مقالات وآراء

وقفة تأمل؛ وإرادة عمل

عارف الآغا -طريق القدس

هدف محور المقاومة في منع إسقاط الحكم في سوريا تحقق، وهدف هذا المحور في محاصرة المجموعات الإرهابية وسحقها  يتحقق يوماً بعد يوم، أما هدف فتح ثُغَر كبيرة على طول الحدود مع العراق،فقد دخل مرحلة التنفيذ، وليس متوقعاً أن تتراجع قوى المقاومة عن توسيعه وتثبيته وحمايته مهما كلّف الأمر، ما يقود إلى تذكير الجميع بأنّ قواعد العمل في سوريا أو العراق لا تزال محكومة بتوافقات تشمل جميع الأطراف. وهدف تحرير كل شبر من  ارض سوريا لن يتزعزع وبالتالي نحن أمام احتمال كبير بأن تقع المواجهة المباشرة والفعلية بين حلفاء سوريا والقوات الأميركية إذا قررت الأخيرة  الانخراط مباشرة في المعركة إلى جانب المجموعات الإرهابية المسلحة  . وبالنظر إلى خلفية القرار عند حلفاء سوريا، يجب التعامل مع الاحتمال بجدية كبرى، ما يشير إلى شكل جديد من المواجهة في سوريا وخارجها.

إزاء هذا الاحتمال بدأت الإدارة الأميركية بشنّ هجوم جديد على محور المقاومة على كل الجبهات، لكن بوسائل ناعمة تمهّد لضربات خشنة وحارة. لم تستثني أميركا أحداً من محور المقاومة، حتى الحليف الروسي من العقوبات الاقتصادية، أو العبث بالأمن عبر الجماعات التكفيرية، أو إلحاق الإهانة بالبعثات الدبلوماسية الروسية في أميركا، وتوزّعت الحرب الأميركية الجديدة ضد إيران بمحاصرة الحرس الثوري اقتصادياً، والتهديد بتصفيته إرهابياً، ثم الانتقال إلى الساحة العراقية ومحاولة مشاغلة الدولة العراقية والحشد الشعبي والجيش بمشكلة انفصال كردستان كبديل عن هزيمة “داعش” في العراق، ثم تصنيف أبرز قادة الحشد الشعبي (أبو مهدي المهندس) بأنه إرهابي، مع الإبقاء على فتيل الفتنة المذهبية بين السُّنة والشيعة، وإصرارها في اليمن على مواصلة العدوان ضد الأبرياء، وتحشيد “القاعدة” والجماعات التكفيرية لتفتيت اليمن وإسقاطه، وصولاً إلى سورية وحماية “داعش” وتوزيع عناصرها على قوات “قسد” بين الأكراد والعرب، و جبهة النُّصرة”.والتلويح بالتدخل بذريعة الكيماوي.

لكن أميركا تركّز بشكل أساس على هدف رئيسي تحمّله وزر ومسؤولية الهزيمة الأميركية منذ اجتياح العام 1982، وترحيل القوات المتعددة الجنسيات، خصوصاً “المارينز” الأميركي والمظليين الفرنسيين بعد التفجيرات التي تعرضت لهما قواعدهما في بيروت، حيث تحمّل أميركا المقاومة التي يقودها حزب الله في لبنان المسؤولية عما يلي: هزيمة المشروع الصهيوني واندحار العدو “الإسرائيلي”، وتحرير الأراضي اللبنانية بدون شروط، وذلك في سابقة خطيرة على مستوى الصراع العربي. – “الإسرائيلي”.   وهزيمة المشروع الأميركي في إسقاط سورية، نتيجة التدخُّل العسكري في سورية منذ بدايات الحرب العالمية (عسكرياً) على سورية منذ العام 2013، والذي ساهم في دعم الجيش السوري، بانتظار وصول بقية حلفاء سورية والقوات الرديفة.  وإغلاق الحدود اللبنانية – السورية أمام المعارضة المسلَّحة السورية، وعدم استعمال الساحة اللبنانية الجاهزة سياسياً في معظمها لإطلاق النار على النظام والدولة السورية، سواء بالمجاهرة والدعم، أو التزام الصمت والحياد.   ودعم الحشد الشعبي في العراق و”أنصار الله” في اليمن بالمستشارين والكوادر، ونقل الخبرات العسكرية المتراكمة، والتي كان لها دور مؤثّر، خصوصاً في بدايات المواجهة والتصدي للجماعات التكفيرية (داعش) وعدوان التحالف العربي على اليمن. البدء بتجهيز جبهة الجولان وتوسعة جبهة المواجهة مع العدو “الإسرائيلي” عبر وحدة الجبهات (لبنان وسورية) في أي مواجهة مقبلة، مع توفُّر الدعم البشري من المقاتلين والمجاهدين من بقية دول محور المقاومة، والذين سيمثّلون إحتياطياً بشرياً كبيراً يمتلك الخبرات العسكرية اللازمة والعتاد.

إضافة إلى هذا يعتقد الأميركيون والصهاينة أن لبنان شكّل منذ انتصار الثورة الإسلامية النافذة الإعلامية والعسكرية والعقائدية للثورة، وللعب دور أنبوب التهوية والأوكسجين للثورة المحاصَرة والمستنزَفة، ثم تحوّل إلى الذراع “العربية” للثورة في المنطقة العربية، والتي أقلقت الصهاينة والخليجيين، ورفعت عن إيران عبء المواجهة المباشرة مع السعودية وبعض دول الخليج، بالإضافة إلى التوازن الذي فرضته المقاومة عن العدو “الإسرائيلي”،وأيضا  إلى تنامي اقتدار حزب الله واكتساحه للساحة كأنموذج يحتذى به وخوفهم الشديد من ان تعمم هذه الظاهرة لتصبح كارثة عليهم وان نظرتهم لما يقوم به الشباب في البحرين أوالحوثيين في اليمن هو امتداد لحزب الله، لذلك تركز هذه الدوائر مجتمعة من خلال هذه التحركات المشبوهة والفاشلة اغتيال النموذج والقضاء عليه وقد كشف بعض المتحدثين الإرهابيين في ندوه الإمارات عن مدى جرائمهم وانحطاطهم الخلقي في القضاء على حزب الله وان كلف ذلك تدمير لبنان وشعبه. ولذلك ستستغل أميركا كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لمحاصرة وهزيمة المقاومة في لبنان. وخلاصة الموقف الأميركي: لكي تنتصر على إيران..وتحقق أهدافها في سورية  لا بد من هزيمة حزب الله.

لهذا كله نخن أمام أوركسترا عالمية تبدأ من الولايات المتحدة مرورا بدول إقليمية في المنطقة ومرورا بإسرائيل أيضا، وكلها تصب باتجاه “حزب الله”، على اعتبار أن المقاومة في لبنان تشكل عائقا أمام إسرائيل وبعض الأطراف والدول التي تريد أن تفرض الأمر الواقع على القضية الفلسطينية وأن تنتهي القضية الفلسطينية برمتها. عندما تجد هذه الأطراف وهذه القوى أن المقاومة تقوم بدورها في فلسطين وكذلك في لبنان وسوريا، فإن هذا الأمر يعرقل خططها ومشاريع هيمنتها على المنطقة . ومن ناحية أخرى تضييق الحصار على إيران باعتبار حزب الله ذراع محور المقاومة الضارب على حدود الكيان الصهيوني.  .

المسألة واضحة، فالمقاومة التي تواجه قوى الإرهاب في المنطقة وتواجه سياسة الهيمنة وتواجه إسرائيل لا تروق لهذه الدول، ولهذا لا نستغرب أبدا  عندما تشن عليه حملات إعلامية ملفقة ودنيئة ومبتذلة وتافهة  وضغوط دبلوماسية وسياسية بهدف شيطنة حزب الله و اعتباره حزبا إرهابيا ويريد تقويض المنطقة. وفي مقدمة هؤلاء تلك الدول التي تسير في الحلف الإسرائيلي- الأميركي وتشن هجماتها التضليلية والتحريضية  المتواصلة دون توقف، لكن مواقف هذه الجهات معروفة، وليست جديدة. وكل جهودهم البائسة التي تصب في هذا الاتجاه ترتد عليهم خزيا وعارا ولن تستطيع أن تنال من دور المقاومة ولن يضيرها  لأن الطريق المرسوم واضح أمام الجميع، ولأنه لا بد لشعوب المنطقة أن تتحرر من سياسات الهيمنة والتسلط هذه. فقد اثبت هذا الحزب خلال تاريخه النضالي الحافل بالانتصارات قدرته الفائقة على خلق استراتيجيات وتكتيكات خلاقة تحقق الأهداف المرسومة لها وعقيدته الراسخة والمتجذرة لدى مقاتليه  وحاضنته الشعبية . فقد انطلق في البداية من  «النهج المقاوم المسلّح المنظّم المركّز» جنباً إلى جنب مع مقاومة شعبية كبيرة عفوية إلى مرحلة أخيرة قادت إلى «مدرسة قتالية جديدة لم يسبق لها مثيل تقع ما بين الجيش النظام وحرب العصابات».و بهذا التوليف، يبدو أنّ حزب الله قد حقّق توازناً بارعاً بين التقليدي وغير التقليدي في استراتيجيته وتكتيكاته وأسلحته وتنظيمه على الصعيد العسكري، ًوصولا  إلى انتقاله من حركة مقاومة إلى جيش مقاومة.

إن من يريد أن يفكك حزب الله عليه أن يعلن العداء للكيان الصهيوني الغاصب ويحمي بيئته وحاضنته من أي عدوان ، من يريد أن يفكك حزب الله عليه أن يكون قادرا على إطلاق ٢٠٠٠٠٠ صاروخ ليزلزل امن “إسرائيل” و جبهتها الداخلية ، من يريد أن يفكك حزب الله عليه أن لا يدعم إرهاب داعش والنصرة فيهتك الأرض والعرض ويحرق نسل أمّة محمد وعيسى ، من يريد أن يفكك حزب الله عليه أن يمسح من ذاكرة جمهوره ٣٠  عاما من الجهاد والشهداء والعذابات والانتصارات والكرامات التي حاول أن ينسبها حزب الله إلى العرب لكنهم أذلاء عبيد . في شفرة حزب الله رموز غير قابلة للفكّ قوامها ، الوفاء للشهداء والجرحى والدعم للمجاهدين و دعاء الأمهات والزوجات في كل صباح ومساء ، وهمسة الحب التي لا تغيب لسيّد المقاومة وضامن السلم والعيش المشترك في لبنان وهو رمزٌ حاضر في كل ساح وأمر وسلاح .في شيفرة حزب الله ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات .

خلاصة القول، إذاً…إن المعركة .. طويلة، وممتدة، وآليات ووسائل المقاومة والمواجهة للمخططات الغربية، أمام محور المقاومة متنوعة، فقط يحتاج الأمر إلى وقفة تأمل؛ وإرادة عمل، وعمق رؤية للواقع والمستقبل. (محور المقاومة) انتصر، هذه حقيقة إستراتيجية، أَقر بها حتى العدو الصهيوني ، لكن مرحلة ما بعد الانتصار، وتساؤلاتها كمرحلة انتقالية كُبرى، هي الأهم والأخطر وهو ما ينبغي أن يلتفت إليها ويعمل لها محور المقاومة ومن ينتسب إليه من حركات، وإعلام ومفكرين.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى