مقالات وآراء

مفاوضات ترسيم الحدود الجنوبية للبنان: هواجس واحتمالات..

الكاتب نور الدين اسكندر

في وقتٍ يعيش فيه لبنان أصعب أيامه منذ تأسيسه قبل مئة عام من اليوم، على المستويات كافة، اقتصادياً ومالياً واجتماعياً واختناقاً للنظام السياسي الذي يحكمه، تحول الجدل في الداخل اللبناني من معالجة الأزمات المنفجرة على هذه الصعد، إلى الاختلاف حول المستجد الأبرز هذه الأيام وهو انطلاق مفاوضات غير مباشرة لترسيم الحدود مع الكيان الإسرائيلي برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

لقد وصلت المفاوضات التي كانت دائرة حول الإطار العام للتفاوض إلى خواتيمها، وأعلن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري عن التوصّل إلى اتفاق يرسم إطار المفاوضات، والتي بدأت فعلياً في 15 تشرين الأول/أكتوبر في مقر قوات الطوارىء الدولية العاملة في جنوب لبنان “يونيفيل” في منطقة الناقورة على الحدود اللبنانية-الفلسطينية. مفاوضات أرادها لبنان بحسب رئيس البرلمان وقوى المقاومة “غير مباشرة” وفنية- تقنية بين وفدين عسكريين من الجانبين اللبناني والإسرائيلي، بالإضافة إلى وفد الأمم المتحدة الذي ترأّسه ممثل الأمين العام في لبنان يان كوبيتش، ووفدٍ أميركي ترأسه في الجلسة الأولى مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شينكر.

لكن المشكلات بدأت مبكراً، حول طبيعة الوفود المشاركة، وهوية أعضائها، خصوصاً مع قيام الكيان الإسرائيلي بتسمية أعضاء وفده بمعظمهم من الديبلوماسيين والمسؤولين السياسيين والإداريين، وحصر المشاركة العسكرية بضابطٍ وحيد. لكنّ المشكلة لم تقتصر على محاولة الجانب الإسرائيلي جر المفاوضات نحو السياسة والديبلوماسية، بل إن الوفد اللبناني نفسه الذي شكّله رئيس المجهورية ميشال عون كان موضع جدلٍ سياسيٍ محموم بين الأحزاب السياسي والقوى اللبنانية.

لقد ضم الوفد اللبناني الذي شكّله عون برئاسة العميد الركن الطيار بسام ياسين، العقيد الركن مازن بصبوص، ووسام شباط من هيئة إدارة قطاع البترول، والخبير الدولي نجيب مسيحي والمترجمة ميرنا معلوف. فيما انتشرت معلومات سبقت الجولة الأولى من المفاوضات عن نية الرئيس اللبناني تكليف مدير عام رئاسة الجمهورية أنطوان شقير برئاسة الوفد، لكن ذلك لم يحدث.

إشكاليتان حول الوفد اللبناني المفاوض

لقد فجّر تشكيل الوفد إشكاليتان داخليتان. الإشكالية الأولى سياسية تتعلق باعتبار ضم الوفد لشخصيات سياسية وإدارية ومدنية يمثل مكسباً للكيان الإسرائيلي الذي يريد بأي شكل من الأشكال إدخال المفاوضات التقنية حول ترسيم الحدود في مسار التطبيع بين الكيان والدول العربية، والذي شهد تطورات دراماتيكية مع توقيع معاهدات سلام بين تل أبيب وكل من أبو ظبي والمنامة.

لقد روّج الكيان الإسرائيلي لشائعات تقول إن التفاوض سينحو باتجاه معاهدة سياسية. لكن لبنان الرسمي والشعبي وعلى المستويات كافة يؤكد أن المفاوضات محصورة بالشق التقني- الفني، وهي لن تتعدى ذلك إلى حدود التفاوض السياسي، ولن تندرج في مسار التطبيع الذي تنشط الإدارة الأميركية ومعها “إسرائيل” لتوسيعه ليضم أكبر عدد ممكن من الدول العربية.

أما الإشكالية الثانية، فهي دستورية حيث وجّهت الأمانة العامة لرئاسة مجلس الوزراء كتاباً إلى رئاسة الجمهورية تعترض فيه على تغييب دور رئاسة الحكومة عند تشكيل الوفد، حيث ينص الدستور اللبناني في المادة 52 منه على وجوب تشكيل الوفود “للمعاهدات الدولية” بالاتفاق بين رئيسي الجمهورية والحكومة.

رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب أصدر بياناً رأى فيه أن قرار تأليف الوفد، من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، مخالف للمادة 52 من الدستور، التي توجب الاتفاق مع رئيس الحكومة خلال التفاوض لعقد المعاهدات الدولية وإبرامها. في حين دافع المقربون من رئاسة الجمهورية عن قرار الرئيس من خلال الدفع بأن التفاوض الحالي بشأن الحدود لن يولّد معاهدة دولية.

رؤساء الحكومة السابقون (سعد الحريري، فؤاد السنيورة، نجيب ميقاتي وتمّام سلام) اتهموا رئيس الجمهورية بمخالفة الدستور. تحدث السنيورة باسمهم ليقول إن عون خالف المواد 52 و54 و60 الدستور. فردّت الرئاسة الأولى في بيانٍ أكدت فيه “أننا لسنا بصدد معاهدة دولية مع (إسرائيل)، تعني ما تعنيه على صعيد التطبيع والاعتراف”، وبالتالي فإنّ تأليف وفد التفاوض لا تنطبق عليه المادة 52 من الدستور.

لقد أصرّ رئيس الجمهورية على تأليف الوفد بنفسه، وتمسّك بالأعضاء المدنيين فيه، وانطلقت الجولة الأولى من المفاوضات. وتمسّك الوفد اللبناني من خلال مداخلة رئيسه العميد الركن الطيار بسام ياسين في الجلسة الأولى بالموقف الرسمي اللبناني المصرّ على حصر التفاوض بترسيم الحدود تقنياً، مؤكداً أن التفاوض “غير المباشر” يستند إلى تجارب التفاوض غير المباشر السابقة بين لبنان والعدوّ، منذ لجنة تفاهم نيسان عام 1996، وصولاً إلى اللجنة الثلاثية التي تجتمع دورياً منذ عام 2006، وهو تفاوض حول ترسيم الحدود البحرية للبنان على أساس القانون الدولي، واتفاقية الهدنة عام 1949 الموثقة لدى دوائر الأمم المتحدة، واتفاقية بوليه/نيوكومب عام 1923 وتحديداً بشأن ما نصت عليه هذه الاتفاقية حول الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة براً.

وأكّد ياسين أن الوفد اللبناني ينطلق من مصلحة لبنان، ويتطلع لأن “تسير عجلة التفاوض بوتيرة تمكننا من إنجاز هذا الملف ضمن مهلة زمنية معقولة”.

موقف المقاومة

لعشر سنوات كاملة فاوض بري الأميركيين على تحديد آليات وشكل التفاوض وأطره العامة، ليرسم بذلك حدود التفاوض المقبولة. وقد أكّد عند إعلانه عن التوصل لاتفاق الإطار حول التفاوض في 2 تشرين الأول/أكتوبر، أن الأمر تطلّب صبراً وثباتاً ومرونة لعشر سنوات من أجل التوصل لاتفاق إطار منصوص بصفحةٍ واحدة ونصف الصفحة فقط.

وبعد تشكيل الوفد اللبناني، لم تكن قوى وازنة في لبنان راضية عن طبيعة الوفد اللبناني. فالكتلة البرلمانية لحزب الله (الوفاء للمقاومة) قالت إن مفاوضات ترسيم الحدود البحرية والبرية جنوب البلاد لا تندرج في سياق المصالحة مع الاحتلال الإسرائيلي، “ولا ترتبط بالسياسات التطبيعية التي انتهجتها دول عربية لم تؤمن يومًا بخيار المقاومة”، على حد وصفها. معتبرةً أن تحديد إحداثيات السيادة الوطنية هو مسؤولية الدولة اللبنانية المعنية حصراً بأن تعلن أن هذه الأرض وهذه المياه هي أرض ومياه لبنانية، خلافاً لكل الكلام الذي قيل هنا وهناك.

أبعد من ذلك، شكل البيان المشترك الذي صدر عن “حزب الله” وحركة “أمل” (يرأسها بري) قبل يومٍ واحدٍ من الجلسة الأولى خطوةً لافتة جداً في توقيتها، وفي مضمونها. حيث أعلن التنظيمان (مع تأييد قوى وتنظيمات أخرى) رفضهما للوفد الذي شكلته رئاسة الجمهورية البلاد للتفاوض. فالتنظيمان يعتبران وجود شخصيات مدنية في الوفد مخالفاً لاتفاق الإطار، ومضمون تفاهمات نيسان-أبريل 1996 التي على أساسها ستنطلق المفاوضات. ودعيا إلى إعادة تشكيل الوفد المفاوض لأنه “يشكّل تجاوزاً لكل عناصر القوة لبلدنا وضربة قوية لدوره ومقاومته، ويمثل تسليمًا بالمنطق الإسرائيلي الذي يرغب بالحصول على أيّ شكل من أشكال التطبيع”. وقد أعاد كل من الحزب والحركة تأكيد انطلاق موقفهما المشترك “من التزامهما الثوابت الوطنية ورفضهما الانجرار لما يريده العدو من خلال تشكيل وفد يضم بأغلبه شخصيات ذات طابع سياسي واقتصادي”.

ما بعد الجولة الأولى: توقعات متشائمة

تبلغ المساحة المتنازع عليها بين لبنان والكيان الإسرائيلي في البحر المتوسط نحو 860 كم مربعًا، وهي مساحة ثبت احتواءها على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، ويتمسك لبنان فيها كلها، وكان قد رفض في السنوات السابقة عرضاً أميركاً بالحصول على ثلثي هذه المساحة وترك الثلث تقريباً لدولة الاحتلال. وينطلق التمسك اللبناني بهذه المساحة من قواعد القانون الدولي، وقانون البحار اللذين يحددان طرق احتساب المساحات البحرية انطلاقاً من البر. ويصر الموقف اللبناني على عدم أحقية العدو باحتساب تأثير لجزر صغيرة جداً في المياه الإقليمية لفلسطين المحتلة (مثل جزيرة تخليت). لكن دراسات جديدة  تؤكّد أن حق لبنان يتعدى ذلك إلى حوالى 1770 كم مربع. غير أن هذا الموقف لم يتم اعتماد رسمياً من قبل لبنان حتى الآن.

ويغلب التشاؤم اليوم على التحليلات التي تبحث في أفق المفاوضات وذلك لمجموعة من الأسباب، أهمها السياق الضاغط في المنطقة على قوى المقاومة والدول الداعمة لها، لإجبارها على تقديم تنازلات في ملف ترسيم الحدود كما في ملفات عديدة أخرى. بالإضافة إلى عوامل داخلية في لبنان تصعّب من مهمة الوفد المفاوض، وتؤدي إلى زيادة الضغوط عليه وعلى القوى المتمسكة بالحقوق السيادية اللبنانية، خصوصاً في ظل الأزمات الحادة التي تعيشها البلاد.

وتسود البلاد حالة من الخلافات السياسية الحادة بين أحزابها وقواها، تضاف إلى الانهيار الاقتصادي والمالي. ويزيد من التشاؤم بخصوص التوصل إلى اتفاق سريع لترسيم الحدود وجود الأميركيين كطرف وسيط في هذه المفاوضات، حيث لم تثبت واشنطن حيادها في أية مفاوضات سابقة كانت “إسرائيل” طرفاً فيها.

لكن الجانب المضيء من المسألة يبقى في أن المفاوضات هذه المرة تجري مع لبنان، وهو يمثل الجبهة الأكثر تمكناً من تحقيق الانتصارات المتتالية على “إسرائيل”، الأمر الذي يشير إلى عدم سهولة تحقيق اختراقٍ أميركي- إسرائيلي فيها، بفضل وجود توازنٍ نسبي في القدرة على الأذى بين المقاومة اللبنانية والعدو.

وبناءً على ذلك، يحاول الكيان الإسرائيلي استخدام سلاحه الأبرز في هذه المفاوضات، وهو الموقف الأميركي الداعم لمطالبه في السر والعلن، على الرغم من تقديم نفسه على أنه وسيط محايد.

إذن، سلاح لبنان في هذه المفاوضات سيتمثل في ثلاث نقاطٍ أساسية:

– النقطة الأولى: القوة العسكرية المتمثلة بالجيش والمقاومة، والقدرة على مواجهة أي اعتداءٍ يقوم به العدو على الحقوق اللبنانية.

– النقطة الثانية: هي استناد موقف لبنان إلى قواعد القانون الدولي، وقد أكد بري عند إعلانه لاتفاق الإطار أن لبنان يريد حقوقه فقط من دون زيادةٍ، ولكن من دون أي نقصانٍ أيضاً.

– النقطة الثالثة: حاجة “إسرائيل” إلى استخراج الغاز من البحر، وهي لن تتمكن من ذلك بصورةٍ مريحة ومضمونة، ما لم يتمكن لبنان من الحصول على حقوقه في ثرواته ومياهه وبرّه.

أما سلاح “إسرائيل”، فيتمثل بالدرجة الأولى بالموقف الأميركي الراعي لكل محاولات “حفظ التفوق الإسرائيلي في المنطقة”، على حد تعبير وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قبل أسابيع. فيما تحاول تل أبيب الاستثمار في أوراق قوة أخرى في سياق المفاوضات، تتعلق في معظمها باستغلال انهيار الواقع اللبناني على المستوى الاقتصادي والمالي، والاستفادة من الضغوطات الأميركية على محور المقاومة، من أجل سرقة لحظة تبدو له مؤاتية للحصول على تنازلات معينة. ويضاف إلى ذلك، مراهنة العدو الإسرائيلي على تحول الموقف العربي في دول الخليج ليكون داعماً للموقف الإسرائيلي الساعي إلى اتفاقات “تطبيع” أخرى، وإن كان ذلك غير معلن من قبل الدول الخليجية حتى اللحظة، لكنه يبقى احتمالاً مرجحاً وضاغطاً على لبنان.

بناءً على ذلك، يتوقع أن تطول مفاوضات الترسيم، وأن لا يتم التوصل إلى اتفاقٍ سريع على تحديد الحدود. حيث من المرجح أن تتركز المحاولات الإسرائيلية على تكثيف الضغط للتوصل إلى اتفاقٍ سريع تنتزع بموجبه مكتسباتٍ غير مستندة إلى القانون الدولي من لبنان. بينما من المؤكد بحكم التوازنات القائمة في لبنان أن يتمسك هذا الأخير بكامل حقوقه بمعزلٍ عن عامل الوقت، وإن كان المسؤولون اللبنانيون يأملون باتفاق سريع، إن أمّن هذا الاتفاق كامل الحقوق اللبنانية، وقد أشار العميد ياسين رئيس الوفد اللبناني للمفاوضات إلى هذه النقطة، حين أمِل بإنجاز اتفاق خلال مسافةٍ زمنيةٍ معقولة.

وبالإضافة إلى العقبات المشار إليها والتي يمكن أن تؤخر الاتفاق، فإن عقبةً أخرى يمكن أن تسهم بتحقيق النتيجة نفسها. ترتبط هذه العقبة بسجل الكيان الإسرائيلي من الاعتداءات على السيادة اللبنانية، والخروقات اليومية للسيادة اللبنانية، والتي تقوم بها قواته في البر والبحر والجو. الأمر الذي قد يجر الأحداث إلى احتمالات تفجيرية يمكن أن تمثل تهديداً حاسماً للمفاوضات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى