مقالات وآراء

الانتفاضة الثالثة واستخلاص الدروس والعبر

د.غازي حسين

جاءت بواكير الانتفاضة الثالثة التي أشعلها شباب القدس بأجسادهم الطاهرة ودمائهم الزكيّة في سياق النضال الأسطوري الذي يقوم به شعبنا الفلسطيني في مواجهة المشروع الصهيوني في فلسطين العربية .
فالقدس وبقية الضفة الغربية تعيش حالة من الغليان والمواجهات اليومية مع قطعان المستعمرين اليهود منذ اختطاف الفتى المقدسي محمد أبو خضير وحرقه حيّاً على أيدي أحد الحاخامات وأولاده الثلاثة ، وإحراق المستعمرين اليهود عائلة الدوابشة ( الأب والأم والرضيع ) وهم أحياء ، وذلك إحياء للتقاليد اليهودية التي أخذوها من الوثنيين ورسّخها كتبة التوراة والتلمود ونفذتها اسرائيل والمستعمرين اليهود بحق الأطفال والشيبان الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وفاقت وحشية إسرائيل وحشية وهمجية ألمانيا النازيّة .
فجّرت إسرائيل ووحشيتها وجرائم المستعمرين اليهود واقتحاماتهم شبه اليومية للمسجد الأقصى المبارك لهدمه وتهويده وإقامة الهيكل المزعوم على أنقاضه ورفض عودة اللاجئين إلى ديارهم واستعادة أراضيهم وممتلكاتهم الانتفاضة الثالثة ، ولجأ الشباب الفلسطيني إلى ابتكار أساليب جديدة في المقاومة والاستشهاد ، وبدأت بالطعن والدهس وصولاً إلى استخدام المسدس .
واستشهد فيها معتز حجازي ويوسف الرموني وإبراهيم عكاري ، وأكثر من /150/ من الشهداء في ظل تعتيم الإعلامي عربي من فضائيات آل سعود وثاني ونهيان والملك الهاشمي وجامعة الدول العربية التي أسستها بريطانيا الاستعمارية .
جاءت بواكير الانتفاضة الثالثة في ظل انحدار قضية فلسطين إلى الحضيض بسبب ارتهان بعض قيادات الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية الى البترودولار ودولارات الدول المانحة ، حيث كان لا يجرؤ ملك أو رئيس بالمجاهرة في العداء لقضية فلسطين وإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني أو الاتصال به ، ووصلت القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية بسبب هزالة قياداتها وفشلهم وضعفهم واستبدادهم الى حد التخلي عن المقاومة المسلحة والقبول والاعتراف بالعدو والتنازل عن عروبتها والموافقة على المشروع الصهيوني لتصفيتها وإنهاء الصراع العربي – الصهيوني .
وصلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى الطريق المسدود والفشل الذريع بعد أن وقّعت اتفاق الإذعان في أوسلو وتخلّت عن المقاومة المسلحة واعترفت بالكيان الصهيوني في 78% من مساحة فلسطين ودخلت معه في مفاوضات قاتلة ومدمرة للحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف لشعبنا الفلسطيني.
وأدى تدفق دولارات الدول المانحة والذي بلغ طيلة مدة التفاوض حوالي (30) مليار دولار إلى تقديم التنازل تلو التنازل وإلى تآكل الموقفين الرسميين الفلسطيني والعربي من قضية الأمة المركزية إلى التنسيق مع العدو الصهيوني ضد الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية وإلى تبعية السلطة الفلسطينية للولايات المتحدة الأمريكية .
وذهبت معظم الأموال في جيوب فئة قليلة من المسؤولين الفلسطينيين والذي ارتبط بعضهم مع المحتل ومع أجهزة المخابرات المركزية ، وغرقت قيادة السلطة في الإقصاء والاستفراد والقمع والاستبداد والتبعية والتحجّر والتكلّس ، واستغلت قيادة رام الله استيلاء حماس بالقوة على سلطة أوسلو في قطاع غزة لتشديد سياستها القمعية وإضعاف الحركة الوطنية ومحاربة المقاومة المسلحة .
نتجت كارثة فلسطين والمقاومة الفلسطينية:
1) عن ترويض بعض أهم الرموز الفلسطينية وموافقتهم على الحل الصهيوني للقضية برعاية الولايات المتحدة الأمريكية .
2) وعن أموال الدول المانحة التي ابتكرها بيل كلينتون وبيريس ورابين وتأثيرها على تبعية بعض قيادات منظمة التحرير والفصائل التي تسير في ركابها وإلغاء الميثاق الوطني.
3) وتغيير بعض الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت سقف اتفاق الإذعان في أوسلو موقفها ، والذي أصبح يختلف اختلافاً جذريّاً عنه عند تأسيسها.
تبنّت قيادة منظمة التحرير في الماضي تحرير فلسطين بالكفاح المسلّح ثم تخلّت عنه وهي تتجنب خوض صراع حقيقي مع الاحتلال ، وصفقت لإلغاء المجلس الوطني الفلسطيني للميثاق والذي كان بمثابة دستور وقرآن وإنجيل الشعب الفلسطيني وبرنامجه الوطني .
طالبت قيادة أوسلو بفلسطنة قضية فلسطين وفصلها عن بعديها العربي والإسلامي وبالقرار الفلسطيني المستقل ، ووافقت على تجزئة الصراع العربي –الصهيوني وانفردت بتوقيع اتفاق الإذعان في دهاليز أوسلو السرية المظلمة والظالمة ومن وراء ظهر الشعب الفلسطيني ، فماذا حققت للشعب الفلسطيني ؟؟
­ انقسمت القيادة الفلسطينية للمنظمة وانقسم قادة الفصائل بدلاً من توحيد النضال لمواجهة الاحتلال ومصادرة الأراضي والأملاك الفلسطينية وتهويدها .
­ انقسموا بين مؤيد للمقاومة المسلحة والانتفاضة ومعارض لها ، بين المؤمن بالمقاومة وتعزيز ثقافتها والرافض لها .
ماذا جنى الشعب الفلسطيني من توقيع منظمة التحرير لاتفاقات الإذعان في أوسلو ومن وساطة الحكام العرب وجامعة الدول العربية والمبادرة السعودية التي وضع أسسها الصحفي الأمريكي اليهودي توماس فريدمان ووافقت عليها قمة بيروت العربية عام 2002 ؟؟
­ شطبت هذه المبادرة العربية التي تلتزم بها السعودية وجامعة الدول العربية على حق عودة اللاجئين إلى ديارهم جوهر قضية فلسطين والصراع العربي – الصهيوني .
­ أخذت إسرائيل كل شيء ( كل فلسطين ) وخسر الفلسطينيون الأرض والوطن والحقوق والثروات .
إن فلسطين كل فلسطين من رأس الناقورة حتى رفح على أبواب الانتفاضة الثالثة ، وذلك لاستمرار الاستيطان والتهويد والاحتلال والتطهير العرقي ، وأمام اليأس والإحباط والحقوق الضائعة والمفاوضات الكارثية التي قادت إلى تغوّل الاستيطان والعنصرية والإرهاب .
تعود أسباب اندلاع الانتفاضة الثالثة إلى :
أ‌- سماح دولة الاحتلال لليهود بالحجيج إلى المسجد الأقصى المبارك .
ب‌- استمرار الاستيطان والاحتلال والإرهاب والعقوبات الجماعية والحصار الظالم على قطاع غزة ومنع إعادة الإعمار وإغلاق المعابر .
ت‌- تصاعد إرهاب المستعمرين اليهود في الضفة الغربية المحتلة وتسليحهم ودعم الجيش والشرطة والمخابرات الإسرائيلية لهم ، وتقصير وتخاذل السلطة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني وتجريده من السلاح .
ث‌- تصاعد عنصرية الشعب الإسرائيلي وقمع دولة الاحتلال .

إن بعض القيادات الفلسطينية مشغولة بالعودة إلى المفاوضات الكارثية وبأشياء أخرى غير الانتفاضة الثالثة ، ومعظمها لا يريد الانتفاضة ويرفضها ويقف في وجهها ويستنكرها ، ونجحت هذه القيادات في تشويه صورة نضال الشعب الفلسطيني لدى الشعوب العربية والإسلامية وخاصة بسبب تعاون أجهزة الأمن الفلسطينية مع المحتل الإسرائيلي عدو شعبها وأمتها .
قرر الشعب الفلسطيني وبشكل خاص شبان القدس وضواحيها وقطاع غزة,أن يشعل الانتفاضة الثالثة ويثور على محتليه ومغتصبي أرضه وحقوقه وبدون توجيه من قياداته الفاشلة والعاجزة وفاقدة البصر والبصيرة متحديّاً الاحتلال وإرهابه وعنصريته ، وأشعل انتفاضة شاملة أكدت على وحدة الشعب والأرض والقضية ، واستجاب لها الفلسطينيون في داخل فلسطين وفي خارجها .
وتعبّر الانتفاضة تعبيراً حقيقياً عن إرادة الشعب الفلسطيني الذي لم يستثر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية أو السلطة الفلسطينية ، وعرّت الانتفاضة حقيقة موقف قيادة السلطة وبعض القيادات الفلسطينية ، وزعزعت أمن الكيان الصهيوني وأمن مواطنيه ، فالانتفاضة الثالثة هي الخيار الوحيد أمام الشعب الفلسطيني لإنقاذ قضيته من التصفية ووطنه من البيع الذي يعمل آل سعود على بيعه لقاء حماية أمراء وملوك الإمارات والممالك التي أقامتها بريطانيا وتحميها أمريكا وترضى عنها الصهيونية العالمية .
إن الأوضاع في القدس وفي بقية أنحاء فلسطين تتجه إلى التصعيد ، فاستمرار الاستيطان والاحتلال وجرائم المستوطنين والمحرقة الإسرائيلية أدت إلى انفجار انتفاضة الشعب الفلسطيني .
طلب الإرهابي نتنياهو من أصدقائه العرب نجدته ومنع انطلاق الانتفاضة الثالثة ، وهبّت حكومات عربية لنجدته مما يشكّل قمة التواطؤ والخيانة ، فالظروف العربية والإقليمية والدولية متوفرة لانطلاقها ، ويرى المحللون الإسرائيليون أن التصعيد الأمني الحاصل ينذر بأنّ الانتفاضة الثالثة قد اندلعت من القدس وامتدت الى الضفة الغربية والقطاع وداخل فلسطين المحتلة عام 1948 ، وعجزت إسرائيل عن وضع حد لانتفاضة الطعن والدهس .. انتفاضة السكاكين، فلجأ الإرهابي نتنياهو إلى حلفائه الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبعض الأمراء والملوك العرب لمساعدته في وأد انتفاضة السكاكين . وادى
قرارترامب العدواني والخطيرالى تصعيد الانتفاضة الثالثة ستستمر الانتفاضات والهبّات حتى زوال الكيان الصهيوني ككيان استعمار استيطاني وعنصري وإرهابي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى