مقالات وآراء

أوسلو بعد 27 عامًا: هل يمكن التّصالح مع النهج؟

متخلّية عن كلّ عناصر القوة ذهبت منظّمة التّحرير الفلسطينيّة إلى توقيع اتفاق أوسلو، فنبذت المقاومة واعترفت بدولة الاحتلال، وأسّست للتنسيق الأمني والتّبعية للاحتلال والخارج. تشبّثت السلطة الفلسطينيّة التي أنشئت عام 1994 بموجب الاتفاق بالنّهج الذي فرضه، على الرغم من كلّ الانتقاد والرّفض الذي واجهه، وراكمت الفشل على أثر الفشل لكن من دون أن تدرك الحاجة إلى تغيير أدوات المواجهة.

 

على مدى الأعوام الـ27 من عمر أوسلو، تمسّكت السلطة بمجموعة من “الثوابت”، قاربت بها كلّ المحطات وكلّ المتغيّرات المحلّية والإقليمية والدولية، ولعل الثابت الأبرز الذي تمسّكت به السلطة ورفعته سلاحًا في كل المراحل هو المفاوضات، وهو نهج أثبت فشله في استرجاع أيّ حق للفلسطينيّين علاوة على أنّ دولة الاحتلال استفادت منه لتثبت المزيد من الحقائق على الأرض حيث عملت على تعميق التهويد في القدس وزيادة الاستيطان وقتل الفلسطييين، وهدم منازلهم ومصادرة أرضهم وطردهم منها.

 

وبينما ترسّخ “إسرائيل” وجودها كانت السلطة تتمسّك بالتنسيق الأمني مع الاحتلال تحت عنوان “محاربة الإرهاب”، وهو التعبير الآخر لمحاربة المقاومة والقضاء عليها. وعلى الرغم من تكرار الإعلان عن وقف التنسيق الأمني في ظلّ تصعيد الاعتداءات الإسرائيلية، فإنّ التطوارات على الأرض كانت تقول خلاف ذلك، وكانت السلطة تجد دائمًا سبيلاً إلى هذا التّنسيق. وحتّى بعد إعلان وقف التنسيق في أيار/مايو 2020، فإنّ وزير الشؤون المدنيّة حسين الشيخ صرّح لنيويورك تايمز، في حزيران/يونيو 2020، أنّه في حال علمت قوات الأمن الفلسطينية بنيّة أحد الفلسطينيين تنفيذ عملية فـدائيـة ضدّ جيش الاحتلال، فـ “سنعتقله إذا كان لا يزال في الضّفة الغربية”، أما إذا كان في الداخل المحتلّ فالفلسطينيون “سيحذّرون إسرائيل عبر وسيط” . كذلك، فقد كشفت تقارير إسرائيلية بداية الشهر الحالي أنّ مسؤولين فلسطينيين وجّهوا رسائل إلى مسؤولين أمنيين إسرائيليين يطلبون استعادة تدريجية للعلاقات الأمنيّة بين الجانبين.

 

وتعدّت الأمور التنسيق الأمني إلى تشكيل “لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي”، بهدف نقل الموقف الفلسطيني إلى الإسرائيليين. وعكست اللجنة تطبيعًا رسميًا مع الاحتلال، وأسبغت عليه طابعًا إنسانيًا عبر الزيارات واللقاءات والحوارات مع الوفود الإسرائيلية، وصولاً إلى إقامة واجب العزاء! وعلى الرغم من الأثر السلبي لهذه اللجنة وفشلها في تعزيز الخطاب الفلسطيني، والتّطورات الأخيرة في المشهد الإقليمي فإنّ الأمين العام لجبهة النضال الشعبي أحمد مجدلاني صرح أنّه لا مشكلة في استمرار لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي، كونها تخاطب المجتمع وليس الحكومة، ولدينا مواقف لإسرائيليين يمكن عبرهم التّأثير في المجتمع الإسرائيلي!

 

على ذلك، فقد كرس أوسلو والاتفاقات اللاحقة له والمتفرّعة عنه اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد الإسرائيلي، وهو الأقوى والأكثر قدرة على فرض شروطه. كذلك، فقد ساهم في ترسيخ الاعتماد على المساعدات الخارجيّة التي تعني التبعية لشروط الدول المانحة، وهي غالبًا تشترط “محاربة الإرهاب” ليتمّ التمويل، ومع ترامب فقد بات التمويل محلّ ابتزاز صريح للفلسطينيين بعد اشتراطه أن يعودوا إلى طاولة المفاوضات كي يستأنف الدعم.

 

وبعد عقود تكاد تلامس الثلاثة، فإنّ نهج أوسلو الذي حاصر القضيّة الفلسطينيّة يحضر اليوم شاهدًا على نتائجه ومآلاته، فمن البيت الأبيض الذي رعا الاتفاق أطلق ترامب سلّة من القرارات التي جاءت ضمن السياق الطبيعي لأوسلو، بدأت مع إعلان الرئيس الأمريكي عام 2017 اعتراف إدارته بالقدس عاصمة لـ”إسرائيل”، ومن ثمّ نقل السفارة الأمريكيّة إلى المدينة المحتلّة عام 2018، إضافة إلى القرارات المتعلقة باللاجئين وبإغلاق مكاتب منظمة التحرير في واشنطن، وتشريع الاستيطان وغيرها، في إطار سياسة قائمة على تبنّي الرواية الإسرائيلية بشكل مطلق وإقصاء تلك الفلسطينيّة. والمفارقة أن ترامب عمل على “حسم” معظم قضايا الحلّ النهائي التي أجلها اتفاق أوسلو لتحلّ عبر المفاوضات، وكان من بينها القدس واللاجئون والاستيطان، وفاخر بأنّه أخرج موضوع القدس عن الطاولة بعدما قرر إخراج الفلسطينيين منها ليبحثوا عن عاصمة أخرى لهم.

 

وبرعاية ترامب وتوجيهاته، خرج إلى العلن الإعلان عن تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين من جهة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، ليتوّج موجة التطبيع العلني التي اجتاحت المنطقة قبل بضعة أعوام عبر لقاءات مع مسؤولين إسرائيليين والتصريحات “المبشّرة” بمشهد جديد من العلاقات مع دولة الاحتلال، وعلى ما يبدو فإنّ ترامب يعمل على ضمّ مزيد من الدول العربية إلى قافلة التطبيع الرسمي ضمن المساعي لجعل “إسرائيل” جزءًا طبيعيًا من نسيج المنطقة.

 

لا شكّ في أنّ أوسلو اتفاق معتلّ ومسار فاشل، وقد أسهم في تبلور المشهد كما آلت إليه اليوم القضية الفلسطينية، لكنّ المشكلة ليست في الاتفاق وحسب، بل في رفض القائمين عليه الاعتراف أنّ ذلك المسار أدّى إلى هذه النتائج، وأنّ المضيّ فيه لم يغيّر، ولن يغيّر من الوقائع شيئًا، ولن يجعل الفلسطينيين أقرب إلى استعادة أرضهم وحقّهم ومقدّساتهم. ومع الحال التي وصلت إليها القضيّة الفلسطينيّة في ظلّ نهج أوسلو وبالتّوازي معه، فإنّ أول الطّريق إلى استعادة زمام الأمور تبدأ بالإقرار بكارثيّة اتفاق أوسلو والنهج الذي كرّسه والانطلاق من ذلك والتّأسيس عليه، أمّا أيّ “حلّ” قبل الانفكاك عن هذا النهج فلا يمكن التّعويل عليه.

براءة درزي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى