مقالات وآراء

القدس .. عنوان للمقاومة ورمز لكرامة الأمة

إبراهيم أبو ليل – خاص طريق القدس

تحظى مدينة القدس بمكانة خاصة لدى الشعب العربي والأمة الإسلامية، وتكتسب أهمية كبيرة في الصراع الدائر مع المشروع الصهيوني ومخططاته التي ركزت على تهويد المدينة وتزوير تاريخها الثقافي والحضاري، حيث أصبحت بمكانتها الدينية عنواناً لهذا الصراع وبوصلة للشعوب الإسلامية في تضامنها مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. وقد تجسد ذلك في مواقف الجمهورية الإسلامية في إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، بقيادة الإمام آية الله الخميني(قد) حين رفع راية الكفاح إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني، وحدد يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان المبارك من كل عام يوماً للقدس أطلق عليه «يوم القدس العالمي»، تعبيراً عن تضامن الجمهورية الإسلامية الإيرانية مع الشعب الفلسطيني، داعياً جميع المسلمين للتوحد من أجل تحرير المدينة المقدسة ومقدساتها.

شكلت عودة الإمام الخميني(قد) منتصراً إلى إيران وقيام الجمهورية الإسلامية ميلاداً لظاهرة عربية إسلامية وقوة إقليمية كبرى في المنطقة، تتحدى الحصار والحرب الصهيونية الأمريكية المفروضة على الأمة، كما تتحدى احتكار السلاح والقوة والتكنولوجيا. وتعد الجمهورية الإسلامية السند الحقيقي والفعلي للمقاومة الفلسطينية، في مواجهة المخططات الصهيونية والأمريكية التي تهدف إلى الهيمنة على المنطقة. فالإعلان عن يوم القدس العالمي جاء بعد ستة أشهر من عودة الإمام الخميني (قد) إلى إيران، وبعد أربعة أشهر من قيام الجمهورية الإسلامية أي في أوائل شهر آب من العام 1979، مما يؤكد على مدى حضور هذه القضية وأولويتها في فكر الإمام الذي بإعلانه يوم القدس العالمي، رسم أحد المحاور الاستراتيجية في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وقت كانت تتعرض المقاومة والقضية الفلسطينية لعدوان عسكري وسياسي غير مسبوق، حيث قامت قوات الاحتلال الصهيوني بشن العدوان على مواقع الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان، بينما قام النظام في مصر بتوقيع اتفاقية «كامب ديفيد» للدخول في تسوية ومصالحة مع الكيان الصهيوني. في مثل هذه الأجواء المشؤومة، بادر الإمام الخميني(قد)  بتاريخ 7/8/1979 بالإعلان عن يوم القدس العالمي يوماً للاتحاد والتضامن بين المسلمين جاء فيه: «لقد حذرت المسلمين على مدى سنوات طويلة من خطر إسرائيل الغاصبة التي صعدت هذه الأيام من حملاتها الوحشية ضد الإخوة والأخوات الفلسطينيين وخصوصاً في جنوب لبنان وهي تقوم بقصف بيوتهم ومساكنهم بشكل مستمر للقضاء على المناضلين الفلسطينيين. إنني أدعو مسلمي العالم عامة والحكومات الإسلامية إلى‌ التضامن والاتحاد لقطع يد هذا الغاصب وحماته، كما أدعو مسلمي العالم كافة إلى إعلان آخر جمعة من شهر رمضان المبارك التي هي من أيام القدر، ويمكن أن تكون حاسمة أيضاً في تعميق مصير الشعب الفلسطيني، يوماً للقدس وأن يعبروا من خلال المراسيم عن تضامن المسلمين الدولي في الدفاع عن الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني المسلم». ومنذ ذلك الحين يحيي الشعب الإيراني إلى جانب الشعب الفلسطيني هذه المناسبة سنوياً، تعبيراً عن تضامن الجمهورية الإسلامية مع الشعب الفلسطيني في قضية تحرير المسجد الأقصى. وانطلاقاً من قدسية القدس ومكانتها في الصراع الدائر مع المشروع الصهيوني، فإن الدفاع عنها وحماية مقدساتها هو أحد وجوه الالتزام الديني، وتحريرها من رجس الاحتلال الصهيوني واجب على المسلمين جميعاً.

لم يكن يوم القدس يوماً خاصاً بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني فحسب، بل كان يوماً عالمياً بما للقدس من مكانة رفيعة لدى المسلمين كافة، حيث أعطى الإمام الخميني(قد) لقضية القدس بعدها العالمي جاعلاً منها رمزاً لوحدة‌ المسلمين في العالم، مؤكداً ذلك بقوله: «إننا نرغب في أن تكون جميع الدول والأقطار الإسلامية وكافة بلاد المستضعفين في العالم كتلة واحدة». وقد أولى الإمام الاهتمام بوحدة الحكام في العالم الإسلامي وكسر حاجز العزلة بينهم وبين الشعوب، وتلاحم الشعوب مع بعضهم بعضاً ونبذ الخلافات بينهم، ونبذ التفرقة الطائفية، وحذر من دسائس المستعمرين الطامعين وعملائهم من الحكام والسلاطين، كما حذر من محاولات الإثارة الطائفية، حيث لعب الصهاينة وقوى الهيمنة على إثارة الخلافات الطائفية والفتن المذهبية في محاولة لتحويل مجرى الصراع من صراع سياسي مع المشروع الصهيوني إلى صراع (إسلامي- إسلامي). لقد اعتبر الإمام الدفاع عن القدس دفاع عن الوحدة الإسلامية في مواجهة المشروع الصهيوني الذي قام على التجزئة والتفرقة مشيراً لذلك بالقول: «يوم القدس يوم عالمي، ليس فقط يوماً خاصاً بالقدس، إنه يوم مواجهة المستضعفين مع المستكبرين». ذلك أن الصهيونية والقوى الكبرى الداعمة لها تستهدف فرض السيطرة على المسلمين ونهب اقتصادهم وثرواتهم، كما أن بث التعصب القومي في المنطقة هو أحد المخططات التي تنفذها تلك القوى منذ أمد بعيد لتحقيق أهدافها.

لقد كانت القدس مركز الاستهداف الصهيوني ارتباطاً بالفهم الصهيوني الذي يعتبرها بؤرة «التاريخ اليهودي المقدس»، وانطلاقاً من الأساطير التوراتية الزائفة التي تدعو للعودة إلى المدينة المقدسة باعتبارها «أرض الميعاد». وفي ظل احتدام الصراع مع المشروع الصهيوني تحولت القدس إلى عنوان لهذا الصراع، ونظراً لخصوصيتها فقد ركزت المخططات الصهيونية على تهويدها ومحاولات فصلها عن الضفة الغربية وضمها بالكامل. وما يجري بشأن القدس من عمليات ضم للأراضي وتنفيذ للمخططات الاستيطانية، وتهويد للأحياء العربية وما فيها من مقدسات ولا سيما المسجد الأقصى، هو الاستراتيجية الإيديولوجية المتبعة لمصادرة كل فلسطين من أهلها. وعليه فإن الموقف من المشروع الصهيوني ومقاومة الاحتلال الغاشم وقطعان المستوطنين الذين يستبيحون القدس هو معيار لكل فعل سياسي عربي وإسلامي، وهو مقياس لمعاداة الظلم والعدوان الصهيوني على القدس ومقدساتها. ذلك أن الصراع حول القدس هو صراع الأمة مع عدوها، وهو صراع يخوضه الشعب من أجل المحافظة على کرامته على أرض فلسطين.

يوم القدس هو عنوان للصراع بين الحق والباطل، بين قوى الخير التي تدافع عن القيم والعدالة الإنسانية وعن حقوق المستضعفين وقضاياهم العادلة، وبين قوى الشر والاستكبار التي تدعم العدوان وتقف ضد مصالح الشعوب ومصائرهم. في يوم القدس يجب أن يعلن المستضعفون عن وجودهم ويعبرون عن وحدتهم ويرفعون راية التحدي ضد الظلم، وضد سياسات التهميش والتمييز العنصري. في يوم القدس يجب أن تتحرر المجتمعات من سيطرة المستعمر والمحتل وأن تنال استقلالها وتقرر مصائرها بأنفسها، يقول الإمام الخميني (قد): « يوم القدس، يوم يجب أن تتحدد فيه مصائر الشعوب المستضعفة، يوم يجب أن تعلن فيه الشعوب المستضعفة عن وجودها في مقابل المستكبرين».

لقد أكد الإمام الخميني(قد) على ضرورة إحياء يوم القدس الذي جعل له شعائر خاصة، تعبر عن حقيقة الإحياء، فليس الأمر مجرد رفض للصهيونية ولهيمنتها ولتسلطها، وليس هو مجرد استنكار للظلم الناتج عن احتلال القدس وتهويدها، إنما الأمر يتعدى ذلك إلى التحرك والتعبير العملي عن الاستنكار والرفض للصهيونية والقوى الداعمة لها، والتحرك نحو مواجهة مباشرة مع قوة الاحتلال والتصدي لمخططات الاستيطان والتهويد. ففي يوم القدس تزداد إجراءات الاحتلال العنصرية ويندفع المتطرفون اليهود وقطعان المستوطنين لتدنيس المقدسات وممارسة طقوسهم الدينية، وبالمقابل في يوم القدس تتصاعد المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني ويتعاظم الاستعداد للتضحية بالنفس دفاعاً عن الأرض والمقدسات. إنه يوم يشكل تحدياً لسلطات الاحتلال ورداً على ادعاءاتهم الزائفة، ولا سيما في هذا العام حيث يرى الصهاينة أن إحياء يوم القدس عام 2016 هو اختبار لوزير الحرب الجديد أفيغدور ليبرمان. ومهما يكن، فإن القدس ستظل عنواناً للتحدي والمقاومة من أجل تحرير فلسطين، وهي رمز يجتمع فيه البعد الوطني والديني والإنساني.  وتظل القدس عنواناً لکرامة الأمة وعنوانا لمجد البشرية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى