مقالات وآراء

كيف يشكّل اليمن المقاوم جبهة فعّالة في وجه التطبيع؟.

شارل أبي نادر .. عميد متقاعد في الجيش اللبناني

لا يمكن أن يمرّ تحذير صنعاء لأبو ظبي والرياض من الخطوات الاستعمارية مع تل أبيب في سقطرى والمهرة مروراً عادياً أو روتينياً، كما يحدث عادة بين المتحاربين الذين يلجأون إلى هذا الأسلوب من الحرب النفسية التي تتواكب مع العمليات العسكرية، فمعطيات التحذير الأخير لرأسي تحالف العدوان على اليمن تستند إلى جملة من الوقائع والحقائق الميدانية والاستراتيجية، ولا بدَّ من أن يكون لها وقع فاعل وتأثير غير بسيط في مسار الحرب على اليمن أولاً، وفي مسار التحالف الخليجي المستجد مع “إسرائيل” ثانياً.

هذه المعطيات التي استند إليها وزير الدفاع في حكومة صنعاء محمد العاطفي مع رئيس الأركان، في رسالة إلى قائد أنصار الله عبد الملك الحوثي، تتمحور حول الإعلان عن أن القوات اليمنية ستطال القواعد التي قد تنشئها الإمارات والسعودية بالتنسيق مع “إسرائيل” في المهرة وسقطرى، وهي تترافق أيضاً (الرسالة) مع تقدم عسكري لوحدات الجيش واللجان الشعبية وأنصار الله شمال شرق مأرب باتجاه منطقة تضم أحد أكبر المعسكرات السعودية في العمق الشرقي اليمني، فما هي هذه المعطيات والوقائع؟ وكيف يمكن أن تشكل جبهة متماسكة في وجه مسار التطبيع مع “إسرائيل”؟

المعطيات الميدانية الداخلية 

لقد أصبح واضحاً وبما لا يقبل الشكّ أبداً لتحالف العدوان وداعميه، كما للجيش اليمني ولأنصار الله، بأن عملية تحرير مأرب وما يحيط بها من مديريات، ستشكّل نقطة مفصلية في معركة الدفاع عن اليمن، لكونها المدينة الأكبر والأهم في عمق اليمن الشرقي، وبسبب موقعها الاستراتيجي كنقطة لربط صنعاء مع الشرق باتجاه حضرموت، ولربط صنعاء مع الساحل الجنوبي عبر البيضاء فشبوة، وبالتالي، خسارة التحالف لهذه المدينة الاستراتيجية ستشكل ضربة لحربه ولعدوانه على اليمن لا يمكن تعويضها.

من خلال متابعة مسار التقدم الميداني لوحدات أنصار الله والجيش على تخوم مأرب، أصبح واضحاً أنَّ عملية تضييق الخناق الأخير على المدينة قد اكتملت، من ناحية مديرية مدغل شمال غرب، أو من ناحية طريق صرواح غرباً، أو من ناحية الجوبة جنوباً، وهناك معطيات تتحدث عن تمركز وحدات خاصة بالاقتحامات المتقاربة على خط المهاجمة الرئيسي من جهة مديرية مدغل، والتي تقع على الطريق الرئيسي الذي يربط صنعاء بمأرب عبر مفرق الجوف.

إن أهمية الاحتفاظ بمأرب بالنسبة إلى التحالف وداعميه ظهرت في صراخ هؤلاء الّذي بدأ يرتفع خوفاً من خسارتها، إذ لمسوا، كما يبدو، هزيمتهم الأكيدة فيها، وبدأوا يستغلون موضوع وجود أكثر من مليوني مدني في المدينة ومحيطها، لتشكيل رأي عام ضاغط لوقف معركتها.

المعطيات الاستراتيجية 

تشكل إشارة وزير الدفاع اليمني ورئيس أركانه إلى حتمية استهداف القواعد الإماراتية الإسرائيلية في سقطرى، وتلك السعودية الإسرائيلية في المهرة، مؤشراً استراتيجياً يضاف إلى نقاط القوة التي بدأت تتكون في الميدان اليمني، حتى قبل اكتمال عملية تحرير مأرب، فاستهداف هذه القواعد بالصواريخ الباليستية وبالطائرات المسيرة سيكون واقعاً حكماً وبشكل أكيد، أولاً لأن هذه القدرات النوعية تملك في سجلها الكثير من العمليات الناجحة والفعالة لمواقع استراتيجية داخل عمق السعودية (الرياض)، وفي غربها (ينبع)، وفي شرقها (أرامكو – بقيق وخريص وغيرها)، وامتداداً إلى أبو ظبي، التي تعد أبعد جغرافياً وأصعب عسكرياً وميدانياً من القواعد المذكورة (المهرة وسقطرى)، وثانياً لأنه تم استهداف تلك الأهداف في دول العدوان بنجاح، بالرغم من أنها تستفيد من منظومة دفاعية أميركية وسعودية هي الأكثر تطوراً، لكونها أهدافاً لها طابع استراتيجي دولي، وتأثيراتها أبعد من الداخل الإماراتي أو السعودي.

من هنا، انطلاقاً من المعطيات الميدانية المتعلقة بمعركة الدفاع داخل اليمن، والتي أنهت أية إمكانية لإحراز أي هدف من أهداف التحالف التي كان قد وضعها لعدوانه منذ حوالى 6 أعوام، وانطلاقاً من تثبيت أنصار الله والجيش واللجان الشعبية اليمنية فعالية الأسلحة النوعية (صواريخ وطائرات مسيرة)، والتي أصبحت معركتها ذات طابع استراتيجي خلق توازناً في مقابل القدرات الجوية للعدوان وداعميه، يمكن القول إن هناك جبهة متماسكة في اليمن بدأت تكتمل في مواجهة تحالف التطبيع الجديد في منطقة الخليج، وذلك على الشكل التالي:

أولاً: فقدان العدوان ودول التطبيع وداعميه الأميركيين بشكل خاصّ أية فرصة للسيطرة على اليمن بموقعه الحيوي وبجغرافيّته الاستراتيجية المفيدة أو المؤثرة بشكل كبير لإنجاح مخطط التطبيع، والّذي كان يهدف إلى تطويع جميع دول المنطقة خدمة أو تحضيراً للتطبيع مع “إسرائيل”. وبات اليمن اليوم، وعلى الأقل بما هو محرر منه، قادراً على فصل أو قطع المسار الجغرافي الذي كان يخطط لخلقه، من الإمارات إلى سلطنة عمان، مروراً باليمن، وصولاً إلى السعودية، فالأردن وفلسطين المحتلة حتى المتوسط، أو مروراً بالساحل اليمني، فالبحر الأحمر، فالسودان ومصر، فالمتوسط.

ثانياً: مع ثبات الجيش واللجان الشّعبية وأنصار الله وصمودهم ميدانياً، ومع قدرتهم الصّادمة التي خلقوها عبر أسلحتهم النوعية، والتي استطاعوا عبرها فرض المعادلة الاستراتيجية في محيط اليمن، بحراً وبراً، لم تعد للقواعد المرتقبة للتحالف الإسرائيلي الإماراتي السعودي في المهرة وسقطرى أية قيمة استراتيجية أو استعلامية، كما كان مخططاً لها أن تكون نقاط ارتكاز بحرية وساحلية في خليج عمان وبحر العرب ومدخلي باب المندب أو مضيق هرمز، لأنها عملياً ستكون حتماً معرضة للاستهداف الفعال والمباشر والأكيد بصواريخ اليمنيين وطائراتهم المسيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى