتها الإيمانية، وانتهاجها خط الاستقلال والحرية والعدالة والكرامة، والتحالف مع قوى الخير على مبدأ {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} في هذا العالم الذي بات توّاقاً للانعتاق من ظلم الذين أرادوا فرض نموذجهم الشيطاني عليه، وباتت الجمهورية الإسلامية في إيران قبلةً لكل المتطلّعين إلى الخلاص وتغليب القيم والمبادئ الإنسانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى