مقالات وآراء

مميزات الثورة الإسلامية..

تكلّموا في الثورة آلاف الساعات ابتداءً من إمامنا العظيم (رض) الّذي كان الفاتح لهذا الطريق والمتقدّم الأوّل في هذا الصراط المستقيم وانتهاءً بكلّ الّذين تحرّكوا في هذا الطريق وعملوا شيئاً في هذا السبيل وكسبوا معرفة وتحدّثوا بحديث، طبعاً تحدّثوا في هذه الأحاديث عمّا هو مؤثّر ومفيد جدّاً.
وهنا اُريد ذكر هذه الجملة الاعتراضيّة، وهي: نحن أبناء الشعب الإيراني بالرغم من انّنا الّذين لمسنا الثورة بكلّ وجودنا، إلاّ أنّنا قليلاً ماقمنا بتحليلها وتقييمها، خلافاً للأجانب الّذين ارتبطوا بهذه الثورة من بعيد أو قريب والّذين كان ومازال من بينهم ممّن دخل هذا الميدان بأهداف سيّئة. والآن فإنّهم ينفقون الأموال الّتي لو قلنا انّها تبلغ المليارات لم نبالغ في ذلك، وكلّ ذلك من أجل أن يوصلوا صوتهم إلى أبناء الشعب ويثبتوا أمراً ـ ولو من خلال تحاليلهم الكاذبة ـ قد نفته الثورة، أي أنّنا يجب أن نعترف أنّ تحليل الثورة هو أمر يبذل فيه الأعداء اليوم جهوداً أكثر ممّا نبذل فيه نحن، وهم يقومون بهذا العمل بهدف قلب نداء الثورة وإظهار الحقيقة خلافاً لما هي عليه؛ تلك الحقيقة الّتي وقعت أمام أنظار الشعب الإيراني وعلى يد أبنائه. وعلى هذا يجب جمع الأحاديث الّتي تحدّث بها أبناء الثورة عن ثورتهم وتبويبها وأن ينجز عليها عمل ثقافي صحيح، والّذي لم ينجز من قبل أو أن ما اُنجز كان قليلاً جدّاً، وأن لا يكون ذلك مانعاً أمام شبابناً ليفهموا الحقائق. فاستمعوا للأحاديث الّتي تحدّثت بها شخصيّات الثورة والناطقين باسمها الثلاثة عشر عاماً وتأملوا فيها جيّداً.
وإنّني اليوم أودّ التحدّث شيئاً ما عن جوانب من هذه الثورة.
فإحدى النقاط الّتي قليلاً ما تمّ التعرّض لها في باب هذه الثورة هي أنّ ثورتنا العظيمة كانت ثورةً استثنائيّة في نوعيّة الانتصار الّذي حقّقته، يعني أنّ ثورةً شعبيّة بهذه الأبعاد الشعبيّة العظيمة انتصرت من خلال تواجد أبناء الشعب في الشوارع وفي المدن والقرى وممارسة الجهاد ضدّ النظام الحاكم. فمثل هذه الثورة لم يكن لها نظير ولا سابق في الثورات المعاصرة على أقلّ تقدير.
فجميع الثورات الاُخرى الّتي وقعت في العالم حتّى ذلك التاريخ (تاريخ انتصار الثورة الإسلاميّة) ومنها الثورات اليساريّة والماركسيّة في أمريكا اللاّتينيّة وأفريقيا وآسيا والمناطق الاُخرى من العالم كانت من نوع آخر.
فهذه الثورة لم تنتصر بواسطة مجموعة ثوريّة مسلّحة، طبعاً كان يوجد في إيران بعض الأحزاب الّتي كانت تقوم بالأعمال المسلّحة إلاّ أنّ تلك المجموعات والأحزاب كانت قد شُلّت عن العمل تماماً حوالي عامي (1354 ـ 1355هـ. ش)، وبإمكانكم أن تسألوا اُولئك الّذين كان لهم تواجد فعّال في مجال الثورة في تلك الأيّام فقد شاهدنا ذلك باُمّ أعيننا. وعلى الشباب الّذين لا يملكون معلومات مباشرة عن الأوضاع والظروف في تلك الفترة أن يسألوا الّذين كانوا يعيشون في قلب الأحداث في تلك الأيّام.
ففي الأعوام 1354 ، 1355 وحتّى 1356 هـ. ش خرجت المجموعات الّتي كانت تقوم بالنشاطات المسلّحة من ساحة المواجهة تماماً؛ سواء اُولئك الّذين كانت لهم أفكار ماركسيّة، أو الّذين كانوا يحملون أفكاراً التقاطيّة، وقد تحوّل نشاطهم إلى أن يفجّروا قنبلة في زاوية ما من هذه البلاد أو القيام باغتيال شخص في مكان ما، وكلّ تلك الأعمال والنشاطات بالقياس إلى ما يقع اليوم في دولة كالدول العربيّة (ولا نريد ذكر أسماء). فأنتم تسمعون أنّ الإسلاميين في تلك الدول العربيّة يقومون ببعض الأعمال المسلّحة ولديهم مواجهات مع السلطات الأمنية هناك وما كان يقع في إيران في تلك الفترة لا يساوي عُشر ما يقع هذه الأيّام في تلك البلدان العربيّة، فلاحظوا كم أنّ هؤلاء الإسلاميين قريبون من الانتصار، عند ذلك يكون بإمكاننا أن ندرك كم كان من الممكن أن تنتصر تلك المجموعات المسلّحة في إيران، وأساساً كان تصوّر انتصار حركة مسلّحة في إيران تصوّراً مستحيلاً ولم تكن توجد إمكانية لوجوده.
وإضافة إلى ذلك فإنّ الانقلاب العسكري لم يكن ممكن الوقوع أيضاً، فبعض هذه الثورات أو ما يسمّى بالثورات تبدأ بالانقلاب العسكري، بينما كان العسكريون في إيران يعيشون في إطار محدود تماماً حُدّد لهم من قبل الأمريكان في إيران. فكثير من العسكريين كانوا ناقمين على النظام الشاهنشاهي الظالم ولا سيما الشباب والمراتب الأصغر إلاّ أنّ أحداً لم يكن يجرأوا على التفكير في مواجهة النظام.
ولو أردنا أنّ نقيس وضع الجيش في إيران افترضوا أنّه كان يعيش في ظروف مماثلة لما يعيشه الجيش العراقي اليوم فهو أسير تماماً في قبضة النظام الحاكم في العراق، طبعاً كان العسكريون في إيران أشدّ أسراً منهم في العراق اليوم؛ لأنّ الرقابة عليهم لم تكن من قبل سلطة عليا فحسب بل كان للأمريكان تواجد وإشراف مباشر في داخل الجيش، وكان يتواجد آلاف الأمريكيون في أكثر المعسكرات ولا سيما المعسكرات المهمة والحسّاسة وفي بعض القوّات أيضاً. على هذا لم يكن متصوّر أن يقع انقلاب عسكري في إيران، كما أنّ الأحزاب السياسيّة الّتي كانت توجد في إيران كانت عاجزة عن التحرّك تماماً. فالأحزاب الوطنيّة الّتي تشاهدونها اليوم وهي تستغل الحرية والكرامة الموجودة لدى الجمهوريّة الإسلامية، وهؤلاء (السادة) الّذين يتحدّثون ضدّ الجمهورية الإسلاميّة وتُجرى معهم المقابلات ويوزّعون المنشورات ويتّهمون الجمهوريّة الإسلاميّة بمصادرة الحرّيات، هؤلاء السادة كانوا موجودين في تلك الفترة أيضاً، ولم يصدر منهم في ذلك التاريخ أي تحرّك ـ يمكن أن يسمّى تحرّك ـ في سبيل تحرير إيران. فقسم منهم كانت تربطه علاقات صداقة مع رجال البلاط وكانوا مشغولين مع بعضهم في اللّذات والشهوات، وبعضهم كان قد انشغل بأعماله المعيشيّة، وبعضهم كانوا مهندسين وأخصّائيين، وقد كانوا يأخذون الأموال من أجهزة البلاط ويحصلون على لقمة العيش عن هذا الطريق.
وقد مرّت تلك الفترة على هؤلاء إلى أن قامت الجمهورية الإسلاميّة ـ والحمد لله ـ ووجد جوّ سياسي مفتوح وأصبح جميع أبناء الشعب سياسيين. والآن فقد انطلقت ألسنة هؤلاء. إنّ الشعب الإيراني لا يثق بهذه الأحزاب السياسيّة وبما أنّه لا يثق بها ولا يتّجه نحوها فإنّها تحاول صبّ حقدها ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة، فالشعب هو الّذي لا يثق بهم وبأحزابهم وليس ذلك من تقصير أحد، فهل منع أحد الناس من أ يثقوا بتلك الأحزاب؟
وأفضل تلك الأحزاب في تلك الفترة هي الأحزاب الّتي كان يوجد فيها شخصان أو ثلاثة يمتلكون شيئاً من الشجاعة، فكانوا يصدرون بياناً في قضية ما، وطبعاً هذا البيان لم يكن يوزّع على مستوى واسع بل كان يتداوله مؤيّدوهم فقط. مثلاً كانوا يعترضون على مسألة ما في بيانهم، ثمّ كانت تأتي السلطات وتعتقلهم وتلقيهم في السجون وبعد ذلك تطلق سراحهم، أو أنّها كانت تطلق سراحهم بعد إجراء مقابلة معهم، أو أن تنتهي فترة سجنهم فيُطلق سراحهم، فكان أمثال هؤلاء من أفضل تلك الأحزاب. ومن ناحية اُخرى لم يكن عمل هذه الاحزاب يثير تحرّكاً شعبياً في أوساط الشعب الإيراني؛ لأنّ الشعب الإيراني شعب متديّن ويؤمن بالعلماء. وهذه هي النقطة الّتي أدّت فيما بعد إلى الانفجار العظيم للشعب ضدّ النظام الشاهنشاهي الفاسد.
ثمّ دخل الساحة مرجع تقليد يتّفق الجميع على صلاحه، عالم دين ذو شأن عظيم كلّ من عرفه عرفه بالصلاح؛ حتّى أنّ أعداءه كانوا يعترفون بأنّه إنسان صالح، كلّ ما في الأمر أنّهم كانوا ينسبون إليه بعض العيوب، مثلاً يقولون: إنّه لم يعير لنا أهمّية في المسألة الفلانيّة، أو إنّه يؤمن بالنظريّة الفلسفيّة الفلانيّة، إلاّ أنّه إنسان صالح ومتّق على مستوى عال وله مكانة علميّة رفيعة. والأهمّ من كلّ ذلك أنّه دخل ساحة المواجهة مسدداً بالتسديد الإلهي. وعلى طول خمسة عشر عام استطاع أن يحرّك معه عدداً من تلاميذه وزملائه على مستوى مراجع الدّين الآخرين.
وحينما شاهد الناس أنّ العلماء هم المحرّكون للثورة بدأوا يدخلون ساحة المواجهة شيئاً فشيئاً في بداية الأمر ثمّ أخذوا يدخلون بأعداد كبيرة، وفي نهاية المطاف دخل عامة أبناء الشعب إلى ساحة المواجهة.
ففي عام 1356 هـ.ش قامت السلطات الشاهنشاهيّة بإبعادي إلى مدن مختلفة من البلاد، وحينما عدت من المنفى في أواسط أو أواخر عام 1357هـ.ش ذهبت إلى مشهد المقدّسة وما شاهدته في مشهد لم أكاد اُصدِّقه، وعلى الرغم من سماعنا للأخبار حينما كنّا في المنفى، إلاّ أنّ الحقيقة على الأرض كانت حقيقة عظيمة، فقد كانت التظاهرات متواصلة في مشهد ليل ونهار، وأنّ الناس هناك كانوا قد اعتادوا على الخروج في التظاهرات، وفي كلّ مكان كان الأمر كذلك. فطهران كانت هي المحور ومن ثمّ المدن الكبيرة والصغيرة وحتّى القرى والأرياف كانت تقام فيها التظاهرات والمسيرات.
افترضوا أنّ الدعوة كانت تُعلن إلى القيام بتظاهرة من قبل الإمام ـ الّذي كان في باريس تلك الأيّام ـ أو من قبل العلماء الكبار في طهران أو المدن الاُخرى فكان الناس يخرجون على أثر ذلك إلى الشوارع كالسيل العارم، ومن ثمّ أخذت دوائر الدولة تلتحق بالشعب تدريجيّاً والتحق الموظّفون. ثمّ أخذ منتسبوا الجيش باللّحوق في ركب الثورة، وحتّى المسؤولين في النظام السابق أخذوا يلتحقون بصفوف الثورة أيضاً. وهذا هو معنى انهيار نظام من الأنظمة، فقد انهار النظام الشاهنشاهي.
ففي اليوم الّذي هرب فيه الشاه من إيران كان النظام منهاراً ومنتهياً، وقد رأى (الشاه) بأنّه لا فائدة من البقاء في إيران، فصنعت القوى الاستعماريّة من إنسان مسكين وسيىء الصيت (شاهبور بختيار) صنماً، وكان مخططاً أن يبقوه في السلطة عدّة أيام، وقد بقى في تلك السلطة أربعين يوماً فقط. وحينما عاد الإمام إلى البلاد إنتهى كلّ شيء بإشارة صغيرة منه. فبسبب تواجد الشعب في ساحة المواجهة كان النظام قد انهار وتمزّق من الداخل.
فلماذا دخل الناس إلى ساحة المواجهة بهذه الصورة؟ لقد كان دخول الشعب من أجل الدين، من أجل أنّ الشعار كان شعاراً إسلاميّاً، من أجل تواجد العلماء في الساحة ومن ثقة الشعب بهم. ففي أوساط الشعب كان يوجد عدد كبير ممّن يقدّم العون والمشورة للعلماء؛ حتّى أنّهم في بعض المدن كانوا يرشدون العلماء. إلاّ أنّ عامّة الناس شاركوا في الثورة؛ لأنّهم كانوا يرون العلماء في المقدّمة، وفي القمّة كان يقف الإمام الّذي كان مرجعاً للتقليد وعلى مستوى ديني رفيع، كما كانوا يشاهدون في كلّ مدينة العلماء المحترمين وهم يتقدّمون صفوف الثورة، وهكذا وقعت هذه الثورة العملاقة.
حسناً، كانت هذه الثورة ثورة استثنائيّة، ثورة قامت نتيجة لتواجد أبناء الشعب وتضحياتهم، وهذا التواجد كان ناشئاً من العقائد الدينيّة لأبناء الشعب، حتّى إنّ نفس السياسيين الّذين كانت لهم معنا اجتماعات في تلك الأيّام، وحتّى تلك المجموعات المسلّحة واليساريين والشيوعيين الّذين كانوا جميعاً تربطهم معنا علاقات وصداقات؛ سواء كان ذلك في داخل السجون أو خارج السجون كلّ هؤلاء كانوا يعترفون بأنّه لم يكن من الممكن أن يقع في إيران ما وقع إلاّ بقيادة شخص كالإمام، وطرح هذه الشعارات الدينيّة. هذه حقيقة وقعت إمام أعين الجميع. وكلّ من له مستوى علمي لا يمكنه أن يقول غير هذا.
وفي الأيّام الاُولى لانتصار الثورة لم يقل أحد غير هذا باستثناء بعض الزمر الوقحة الّذين أخرجتهم الثورة. وتواجد الشعب في ساحة الثورة من السجون الّتي كانوا قابعين فيها لسنوات طويلة (4 أو 5 سنوات). وبمجرّد خروجهم من السجن قاموا برفع أعلامهم أمام الجماهير فقامت الجماهير بتمزيق تلك الأعلام ورميها بعيداً، ومن ذلك الحين أضمروا العداوة لأبناء الشعب وابتعدوا عنهم وأخذوا يفجّرون القنابل في بيوت الناس ومحلاّتهم التجاريّة وفي الساحات العامّة في طهران والمدن الاُخرى. فباستثناء هؤلاء المعاندين الّذين لم يكونوا على استعداد لقبول الحقّ فقد كان أيّ إنسان ينظر بعين الإنصاف إلى هذه الثورة كان يرى تلك الحقائق واضحة أمامه.
طبعاً إلى جانب هذا أقول: إنّ هناك عوامل وأسباب كثيرة ساعدت على انتصار الثورة، فكلّ من تكلّم بكلمة فقد ساعدت كلمته بمقدار كلمة في انتصار الثورة، ولكن مساعدة الثورة بكلمة واحدة ومائة كلمة وكتاب شيء وتحريك أمواج الثورة شيء آخر. وأساساً لايمكن القياس بين الاثنين فلا يكن هؤلاء كذاك الرجل الذي ألقى رِجل جرادة في قِدر طعام مائة نفر ثم قال أنا صاحب الطعام” فيعتبروا أنفسهم من المحركين للثورة ومن قادتها. طبعاً جميع أبناء الشعب كانوا هم أصحاب الثورة، اولئك الذين وضعوا أرواحهم في مواجهة العدو، فهل يوجد شيء أكبر من هذا؟ إفترض أنني ألقيت ألف محاضرة وخطاب، فهل لهذه المحاضرات والخُطب قيمة بقدر نفس إنسان؟ هذا الإنسان الذي تقدّم وقدّم نفسه وسبقنا، فلو أردنا أن نتحدث بإنصاف، ويجب أن نتحدث هكذا وبهذه الصورة.

أمّا المسألة الاُخرى التي تأتي عقب هذه المسألة في: أن مثل هذه الثورة العظيمة إنتصرت إذن بقوة الشعب وإرادته وبقادة أو قيادة اعتمدت بشكل كامل على عواطف الشعب، والشعب كان يحبّها ويعشقها. فماذا كان يجب أن تقوم به هذه الثورة؟

إنّ أول عمل هذه الثورة هي إلغاء الامتيازات الظالمة التي حصل عليها الاجانب طوال هذه السنوات في هذه البلاد، وهذا شيء طبيعي، فكل محبّ لوطنه كان ناقماً من ان يرى بريطانيا (مثلاً) جاءت وسيطرت على النفط الإيراني، وكل محبّ لوطنه كان يصيبه الحزن حينما يعلم بذلك. فكثير من رجال الدولة في الفترات السابقة وأعضاء مجلس الشورى الوطني في دوراته الثلاث الأولى ـ قبل أن يسيطر رضا شاه ـ الذين كانوا ممثلين حقيقين ومنتخبين من قبل الشعب، كانوا معارضين لمنح الامتيازات للدول الأجنبية، وحتى أن كثيراً من الشخصيات الوطنية الحقيقية لم يكونوا على استعداد لمنح الامتيازات للأجنبي، إلاّ أنّهم لم يكونوا يجرأون على إبراز ذلك؛ لأن الشعب لم يكن يساندهم بسبب عدم وجود مكانة شعبية لهم بين أوساط الشعب. فحينما كان رئيس الوزراء يتفوّه بكلمة يُشمّ منها رائحة معارضة المصالح الأجنبية، كان يعزل من منصبه مباشرة، وعندما كان رجل دولة يتكلم بكلام تُشمّ منه رائحة الاعتراض على الامتيازات الأجنبية كانوا يبادرون إلى عزله فوراً.
فلو كان هذا الشخص كالمرحوم السيد المدرّس (رض) مقاوماً وصامداً بالرغم من الاعتداء عليه ونفيه ومن ثم قتله وهو صائم على يد شقي مثل رضا شاه، إلاّ أنّ هؤلاء لم تكن لهم شجاعة مدرّس وإيمانه، فحينما كانوا يتفوّهون بكلمة وينظر إليهم الأجنبي بعين الغضب كانوا يبادرون إلى السكوت فوراً، ولهذا فقد ازدادت الامتيازات الأجنبية في إيران يوماً بعد يوم.
أيّها الاُخوة والأخوات في جميع أرجاء البلاد! لقد اكتُشف في هذه البلاد مصدر للثروة باسم النفط، وكان هذا المصدر كالكنز الذي عثر عليه الشعب، وبمجرد اكتشاف هذا الكنز في هذه البلاد توافد الأجانب على إيران ولا سيما الانكليز ـ وتبعية هذا الأمر تقع على عاتق الانكليز ـ وسيطروا على هذا الكنز واستخرجوه ونهبوه لسنوات طويلة من دون أن يفكروا أنّه مغتصب وأنّه ملك للشعب الإيراني. فهل هذا الأمر لا يحزّ في النفس؟
إن مسألة النفط هي إحدى المسائل المؤلمة جداً بالنسبة للشعب الإيراني، وهي مسألة لم توضّح لحد الآن بصورة كاملة، فقد جاء المستعمرون وأبرموا اتفاقية مع رجال الدولة الخائنين في العهد القاجاري لمدة ستين عاماً، وهي إتفاقية دارسي الأولى، أي أنّه أصبح لهم الحق ـ ولمدة ستين عاماً ـ بأن يأخذوا النفط الثمين الذي كانت تحتاج إلى المال، والمال كان يحصل من خلال عمل المصانع وعجلة تلك المصانع كانت تتحرك بالنفط. ولهذا فقد كان النفط الإيراني أثمن شيء بالنسبة لبريطانيا، فجاءت إلى إيران وأخذت النفط بقيمة زهيدة جداً بحيث لو أنّها كانت تأخذ برميل من الماء لكلّفها أكثر من قيمة برميل من ذلك النفط، وكما قلنا فقد أبرموا إتفاقية لمدة ستين عام في هذا المجال.
وبعد ذلك جاءوا برضا شاه إلى الحكم لأنّهم ـ الإنجليز ـ كانوا يبحثون عن شخص يتمكن من القضاء على الخارجين والمتمردين على الحكومة المركزية والذين كانوا قد تمرّدوا في مختلف أنحاء إيران في زمن الحكومة القاجارية، وكان كل واحد منهم يتخذ لنفسه مسلكاً معيناً بحيث أصبح من الممكن أن يشكّلوا ـ في السنوات الأخيرة من عهد تلك الحكومة ـ خطراً على المصالح البريطانية في إيران. فلذا كانت بريطانيا تريد شخصاً يضع حداً لتصرفات هؤلاء، ويُجلس كل واحد منهم في مكانه، وكانت تريد ان يكون ذلك الشخص استبدادياً لايعرف سوى منطق القوة ويكون في الوقت ذاته عميلاً وتابعاً لهم، فوقع اختيارهم على رضا خان واعدّوه الإعداد الذي يريدون وأوصلوه إلى المكانة التي كان يجب أن يصل إليها ومن ثم جعلوه حاكماً مطلقاً على إيران.
فأصبح قائداً للجيش في أول الأمر ثم رئيساً للوزراء وأخيراً نصبّوه ملكاً على إيران. وبعد مرور عدة سنوات فكّر رضا شاه أن يأخذ من بريطانيا مبالغ أكبر من المال ـ إذا أمكنه ذلك ـ ثمناً للنفط الذي كانت تأخذه من إيران، طبعاً عمالته كانت محفوظة في محلها، ولكن قد يفكر العميل في بعض الأحيان ان يأخذ من أسياده أكثر مما منحوه، وبما أن طبيعة رضا شاه كانت طبيعة استبدادية، فقد تعامل مع هذه القضية بنفس المنطق، فطرح المسألة أولاً في مجلس الوزراء ثم قام بإلغاء ملف اتفاقية دارسي في المدفأة واحرقه. فكم كان متبقياً من مدة تلك الاتفاقية؟ لقد كان متبقياً منها ثلاثين عام، فقال رضا شاه إن هده الاتفاقية غير عادلة ويجب على بريطانيا ان تمنحنا أكثر من هذا.
ومن كان ممثلاً للحكومة الإيرانية في تلك الاتفاقية؟ كان الطرف هو احدى الشركات البريطانية، وبمجرد أن قام رضا شاه بهذه الخطوة، تدخلت الحكومة البريطانية وأثارت ضجة ضده ومرّغت أنفه بالتراب بحيث جعلته يقوم بتمديد العمل بتلك الاتفاقية ـ التي بقي على نهاية العمل بها ثلاثين عاماً ـ ستين عاماً اُخرى. هذا ما قامت به بريطانيا في مسألة النفط، واستمر تصرفها هذا حتى زمن النهضة الوطنية ومجيء الدكتور مصدق إلى الحكم حيث نُقضت هذه الاتفاقية. وبعد ذلك جاءت حكومة الانقلاب العسكري [الذي أطاح بالدكتور مصدق]، فعاد الانكليز ولكن بالاشتراك مع أمريكا هذه المرة ودخل الأمريكان هذه اللعبة أيضاً منذ سنة 1332 ش. وهنا اُريد أن أقول: إنّ الشعب الإيراني لو لم يمح عن قلبه الحقد والبغض ضد الحكومة البريطانية، فإنّ الحق معه بنظر كل إنسان عاقل.
فهذه الحكومة الظالمة والمعتدية وهؤلاء الذين يقبعون اليوم في زاوية من العالم ويتحدثون بأحاديثهم المغرضة والفارغة ضد الحكومة والشعب الإيراني، وقد نسوا ما ارتكبوه بحق هذا الشعب، طبعاً إنّ الله سبحانه وتعالى قد أذلّهم وسلب منهم تلك القوة والقدرة بحيث لم يبق لبريطانيا في الوقت الحاضر احترام أو قوة تذكر في العالم.
وبمجرد ما شعر الأمريكان بأن الساحة مفتوحة أمامهم وأنّ الإنكليز لا يستطيعون السيطرة عليها وحدهم، بادروا إلى دخول تلك الساحة أيضاً، ومنذ عام 1332 ش وحتى انتصار الثورة الإسلامية سيطرت أمريكا وبريطانيا على آبار النفط الإيراني وقاموا بنهب هذه الثروة بكل ما وسعته قدرتهم وإمكانياتهم، فهل تريدون من الشعب الإيراني أن يصفّي قلبه مع هؤلاء؟
إذن كان النظام البهلوي عميلاً لهذه الدول ومحمد رضا بهلوي كان يتصرف وكأنه شرطياً لأمريكا في إيران، فكانوا يأمروه بتعيين رئيس الوزراء الفلاني وعزل رئيس الوزراء الفلاني. وهو ينفّذ كل ما يطلبون منه، ولو كان يريد في بعض الأحيان أن يعزل رئيس الوزراء إلاّ أنّ الأمريكان لم يكونوا موافقين على ذلك، كان يذهب إلى أمريكا ويلتقي بهذا وذاك ويتباحث مع هذا وذاك حتى يسمحوا له بعزل رئيس الوزراء الفلاني. هذه هي الحالة التي كانت سائدة في البلاد، والسفير الأمريكي والبريطاني في طهران هما اللذان كانا يحددان الخطوط الأساسية لسياسة البلاد.
فهل تدركون الآن لماذا يغضب الأمريكان؟ وهل تدركون لماذا يقوم المسؤولون الأمريكان بجولات في العالم ـ ولا سيما وزير خارجيتهم القبيح والكريه ـ ويصرّحون بأننا نريد الضغط على الحكومة الإيرانية حتى تغير من سياساتها، فما هي السياسات التي يريد هؤلاء ان تتغير؟ ففي يوم من الايام كان حاكم هذه البلاد ـ ذلك الشخص الذي كان موجوداً في إيران ـ باسم شاه إيران، ذلك المسكين المسود الوجه الذي كان يمتثل الأوامر التي كانت تصدر إليه من سفير أمريكا وبريطانيا، وينفذ كل ما يقولون له في المسائل الاساسية للبلاد. بينما هم يواجهون اليوم نظاماً لا يعير أهمية لأهداف أمريكا في أي عامل من عوامل سياساته الأساسية، يواجهون نظاماً كانت أول خطوة قام بها هي إلغاء الامتيازات التي حصلوا عليها في إيران، وهذه حقيقة لا شك فيها في باب الثورة الإسلامية.

أمّا المسألة الثانية فهي: بما أن الثورة أوجدت نظاماً شعبياً، وبما أن هذه الثورة كانت تعتمد على الشعب، وبما أن قائد هذه الثورة كان محبوب الشعب والشعب يقف خلفه، فلذا لم تنتظر (هذه الثورة) مرور الوقت لإلغاء الامتيازات الأجنبية، بل قامت بإلغاء تلك الامتيازات بعد انتصارها مباشرة. طبعاً إننا لم نقطع علاقاتنا مع أميركا في بداية الثورة بل بقت هذه العلاقة وإلى عدة أشهر بعد انتصار الثورة قائمة مع أمريكا، وإنّما اُلغيت الامتيازات الأمريكية فقط.
إلاّ أنّهم كانوا يريدون نهب النفط الإيراني، فقلنا لهم لا يمكن ذلك، كانوا يريدون الاستفادة من عوائد الاستثمارات الظالمة التي كانت موجودة في إيران والتي كانت مستثمرة من قبل نفس الحكومة الإيرانية، فقلنا لهم لا يمكن ذلك، كانوا يريدون ان يكون لهم وجود في الجيش ولا سيما في القوة الجوية، فقلنا لهم لا يمكن ذلك. كانوا يريدون أن تكون قاعدتهم التجسسية ـ السفارة الأمريكية السابقة ـ فعّالة ونشطة، فقلنا لهم لا يمكن ذلك.
فبقيت سفارتهم بعد انتصار الثورة مفتوحة لعدة أشهر وكان لهم سفير ومسؤولون وموظفون في تلك السفارة. وبعد ذلك ذهب طلبة الجامعة وسيطروا عليها، فوجدوا أن تلك السفارة كانت مركزاً للارتباط مع العناصر المعادية للثورة ولنظام الجمهورية الإسلامية، كانت وسيلة للأخذ والعطاء السياسي، وسيلة لدعم هذا الشخص وربطه بذاك، وهي نفس المهمة التي كانت تقوم بها السفارة البريطانية قبل الثامن والعشرين من مرداد [1332 ش وهو يوم وقوع الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة الدكتور مصدق] فقد كانت تتصل بهذا وذاك وتربط هذا بذاك وتعطي الأموال لفلان وتسلّم السلاح لآخر وترسم الخطط لفلان. كل ذلك من أجل ان يقع شيء ضد الجمهورية الإسلامية. ولذا فقد أطلق الشعب الإيراني اسم وكر التجسس على تلك السفاره، ولم يكن الواقع غير ذلك، فذلك المكان كان حقاً وكراً للجاسوسية.
إذن المسألة الثانية هي قيام الجمهورية الإسلامية بإلغاء المصالح الأمريكية والبريطانية في إيران، وان أغلب الذين اُلغيت مصالحهم غير الشرعية في إيران كانوا من هاتين الدولتين. طبعاً اننا احتفظنا بعلاقاتنا مع دول العالم، وإلى الآن لنا علاقات سياسية مع بريطانيا، إلاّ أنّ هذه العلاقة برأيي من نوع العلاقات المتزعزعة، والسبب في ذلك هو ان البريطانيين لا يستطيعون الامتناع عن إبراز عدائهم للثورة الإسلامية، وبين الحين والحين يقومون بلدغنا، وتصرفات الحكومة البريطانية هي هكذا دوماً. وبرأيي فإنّ الافضل للحكومة البريطانية ان تكون حذرة أكثر في تعاملها مع إيران؛ لأنّ ماضيها في إيران ماض أسود وسيء للغاية. وبما أن الشعب والحكومة الإيرانية احتفظت بعلاقة سياسية مع تلك الدولة، فعلى البريطانيين أن يتصرفوا بحذر كبير. فلا يتحدثوا بشيء يشعر من خلاله الشعب الإيراني بأنّهم ما زالوا يحتفظون بنفس أهدافهم الخبيثة التي عملوا وفقها عشرات السنين، وإن كانت بريطانيا ليست بريطانيا تلك الايام، لأنّ بريطانيا تلك الأيام قد انتهت.

المسألة الاُخرى التي أود التعرض لها في مسألة الثورة أيضاً ـ طبعاً لقد أطلت عليكم في الكلام وأنا ملتزم ان تكون الخطبتين قصيرتين، ولكن بما أنّنا في شهر رمضان، فلا مانع من استغلال هذه الفرصة بشكل أكبر ـ : وهي أنّ من الميزات المهمة لهذه الثورة هي منحها العزة للإسلام والمسلمين على المستوى العالمي، وهذا أمر واقع ولا يرقى إليه الشك.
فالمسلمون في أي مكان من العالم سواء كانوا مجتمعات إسلامية أو دول إسلامية أو شخصيات إسلامية كان ينتابهم الشعور بالانفعال من الظروف التي كانت تمر بهم، ولم يكونوا يعيرون أهمية لوجودهم ورسالتهم، وكانت هناك مجموعة من المفكّرين المسلمين المخلصين تدافع عن الإسلام؛ ولكن لم يكن دفاعهم قائماً على أساس الشعور بالعزة والاقتدار، بل كان قائماً على أساس الحب والتحرق على الإسلام فقط، لأن الإسلام كان يعيش الغربة. وفي كل هذا العدد من البلدان الإسلامية في أفريقيا وآسيا وفي الشرق الأوسط كم من الأنظمة جاءت إلى الحكم وكم من الأنظمة إنهارت، وفي جميع هذه البلدان كان الإسلاميون يعيشون العزلة والانزواء. افترضوا بلداً كالعراق (مثلاً) كان يحكم فيه نظام ملكي ثم سقط ذلك النظام وجاءت جماعة اُخرى إلى الحكم، ثم ذهب هؤلاء وجاء آخرون إلى الحكم و…. إلى أن وصل الأمر إلى البعثيين، ففي جميع هذه الأحادث والتحولات لم يكن للإسلاميين أي دور. وبالرغم من وجود هذا العدد من المسلمين ـ لأنّ الغالبية العظمى من الشعب العراقي هم من المسلمين ـ، إلاّ أنّه لم يكن لهم أي دور في جميع هذه التحولات.
أو في مصر ـ وإن كان يوجد فيها الاخوان المسلمين ـ حدث هناك تغيير حيث سقط النظام الملكي وقام النظام الجمهوري الثوري وكان عبد الناصر موجوداً أيضاً، وبعد ذلك توفي عبد الناصر وجاء شخص آخر، ثم ذهب ذاك الشخص وجاء شخص ثلاث. ففي هذه الفترة ـ قبل انتصار الثورة الإسلامية ـ كانت جميع هذه الأحداث تقع بمنأى عن الخط الإسلامي والعناصر الإسلامية، ولم تكن للعناصر الإسلامية أية مكانة فيها.
فنفس الثورة المصرية كان للعناصر الإسلامية دور فعّال فيها، ولكن بمجرد قيام الحكومة لجديدة أبعدت تلك العناصر عن الساحة فسجنت بعضهم وأعدمت البعض الآخر وأخرجت الآخرين عن الساحة، فلم يكن للإسلام وجود. ولكن حينما إنتصرت الثورة الإسلامية: أولاً شعر كل مسلم واع إينما كان في العالم بأنّه أصبح يتمتع بالعزة والاقتدار. فكثير من الشخصيات الإسلامية البارزة كانوا يقولون لنا في السنوات الاُولى لإنتصار الثورة: إننا وبمجرد سماعنا لصوت الإمام من الإذاعات وهو يعلن قائلاً: “إنني ساُقيم حكومة أو جمهورية على أساس الإسلام” شعرنا وفي أي مكان كنا بأننا قد إنتصرنا، وكل مسلم وإينما كان شعر بأنّه قد انتصر وحصل على العزة والكرامة.
وصحيح بأنّ قادة المسلمين والشخصيات الإسلامية من المفكرين الإسلاميين والشعراء والفنانين والسياسيين وعلماء دين في السنوات الثلاث أو الاربع الأولى من إنتصار الثورة الإسلامية حينما كانوا يأتون إلى إيران ـ وما زالت الحالة كذلك كل ما في الأمر حدثت أنّه في الوقت الحاضر أمور جديدة نتيجة لمرور الوقت، وسأتعرّض لذلك فيما بعد ـ وبمجرد ما كانت تقع أعينهم على الإمام أو على تلك الحسينية ـ حسينية جمران ـ أو تقع أعينهم علينا أو على المسؤولين في البلاد أو على مراسم صلاة الجمعة كانوا يشرعون بالبكاء، وكانوا يقولون ماذا فعلتم بالعالم الإسلامي. فكانوا يشعرون بالعزة من إنتصار الثورة، ونفس هذا الشعور بالعزة والكرامة هو الذي أدى فيما بعد إلى أحداث تبعث على الحماس في آسيا وافريقيا، تلك الأحاديث التي أصبحت الشغل الشاغل للأمريكيين والمستكبرين في العالم في الوقت الحاضر.
وهم حينما يقولون إنّ الجمهورية الإسلامية تهدد مصالحنا، وإنّ إيران تشكّل خطراً علينا، كل ذلك بسبب القلق الذي ينتابهم من هذه الثورة.
فانظروا إلى الجزائر هناك وإلى مصر، وانظروا إلى فلسطين المحتلة حيث كانوا يتصورون أن كل شيء قد انتهى هناك، بينما تشاهدون الآن الحماس الذي عليه المسلمون هناك والكفاح العظيم الذي يخوضونه ضد العدو. وانظروا إلى قلب أوروبا وما يجري في البوسنة والهرسك وكيف أن جمعاً من المسلمين وبدوافع إسلامية ـ بالرغم من أنّهم لايعرفون الشيء الكثير عن الإسلام إلاّ أن الدوافع إسلامية والشعور إسلامي، وهو نفس الشعور الذي منحتهم ايّاه الثورة الإسلامية ـ كيف أنّهم وقفوا ضد أعدائهم. حتى إنني حينما دخلت إلى شوارع سراييفو وسمع الأهالي بمجي رئيس الجمهورية الإسلامية في إيران إلى هناك ـ لأننا كنا ضيوفهم وقد قامت الإذاعة والتلفزيون والصحف في سراييفو بنشر صور وتفصيلات زيارتنا لبلغراد وبعد ذلك طلبت زيارة البوسنة والهرسك ـ فملأوا الشوارع في سراييفو، فكان الرجال والنساء يبكون ويصفقون؛ بسبب الشوق الإسلامي والروح الإسلامية التي كانوا يمتلكونها. فهذه العزة الإسلامية والاعتزاز بالإسلام والتفاخر والمباهات بالإسلام قد اُحيبت لدى المسلمين من جديد وأصبح الإسلام عزيزاً، وشعر المسلم بأنّ الإسلام سبب للعزّة. وهذه كانت من بركات الثورة الإسلامية وتمثّل أحد أبعاد هذه الثورة المباركة وكما يقال فإنّ هذه النقطة تمثّل العمق الاستراتيجي لثورتنا والذي يريد المستكبرون ان يسلبوه منا.
فلو كانت لدى الإنسان خيمة ـ مثلاً ـ ولديها عشرات الحبال المرتبطة بأوتاد قوية وثابتة في عشرات الأماكن، فكيف تكون هذه الخيمة من القوة والاستحكام بحيث لا يستطيع أي إعصار أن يحركها. وعندما تلاحظون بأن الشعوب الإسلامية في أوروبا وآسيا وأفريقيا تتكلّم لصالح الثورة وتدعم فتوى الإمام بهذه الصورة وتستقبل آخر جمعة من شهر رمضان [يوم القدس] والاُمور الاُخرى بهذا الشكل الرائع وتطلق الشعارات الإسلامية، كل ذلك يُمثّل عمقاً استراتيجياً للجمهورية الإسلامية، هذا العمق الذي لا يتحمّل الأعداء مشاهدته. هذه كانت نقاط ثلاث.

أمّا النقطة الرابعة وهي مترتبة على هذه النقاط الثلاث فهي: خلق الشائعات. فإحدى أهم الظواهر وأكثرها أساسيةً فيما يرتبط بالثورة الإسلامية ـ ومن المحتمل أنّها نادراً ما كانت موجودة بالنسبة لظاهرة اُخرى في العالم بهذه الصورة ـ هي مسألة الحملات الإعلامية وبثّ الدعايات الكاذبة والمعادية للجمهورية الإسلامية.
أيّها الاُخوة والأخوات! إنّ القوى المعادية للثورة الإسلامية وللإسلام كالحكومة الأمريكية والحكومة البريطانية والصهاينة ـ الصهانية ودولة (إسرائيل) الغاصبة هما آلة بيد أمريكا، وأساساً أنّهم اقاموا هذه الدولة في هذه البقعة لكي تنفّذ مخططاتهم ـ ووكالات الأنباء والمحطات التلفزيونية التابعة لهم قامت ومنذ اليوم الأول لإنتصار الثورة الإسلامية وإلى اليوم بتوجيه الإعلام المعادي ضد الجمهورية الإسلامية بصورة كبيرة وبنوعية عالية، وأشاعوا كلما ورد على ألسنتهم من أكاذيب، ففي مسألة حقوق الإنسان ـ مثلاً ـ حيث من الممكن أن يكون بعض الناس في العالم ممن يصدّقون بذلك، ولكن هذه المسألة هي من أكاذيب هؤلاء أيضاً. فهم يقولون بأنّ حقوق الإنسان تنتهك في إيران وحينما نسألهم أن يؤتونا بما يثبت ذلك، فإنّهم يقدّمون لنا قائمة بأسماء مجموعة من الأشخاص ويقولون إنّكم أعدمتم هؤلاء الأشخاص، فمن هم هؤلاء؟ إنّهم مهرّبوا المخدرات، مهرّبوا الهيروئين والمورفين والذين لو أمكن أن يعدموا أكثر من مرة لكانوا مستحقين لذلك. فهل هذا انتهاك لحقوق الإنسان؟
يتّهموننا بالإرهاب، فما هو دليلكم على أن إيران دولة إرهابية؟ وتقوم بتصدير الإرهاب؟ فيقولون لاحظوا ماذا يفعل الناس في لبنان وفلسطين. حسناً فما هي علاقة ذلك بإيران؟ في فلسطين هناك مجموعة عرفت مسؤولياتها. نعم لاشك في أنّها استلهمت تلك الروح من الثورة الإسلامية. وفي لبنان هناك اُناس تيقّظوا ويقولون لكم لماذا أتيتم بـ(إسرائيل) الغاصبة والصهاينة الذين ليس لهم وطن وسلّطتموهم على فلسطين ولبنان؟ فما علاقة هذه المسألة بإيران. هناك مجموعة تدافع عن بلادها فهل هذا إرهاب؟ وحينما يقوم هؤلاء بهذه الأعمال فهل هذا يعني بأنّ إيران قامت بتصدير الإرهاب؟ انظروا كم أنّ هذا الكلام مضحك وتافه.
وهم يبثون الشائعات في الاُمم المتحدة ويطرحونها في لجنة حقوق الإنسان، وبعد ذلك تقوم الصحف بنشر ذلك ،ومن ثَمّ تبادر صحف اُخرى للتصدي لهذا الأمر، ثم تطرح هذه المسألة في الإذاعات ومحطات التلفزيون، وبعد فترة يصيبهم الإرهاق فيسكتوا، وبعد شهر أو شهرين يعيدون الكرّة من جديد ويقومون بتكرار نفس المسائل، وهم يعملون على هذا المنوال منذ اليوم الأول لانتصار للثورة. طبعاً هناك بعض السذج الذين يصّدقون تلك الشائعات.
ولكن ما هو الهدف من هذا الإعلام؟ ومن خلق وبثّ كل هذه الشائعات الكاذبة؟ الهدف هو القضاء على المكانة العظيمة التي تحتلها ثورتنا في أوساط المسلمين وغير المسلمين. فكلما تسمعون من أخبار كاذبة في وكالات الأنباء ووسائل الإعلام منشؤها هؤلاء. إنّهم يحالون الانتقام منا، وأنّ النظام الأمريكي والمستكبر والنظام البريطاني اللذين كانت لهما مصالح كبيرة في إيران، وقد قامت هذه الثورة وهذا الشعب بإلغاء هذه المصالح، يعطيان لأنفسهما الحق في الانتقام من هذا الشعب، لأنّهم أعداء، ثم يأتي ممن يدعي التعقّل ويطالبنا بأن نفكّر تكفيراً عقلائياً.
إنّ هؤلاء موتورون من هذه الثورة، ولن يرضوا إلا بسقوط الثورة، ويقال لهم تفضّلوا ايّها السادة اللصوص وسيّطروا على إيران مرة اُخرى، إنّهم لا يرضون إلاّ بهذا ولا يرضيهم أقل منه.
وأمّا الصهاينة فلهم الحق في معادتنا أيضاً، إنّنا نقول يجب اقتلاع جذور الصهيونية من منطقة الشرق الأوسط. الصهيونية التي قالت عنها الجمهورية الإسلامية كراراً بشكل رسمي وقاطع، وستبقى تقول بأنّها يجب أن تُمحى من الوجود. فهل تريدون منها أن لا تكنّ العداء للثورة الإسلامية. هذه هي حقيقة القضية.
فهم يختلقون الشائعات ويبتدعون الأكاذيب، طبعاً إنّ إعلامهم أقوى من إعلامنا ـ. فليس لدينا كل هذه الوسائل والأجهزة المتطورة، كما أن لديهم تواجداً إعلامياً في كل مكان وينفقون الأموال الطائلة في هذا المجال ولهم إذاعات كثيرة، وهم يهدفون من إعلامهم المكثّف هذا، التسلل إلى الداخل. وفي الخارج يريدون تجهيز أعدائنا ويعزلون أصدقائنا عن الثورة.
صحيح أنّهم يقومون بكل هذه النشاطات الإعلامية الواسعة، ولكن أعلموا أيضاً أنّه يوجد بعض المسؤولين في تلك الدول ممن يمتلك ضميراً حياً ويرون الواقع ويشاهدون بأنّ هذا الواقع هو غير ما ينعكس في وسائلهم الإعلامية، إلاّ أنّ العداء الجنوني الموجود لدى هذه الأنظمة يبلغ حداً بحيث يمنع هؤلاء من التحدّث، وإن تحدّثوا فإنهم سيسحبون كلامهم فيما بعد. فمن بين الأمريكان والبريطانيين يوجد من يملك ضميراً حياً ويدرك الحقيقة ويعترض على هذه الأنظمة لمعاداتها للجمهورية الإسلامية بهذا الشكل السافر. ولاعتبارها الجمهورية الإسامية عدواً لها واختلافها لهذه الشائعات والأكاذيب ضد الجمهورية الإسلامية والتي لا أساس لها من الصحة، إلاّ أنّ الهيجان الجنوني للأعداء من الحدة والكثافة بحيث أنّه يؤدّي إلى ضياع تلك الكلمات وسط الصيحات الجنونية التي تطلقها وسائل الإعلام هناك.
وأنّا اُريد أن اُؤكّد هنا شيئاً واقعياً لأبناء الشعب وهو أنّ كل هذا العداء وكل هذا الإعلام المعادي وكل هذا الحقد هو أصغر بكثير من قوة واقتدار والحقيقة المتأصّلة لثورتنا وأدنى منها بكثير.
إنّ الثورة أعظم وأكبر بكثير من كل هذه الاُمور. فلاحظوا أنّهم عملوا خلال الـ (15 أو 16) عام بكل ما استطاعوا وكل ما بلغه جهدهم. بينما نحن اليوم أقوى ـ بفضل الله ـ مما كنا عليه قبل خمسة اعوام، وقبل خمسة أعوام كنا أقوى من قبل عشرة أعوام، وقبل عشرة أعوام كنا أقوى من قبل خمسة عشر عام وأوائل الثورة. فيوماً بعد يوم يزداد ـ بفضل الله ـ هذا النظام وهذا الشعب قوة ولا يوجد شك في أنّ العدو عاجز أمام هذه الثورة. وهذا نفسه يعدّ شاهداً على أنّهم بذلوا كل جهودهم وإمكانياتهم من أجل توجيه ضربة لهذه الثورة وفيما بعد سيكون الأمر كذلك أيضاً.

خطبة الجمعة لسماحته في طهران، 3/9/1415

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى