مقالات وآراء

طهران.. الجميلة!

د. حسن حميد – خاص طريق القدس

ـ 1 ـ

ها أنذا،

أعود من طهران العزيزة ممتلئاً بالمحبة، والشوق لها يهطل في قلبي قبل أن أغادرها! فأي بلاد هذه؟ وأي جمال هذا الذي يحيط بها، ويعيش فيها، وأي سحر يلفها من أول جبل فيها إلى آخرها وقد سوّرتها بالنبل الأبيض، وأي أذرعات دفء لها تأخذ ضيوفها إليها غمراً بالمودات الضافيات، وأي حنين تبنيه في غرف الروح رضاً وقبولاً واعتزازاً فتجعل من الكائنات الرانيات إليها أبناءً ونباتاً وشجراً وشعراً وأنهاراً ومحبات.. أين منها المحبات!

ـ 2 ـ

في كل مرةٍ، أفيء إليها، أرى جمالاً جديداً، وسحراً مضافاً، وبشراً لا أندى ولا أصفى ولا أحلى، ووطنيةً تمشي في الشوارع، والحواري، وتطوف على البيوت وبها مثل السواقي، بل مثل الأشجار التي تواقف الأمكنة بظلالها المديدة وعطاءات الوافرات..

ـ 3 ـ

ها أنذا ألتقي أصدقائي ومضيفيّ وبينهم شبان في طراوة العمر، مذهلين في حرارة موداتهم، وفي صدقهم وعشقهم لتراب إيران، وعقيدة المعنى، وقناعاتهم الراسخة بثقافة الانتصار والحضور والمكانة؛ إنهم الشبان الذين يقولون بالصوت الواضح، والمعنى الأجل بأنهم أحفادُ هؤلاء الأجداد والآباء الكبار.. حملةُ الرسالة، أهل الثقة بالنشور والطواف على الدنيا بالندى، والود، واللطف، والقيم الوافيات المعرّفات بالأبعاد الإنسانية!

هؤلاء الشبان الجدد، الطالعون من الكتب، والبيوت، ومدونات السمو والرهافة التي لا تدانى.. هم من يُخبر زائر إيران بأنهم سلالة الوطنية والعزم والكبرياء والصبر والثبات بكل ما تحمله من وفاء للأجداد والآباء. هؤلاء الشبان الأماجد هم اليوم مرآة إيران الجميلة التي لا تحتاج إلى تزويق أو رتوش أو مداورة، إنهم صورة إيران كما يريد التاريخ نسباً، وكما يريد الحاضر حضوراً، وكما يشتهي المستقبل أن يكونوا، إنهم ضمانة الحياة وصنّاعها، إنهم الآتي الذي تتمناه الشعوب والأمم وتطمح إليه.

ـ 4 ـ

في كل مرة، وأنا أتجول في أمكنة طهران الواسعة المديدة، أشعر بأنها تبدو وفي هذه الزيارة أكبر مما توقعت، وأنها أكثر نيافة مما تصورت، وأنها أجمل مما تخيلت.. إنها المدينة العاصمة التي تتكشف عن زينة جديدة، وأفعال عالية، وهمم لا أقوى منها ولا أشد، وبناءات مستلّة من عالم الغيم، وعزائم لا توافي سوى أهل المحظوظية والحضور!

يا لهذه المدينة البهيجة المتجددة بشوارعها، وحاراتها، وبيوتها، ومحالها، وحدائقها، وورودها، ومروج عشبها، ومتاحفها، وأبراجها، وتلالها المزينة بالخضرة الندية، وناسها الذين جعلوا من العمل والحب والمودة والقيم جهاتٍ للحضور والاجتماع والتجلي أمام الآخرين.

إنها مدينة لا تنادد مدينة أخرى، وأهلها لا ينافسون بشراً آخرين، إنها مدينة تنادد نفسها لتصير حاضرة وافية المعنى والجلال، وأهلها ينافسون أنفسهم من أجل أن تصير مبادئ العقيدة هواء يتنفسونه، ودروباً يمشونها ويسعون إليها، وواقعاً يأخذونه بالعزة الكاملة غمراً إلى صدروهم، ونشيداً تشيل به اللهوات، وخطا تفترع الدروب والطرق نحو المجد والسمو.

إنها المدينة الأخّاذة حقّاً. التي أراها نهاراً عالماً يموج بالرضا والعمل والقبول على الحياة والبناء.. نساءً ورجالاً شباناً وشيوخاً يجولون وهم في نشور وطني.. يزرعون الورد، ويلوون الحديد، ويمدون الجسور، ويمهدون الأرض لتلقي البذار، ويقلمون الأشجار، ويشتلون بيوت البلاستيك بالنباتات، ويصعدون الأعالي من أجل البناء.. نهاراً تبدو آفاق مدينة طهران مغطاة بالرافعات (اللنشات) التي تضع مداميك الحديد فوق بعضها بعضاً، والتي ترفع الأعمدة ذات الهيئات الراعبة، مثلما هي طرقها ودروبها الطوال مغطاة بملايين السيارات الجائلة في كل مكان مثل الهواء، مثل طيورها التي تبني السقوف مدرجات في الفضاء.

وليلاً.. تبدو طهران كأنها الأحاديث والأسئلة والنظرات التي تراجع ما فعلته الأيدي نهاراً وما اشتقته الأذهان من براعات جديدة! ليل طهران أسئلة صاعدة ومتوالية من أجل الاطمئنان إلى أن الحياة انتقلت من موقع جميل إلى موقع أكثر جمالاً، ومن علوة حضارية إلى علوة حضارية أعلى..

ـ 5 ـ

ويا لأهل طهران.. وهم أشبه بالطيور في الشوارع، والمطاعم، والمحال، والحدائق، يجوبون الآفاق بأبصارهم الرائية.. ويا لموداتهم الجهيرة حين يعرفون أنك من البلاد التي حظيت بمباركة نداوة يد الله! تراهم وكأنهم السكر يذوبون في حضرتك، وحين تسأل واحدهم عن عمله تسمع العجب، فهم مهندسون، وأطباء، وأساتذة جامعات، وعلماء في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، والذرة، وأدباء، وكتّاب، وفنانون، ومؤرخون، وإعلاميون، وعلماء في الاجتماع، وقادة جيش، وأهل عقيدة.. تظن لأول وهلة أنهم يتواضعون أمامك كأسلوب حياة، لكن حين تعرفهم تماماً تجد حقيقتهم رابخة على أنهم هم أهل التواضع، لأن حياتهم حياة تواضع، يفعلون الكثير والصعب لكنهم لا يتحدثون عن أعمالهم.. ترى كل البناءات ووجوه العطاء والعمران من صنع أيديهم فلا تسمع حديثاً فيه شبهة الادعاء، أو الأنانية، أو التفاخر، إنهم أبناء الحياة، أبناء الشمس، أبناء العمل، السادة في العطاء والتواضع والنبل والمحبة، وهم الشعراء الذين يتحدثون عن الزهد في الدنيا، ومعاني الشهادة، والفداء، والتضحية، مثلما يتحدثون عن القيم.. حتى لتحسَّ بأنهم يبارون القيم أو أن القيم تباريهم في كل شواغل حياتهم!

ـ 6 ـ

بلى مؤثرة جماليات المكان التي أحسست بها، وأحسّ في كل مرة وأنا أزور مدينة طهران، وهي جماليات فاتنة أيضاً، ولها نداء يضج به القلب كأمنية ورجاء لتصير واقعاً معاشاً، وحياةً كائنةً في غير جهة من جهات الأرض لأنها لبابتها غاية إنسانية، ولأن جوهرها حلمٌ مشتهى! ولكم هي مدهشة هذه المضايفات الجديدة التي تبنيها اليد الإيرانية بين سنة وأخرى، إنها مضايفة واسعة تشمل الأبنية، والحدائق، والمعامل، والاختراعات، والجامعات، والمدارس، والأبراج، والطرق، والتواضع، والصبر، والروح العلمية، والاهتمام بالثقافة.. لكن الأكثر تأثيراً في النفس هو جماليات الروح التي يتحلى بها الناس، وحالات قبول الآخر والتعاون معه تعريفاً بالتاريخ، والمكان، والمبادئ، والعقيدة، والثقافة، والجمال.

ـ 7 ـ

كنت في طهران العزيزة لحضور مؤتمر دعم المقاومة والوقوف الثبت إلى جانب فلسطين وأهلها قبل التحرير وأثناء التحرير وبعد التحرير..  وقد توافد على طهران الغالية الآلاف من أهل السياسة، والفكر، والتعبير، والفنون، والثقافة لكي يعبروا عن وقوفهم إلى جانب أهل الحق من الفلسطينيين وأحرار العالم، وقد كان المؤتمر أشبه بالنشيد المرتجى في مثل هذه الظروف الصعبة حيث قوى الشر تحيط ليس بالأرض والأحلام الفلسطينية وحدها، وإنما تحيط بكلّ طلاّب الحرية والتقدم، وكل المنادين بالكرامة، والسيادة الوطنية، والعزة الإنسانية..

قادة نضال وطني، وقادة فكر، وأهل ثقافة واجتماع، وفنانون عاشوا أياماً في مدينة طهران مجدّت الفعل البشري اللائق بالوطنية، والأرض والتاريخ، واللائق بنشدان العدالة، والحق، والمستقبل.

كانت أياماً للحرية، وللشعوب المستضعفة، وفي مقدمتها الشعب العربي الفلسطيني، وأياماً لنصرة الحقوق والقيم الإنسانية، مثلما كانت أياماً للبهجة والرضا.. لأن الحياة الإيرانية تزدهر وتمتد وتعلو على الرغم من الحصار الأمريكي الظالم طوال عقود سود ملأى بالموبقات الغربية التي لا مصدر لها سوى أفاعيل الغربي الأشقر..

ـ 8 ـ

طهران اليوم، وبما تمثله من قوة البشر، والمجال الحيوي، والسياسة الصائبة، والعقيدة النيرة، والثبات على المبادئ والقيم.. هي جهة الحرية، والجمال، وهي الجهة.. السند!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى