شؤون العدو

حرب الشمال الأولى

بقلم: ناحوم برنياع – يديعوت 

الحملة الاسرائيلية لصد ايران تسلقت هذا الاسبوع الى الاعالي. عمليا، هددت اسرائيل بحرب في الشمال. وكان العنوان الفوري هو بيروت، ولكن الرسالة موجهة الى موسكو، واشنطن، برلين، باريس وبالطبع طهران. والتهديد بالحرب احتل ليس فقط منصات الخطابة بل وتقديرات الجنرالات في هيئة الاركان أيضا. في اثناء هذا الاسبوع التقينا، توماس فريدمان من “نيويورك تايمز” وأنا مع مسؤولين كبار في الجيش الاسرائيلي في الحدود الشمالية وفي هيئة الاركان. وتركزت الاستعراضات في جبهتين حرجتين: سوريا ولبنان، غزة والضفة.  ثمة اتصال معين، مفاجيء، بين الجبهتين. وأثار الضباط انطباعا بمدى معرفتهم، قدرتهم على التحليل، وبنهجهم الواعي، الموضوعي من المواضيع المشحونة. وهناك هوة واسعة بينهم وبين الخطاب السياسي الراهن، ولكن ليس هذا هو ما اجتمعنا لاجله.

فتح البوابات هو جزء من الحملة. فالهدف هو اعداد اصحاب القرار في عواصم العالم والرأي العام في البلاد لاحتمال الحرب، ليست المبادرة اليها بل المتدحرجة، وبشكل غير مباشر الايضاح للايرانيين بان اسرائيل لا تخشى المواجهة العسكرية.

وقال احد المسؤولين: “مطلوب أزمة تغير الفكرة”. واسرائيل لا تتمنى الازمات في اوقات قريبة.

لقد كانت التطورات في الشمال في مركز لقاء نتنياهو مع ترامب في دافوس وفي مركز لقائه مع بوتين في اثناء زيارته العاجلة، لخمس ساعات، هذا الاسبوع، في موسكو المجمدة. وقد ضم الى وفده الى موسكو رئيس شعبة الاستخبارات اللواء هرتسي هليفي، الخطوة التي أكدت جدية التهديد العسكري. في اعقاب الزيارة وصل الى البلاد وفد عسكري روسي لحديث اضافي.

يحاول نتنياهو اقناع ترامب، بوتين وزعماء اوروبا للتعاون في خطوة لمنع تثبيت التواجد الايراني. فصد ايران هو مصلحتهم، كما يشرح نتنياهو. إ  ذ أن حربا جديدة في المنطقة ستورطهم. وحججه، الى جانب رجال الجهاز الامني الذين يساندونه، تحظى بالانصات، ولكنها صحيح حتى الان ترد بكياسة. لا الروس، لا الامريكيين ولا الاوروبيين يتجندون للحملة الاسرائيلية. كل واحد لاسبابه. والحملة تطلق أذرعها الى الميدان أيضا، في أعمال علنية وسرية. ويقول احد الضباط ان “الايرانيين يفهموننا على نحو جيد جدا”.

وتسير اسرائيل في هذه الحملة عن وعي على حافة الهاوية. والهدف هو منع الحرب، وليس إثارته، ولكن الخطر قائم. وقال واحد ممن تحدثنا معهم ان “تقديرنا هو أن احتمال الحرب المبادر اليها من جانب ايران أو من جانب حزب الله في موعد قريب  متدن جدا. بالمقابل ارتفع جدا خطر التصعيد كنتيجة لخطوة عسكرية اسرائيلية. فالتصعيد من شأنه أن يؤدي الى الحرب”.

يعرف نتنياهو كيف يتحدث مع ترامب ومع بوتين. فهذا هو جمهوره، ملجأه من الضربات التي تقع عليه في الداخل. في هذه المرحلة، اللفظية، من المواجهة، هو الرجل السليم في المكان السليم.

عيون رجال المؤسسة الامنية الاسرائيلية تتطلع أولا الى واشنطن. في 12 ايار ينتهي الانذار الذي اطلقه ترامب لتغيير الاتفاق النووي مع ايران. وتوجد ثلاثة اشهر ونصف للمفاوضات. يحتمل، كما يقولون، ان تكون هذه فرصة لازمة تقلب الجرة رأسا على عقب. فبضغط ترامب، بوتين وزعماء اوروبا تتحقق صفقة رزمة: ايران تتمكن من مواصلة التمتع بثمار الاتفاق النووي، ولكن في سوريا وفي لبنان سيتعين عليها ان تلجم نفسها. لا صواريخ دقيقة لحزب الله، لا ميليشيات ايرانية في سوريا. واذا لم تكن صفقة، ومن شبه المؤكد أنها لن تكون،  سيرفض ترامب التوقيع على تمديد الاتفاق النووي، وستكون لنا أزمة من نوع آخر.

السيناريو الاسوأ من ناحية اسرائيل سيكون عندما يقترح الاوروبيون تغييرا تجميليا، فيقنع الايرانيين بابتلاع القرص ويسمحوا لترامب بالاعلان عن النصر. وسيكون الجميع سعداء، واسرائيل ستخسر مرتين، مرة حيال النووي ومرة حيال حزب الله.

شمشوم المسكين

يوم الاحد صباحا بدت البلاد من فوق مثل ايرلندا، خضراء وغارقة بالمياه. ففي الشمال كانت لا تزال تهطل الامطار المحلية، هدية وداع من عاصفة نهاية الاسبوع. وعندما تبددت السحب، بدا جبل الشيخ بكل بهائه، ابيض من اسفله حتى قمته. هدوء اولمبي ساد على طول جبهة الشمال باستثناء رصاصات الصيادين في داخل لبنان. وكانت الرصاصات بشرى سيئة للعصابير، جيدة للجنود. فطوابير سيارات المتنزهين والمتزلقين صعدت الى جبل الشيخ للتدحرج في الثلج.

وقال لنا ضابط في الميدان: “هنا لن تكون حرب لبنان الثالثة. هنا ستكون حرب الشمال الاولى”. هو وزملاؤه يتحدثون الان عن الشمال كجبهة واحدة تمتد من رأس الناقورة وحتى اليرموك. في الجانب الاخر من الجدار تعمل قوات عسكرية لدولتين، قوة عظمى اقليمية (ايران)، قوة عظمى (روسيا)، منظمات ارهاب غير دولة، منظمة ارهاب ذات دولة (حزب الله)، قبائل وطوائف. ليس لمثل هذه الرزمة مثيل في مناطق مواجهة اخرى في العالم.

بالفعل، امور غريبة تحصل في الجولان السوري. وقال لنا مسؤول آخر: “عمليا داعش اختفى في سوريا. بقيت آثاره فقط في قاطع واحد، في مثلث الحدود بين اسرائيل، الاردن وسوريا. وقد بقوا هناك لانهم يعتقدون بان قرب اسرائيل يعطيهم مخبأً. فاسرائيل هي الملجأ الاخير لفلول داعش”.

وحسب مصادر أجنبية، قصف الجيش الاسرائيلي في سوريا مخازن سلاح للاسد ولحزب الله، قوافل سلاح مخصصة للبنان، مصنع صواريخ بدأ الايرانيون ببنائه، قاعدة ايرانية وغيرها. وقد اتيح القصف لان سوريا اصبحت في فترة الحرب الاهلية أرضا سائبة، بلادا عديمة السيادة، وبقدر كبير هي لا تزال كذلك. اما لبنان، رغم ضعف قوته، فليس سوريا.

الهدوء في سوريا يمر دون رد مضاد (باستثناء هجوم واحد، نسب لاسرائيل، في كانون الثاني 2015، قتل فيه جنرال ايراني وستة من رجال حزب الله. فقتل حزب الله ردا على ذلك جنديين اسرائيليين. الجيش الاسرائيلي تجلد، والطرفان أغلقا الحساب). اما القصف في لبنان فهو قصة اخرى تماما. وهو سيعتبر في العالم كمس فظ بسيادة الدولة وسيستدعي ردا قاسيا من حزب  الله وتدخلا محتملا من الروس. بين الحرب والحرب، يتمتع لبنان بنوع من الحصانة. وهذا هو السبب الذي يجعل حزب الله والايرانيين يستعدون لاقامة مصنع صواريخ دقيقة في لبنان، وهذا هو السبب الذي يجعل اسرائيل ترى في اقامة مصنع مبررا للحرب.

ان الصواريخ الدقيقة هي صواريخ مزودة في جي.بي.اس وجهاز يحسن التوجيه. وبدلا من الوصول الى دقة 250 متر من الهدف، تصل الى عشرات الامتار والفارق عظيم. لدى حزب الله يوجد 70 الف صاروخ في لبنان ولكن عدد الصواريخ الدقيقة قليل. والانتاج المحلي سيغير قواعد اللعب: سيهدد مباشرة مواقع حساسة في اسرائيل. وقد حدد حزب الله بين 1.000 و 1.500 هدف كهذا، ليس أقل.

المفارقة هي أن ايران جهة مهدئة للجبهة الشمالية. ليس لها في هذه اللحظة مصلحة في حرب مع اسرائيل، لا على حدود الجولان ولا على الحدود اللبنانية. وهي معنية بتسوية في سوريا، تعطي شرعية لاستمرار تواجد قواتها – 20 الف مقاتل ميليشيا، على الارض السورية. اما حزب الله فتبقيه ايران ليوم الامر، حيال اسرائيل. وتورط على نمط 2006 – اختطاف جنديين اسرائيليين تدحرج الى حرب – يلحق بها الضرر فقط.

لا توجد ايران واحدة، فجدول اعمال الرئيس روحاني يضع على الرأس اهداف داخلية – اقتصادية؛ اما جدول اعمال الجنرال قاسم سليمان، قائد القوات في سوريا، فيضع في الرأس اهدافا عسكرية. وفي الجيش الاسرائيلي يعتقدون بان الدول الغربية يمكنها أن  تدخل من هذا الشق وتوسعه. اسرائيل هي الاخرى يمكنها ذلك.

نصر الله غير معني بالتورط في حرب في هذه اللحظة، لاسبابه الخاصة. فاكثر مما هو عميل ايراني، هو سياسي لبناني. قرابة 2.000 من مقاتليه سقطوا في سوريا وقرابة 8.000 اصيبوا بجراح. ويعارض الرأي العام في لبنان الحرب، وكزعيم لقوة سياسية، فهو ملزم بمراعاته. ليس لديه المال، وتوجد له حملة انتخابات على الابواب، له فيها احتمال لاول مرة ان يصل الى اغلبية شيعية في الشمال. وهو يتذكر ما فعلته طائرات سلاح الجو للضاحية في بيروت في 2006، وهو يعرف ان هذه المرة سيكون أكثر دقة واكثر فتكا.

البطل التناخي شمشوم، أول منفذي العمليات الانتحارية قال: “تموت روحي مع فلستين” (علي وعلى أعدائي يا رب). اما نصرالله فليس شمشوم

ان حقيقة أن ايران، حزب الله واسرائيل لا يريدون الحرب لا تعني أن النار لن تندلع. ففي الجرف الصامد  ايضا لم يرغب الطرفان في الحرب ولكنهما انجرفا اليها؛ وفي الايام الستة ايضا، وغيرها وغيرها. فللحروب في الشرق الاوسط توجد ارادة خاصة بها.

اذا كان الجميع لا يريدون الحرب، فلماذا يهدد الجيش الاسرائيلي بالحرب؟ تفسير مسؤولي الجيش الاسرائيلي يعتمد على أمرين: طبيعة اصحاب القرار في الطرف الاخر وهشاشة الجبهة الداخلية في طرفنا. فهم لا يعتمدون على احساس المسؤولية لدى الايرانيين ونصرالله. ويخافون وضعا لا يطاق في الجبهة الداخلية. فكلما كانت اسرائيل ميسورة وغنية وعلى علاقات مع العالم أكثر، هكذا تكون هشة أكثر. خطة نصرالله الحربية معروفة: اطلاق كتيبة كوماندو لتحتل بلدة في الحدود الشمالية، وبالتوازي، اغراق اسرائيل بالصواريخ والمقذوفات الصاروخية الدقيقة. وهو مقتنع من انه بعد بضعة ايام سيتوجه الرأي العام في اسرائيل ضد الحكومة. وسينهي الحرب بوقف للنار وبانتصار معنوي واستراتيجي.

أو سيخلق، كبديل، ميزان رعب ومجال حصانة. اسرائيل لا يمكنها أن تلمسه. هذه الخيارات يسعى التهديد الاسرائيلي الى احباطها.

نزلت عن الطاولة

برج خليفة في دبي هو البرج الاعلى في العالم. ارتفاعه 828 متر، 163 طابق. 330 الف متر مكعب من الاسمنت يوجد في هيكل المبنى. احد ضباط الجيش الاسرائيلي الذين تحدثنا معهم هذا الاسبوع قال انه استثمر في برج في دبي 500 طن اسمنت. من المعطيات التي نشرت على الانترنت لم اتمكن من التأكد من دقة المعطى، ولكن حتى لو كان المعطى غير دقيق، فان تتمة الجملة جديرة بالنشر. فقد قال الضابط انه “منذ الجرف الصامد” أدخلنا الى قطاع غزة 16 ضعف الاسمنت الذي في برج خليفة. في هذه السنوات لم يبُنَ في غزة برج واحد، لم يُبنَ مبنى متعدد الطوابق واحد. مشوق أن نعرف الى أن اختفى كل هذا الاسمنت”.

يلتقي مندوبي الدول المانحة للسلطة الفلسطينية مرتين في السنة، مرة في نيويورك ومرة في بروكسل. وانطلق منسق اعمال الحكومة في المناطق اللواء فولي مردخاي الى بروكسل مع خطة طواريء هدفها واحد – منع انهيار غزة. لم يتحدث اللواء مردخاي باسمه شخصيا أو باسم الجيش بل باسم حكومة اسرائيل. من ناحية معظم حكومات العالم، فان غزة وسكانها غرقوا منذ زمن بعيد في البحر، أو، بالتعبير المحبب لدى الرئيس ترامب غزة نزلت عن الطاولة. غزة لا تحرك ساكنا لابو مازن: فقد وافق على أن يحول مالا لتمويل الكهرباء في غزة  6 ساعات في اليوم فقط بعد أن اوضحت اسرائيل له بانه اذا رفض، فانها ستمول حسابات الكهرباء من الضرائب التي تجبيها عن الفلسطينيين في الموانيء.

كما أنها لا تحرك لحماس ايضا ساكنا. وزعيم حماس في غزة يحيى السنوار أوضح بانه حتى لو فشلت مساعي المصالحة بين حماس والسلطة، فانه لن يعود لادارة القطاع. وهذا هو احد الاسباب التي بخلاف الماضي، تمتنع اسرائيل هذه المرة عن الكفاح ضد المصالحة. اذا لم تأخذ السلطة المسؤولية وحماس لا تأخذ المسؤولية فعلى من ستقع غزة؟ علينا.

المصالحة، على طريقة المصالحة بدأت باحتفال. لا يوجد أمر اكثر شعبية من الصلحة. بعد شهرين – ثلاثة اشهر وصلوا الى البحث في المشاكل الحقيقية. 40 الف مواطني غزي يتلقون رواتب من حماس – موظفين، معلمين، اطباء وغيرهم. فقد حلوا محل عشرات الاف موظفي السلطة. من سيدفع لهم الرواتب عندما تعود السلطة لادارة القطاع؟ المهم في اي من سيكون الامن؟ حماس  تقترح توزيعا طوليا: كل ما هو فوق الارض – شرطة، مراقبين، افراد، حراس – يكون بصلاحية السلطة؛ كل ما هو تحت الارض – مقاتلين، حافري انفاق، مطلقي صواريخ، منفذي عمليات – بصلاحية حماس. ابو مازن رفض الطلب رفضا باتا. نحن لن نكون لبنان وانتم لن تكونوا حزب الله، يقول.

معضلة من الجنوب

تطلق محافل في حماس في الاشهر الاخيرة رسائل غير مباشرة لاسرائيل: نحن مستعدون للتوصل معكم الى اتفاق. اسموا هذا ما تشاؤون – صلحة أو هدنة أو تهدئة. اما اسرائيل فتمتنع عن الرد – ايديها مكبلة. وفي هذه الاثناء تحتدم المشكلة الاقتصادية في القطاع. قطر، التي كانت المتبرعة الرئيسة، تغلق مشاريع. ويأتي المال القطري عبر اسرائيل ويوجد تحت الرقابة. وهكذا ايضا المال غير الكبير الذي يأتي من تركيا. اما ايران فتساهم بدورها بمال مهرب.

قصة الاونروا تجسد عناصر المعضلة. فالانروا هي فضيحة طويلة السنين. لا يوجد مثال في العالم بمكانة لاجيء في الجيل الرابع أو الخامس. وتخليد مكانة اللاجيء يستدعي التبذير والفساد والصلوات، ولكن ضرره الاكبر هو في مساهمته في تخليد النزاع. ترامب محق في هجومه على المنظمة.

ولكن 850 الف غزي يتلقون مساعدة من الاونروا. 230 الف تلميذ يتوجهون كل يوم الى مدارسها في القطاع. وهي تعيل في غزة  21 الف موظف و 8 الاف معلم. في اثناء الحملات العسكرية في غزة وجد السكان ملجأ في مؤسسات المنظمة. وهكذا سمحت للجيش الاسرائيلي بضرب  الاهداف في ظل مس اقل بالمدنيين.

قبل اغلاق الاونروا، ينبغي الحرص على اطار يشغل مكانها. ترامب لا يهمه، فهو لا يعيش هنا، ولكن في  الجيش الاسرائيلي قلقون. قلقون من أن يؤثر التقليص في المساعدات على سلوك الفلسطينيين في الاردن. 117 الف تلميذ يتعلمون في مدارس الاونروا في الاردن. ليس صدفة ان نتنياهو يمتنع عن الدعوة الى تصفية الاونروا الان. فقد تحدث عن بداية مسيرة.

كتبت في المقدمة انه يوجد اتصال مفاجيء بين جبهة الشمال وجبهة غزة. الاتصال هو رسالة: ضابط تحدث عن تهديد الحرب في الشمال، لاحظ أن المواجهة التالية في غزة ستتم بطريقة تطلق رسالة رادعة لحزب الله وايران. فالغزيون سيدفعون الثمن.

الناطق الاكثر حزما

2018 هي سنة الحكم الاخيرة لابو مازن. بمعنى معين، اليوم التالي لابو مازن بات هنا، في معمعان الشائعات المعتمل في رام الله، في البوادر الاولية لحرب الوراثة. الاسابيع الاخيرة كانت جيدة لابو مازن وكانت جيدة لنتنياهو –  لذات الاسباب. فاعتراف ترامب بالقدس حرر نتنياهو من ضغوط أمريكية. ويمكن للحكومة أن تبني في القدس وفي المستوطنات دون خوف. وهي معفية من النزاع الداخلي الذي كان سيثور في ضوء خطة السلام الامريكية.

أبو مازن هو الآخر سعيد. شرق القدس هي اجماع، في الشارع الفلسطيني وفي الشارع العربي. فالاعتراف بالقدس حرره من الحاجة لان يقول لا لخطة سلام امريكية. فعندما يتهم ترامب في عرقلة المفاوضات فانه يشعر بأمان: معظم العالم يقف خلفه.

ان المقاطعة التي أعلنها ابو مازن على الادارة الامريكية هي مقاطعة مطلقة. فقد تجول مبعوث السلام الامريكي جيسون غرينبلت هنا في الايام الاخيرة، تجول في غلاف غزة والتقى الكثير من الاسرائيليين، ولكن لم يكن له اي اتصال مع رجال السلطة. القنصل الامريكي في القدس مقاطع هو الاخر. والوحيد الذي يقيم اتصالا مع السلطة هو الجنرال أريك فندت، الرئيس الجديد لوحدة المساعدة الامنية للفلسطينيين. وعندما سيتعرفون في البيت الابيض على وجود هذه الوحدة، فانهم سيلغونها هي ايضا وسيوفرون حتى 150 مليون دولار في السنة.

بدون مال، بدون لقاءات، فان التأثير الامريكي على السلطة صفري. لا غرو أن ابو مازن يبحث عن وسطاء في اوروبا ليكونوا قصة الغطاء له لتجميد المفاوضات، ونتنياهو يشرح للجميع بانه لا توجد مفاوضات بدون أمريكا. نحن في مرحلة لعبة اللوم.

استدعي أبو مازن في الاشهر الاخيرة مرتين لمحمد بن سلمان، ولي العهد السعودي الذي عرض عليه المال وطلب بالمقابل موافقة فلسطينية على المفاوضات برعاية ترامب. ما الضير في عاصمة في القدس، سأل السعودي. مشكوك أن يكون يعرف اين ابو ديس على الخريطة – فقد سمع الاسم من الامريكيين. ابو مازن اجاب: المال أحتاجه، ولكن عن القدس لن أتنازل. وانتهت اللقاءات بلا شيء.

الخوف مزدوج:  واحد، في أن الخطابات القاسية لابو مازن ستترجم الى خطابات أقسى للمنافسين على الوراثة، والشارع سيفهم الاشارة، وعملية ارهابية من مصنع فتح ستنطلق على الدرب. فيجتمع الكابنت الاسرائيلي ويقرر، بخلاف موقف الجيش الاسرائيلي، اعادة اقامة الحواجز، الغاء تصاريح العمل، وفرض عقوبات جماعية.

الخوف الثاني هو أن يعلن بو  مازن عن حل السلطة. والآثار الامنية واضحة.

توجد اسرائيل في فترة جيدة في علاقاتها مع الدول السُنية. وحتى الضعف الامريكي هو بشرى طيبة في المدى القصير. عندما تكون السياسة الخارجية الامريكية في تراجع، ولا توجد جهة امريكية جدية يمكن الحديث معها، فان رؤساء الدول يرفعون عيونهم الى نتنياهو. فهو يمكنه ان يؤثر على ترامب، يمكنه ان يؤثر على بوتين، هو الناطق الاكثر طلاقة، الاكثر حزما، للحكام السُنة في العالم (باستثناء واحد، السُني من رام الله). وحتى مع الصين، اللاعب الذي سيدخل الساحة في السنوات القادمة له حديث. في الجيش الاسرائيلي يقدرون بانه في غضون خمس سنوات الصين ستكون متدخلة عميقا في الاقتصاد والسياسية في الشرق الاوسط. وهدفها الاول سيكون الحصول على نصيب من الاستثمارات الهائلة في  اعادة بناء سوريا الخربة.

اذا كان كل شيء جيد على هذا النحو، فلماذا يكون الجميع قلقين؟ الجواب يوجد ربما في بيت من قصيدة لحاييم غوري:”حرب اخرى تحسد منذ الان سابقتها  تجمع البكاء في الهواء”.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى