مقالات وآراء

سرير من الوهم.. الرواية/المرآة

د.حسن حميد – خاص طريق القدس

 

أكاد لا أصدق حقاً،

أن أديباً مثقلاً بالأعمال الإدارية من أول الصباح إلى آخر الليل، يقوى على القراءة والكتابة، ويعرف المشهد الثقافي بتفاصيل التفاصيل، من الأسماء، والكتب، والتجارب، إلى الرتب الفنية للمؤلفين والمؤلفات في آن!

لا بل، أكاد لا أصدق أن قراءات هذا الأديب تصير أحاديث عن أهمية المكتوب، والجرأة التي تلفّه، والجماليات التي تمشي بها الأسطر، والإضافة الملموسة التي يضيفها الكتاب الجديد إلى الكتب القديمة الصادرة قبلاً، والأمر يغدو خيالاً حين نتحدث عن كتابة هذا الأديب التي تصدر في كتب، وما فيها من أناة وهدأة، وإشراق، وتميز، ومتعة أدبية آسرة، وأشواق عالية لمعانقة  الفنون الإنسانية الأخرى، عبر تراسل ندي، واستفادات تؤكد أن الإبداع هو الإبداع أينما كان، وكيفما جاء،  في أيٍّ من صيغ الكتابة والتشكيل، أو مقترحات الرؤية والسماع حين نتحدث عن الموسيقى، والمسرح، والسينما، واللوحات الفنية، وعالم المنحوتات، والأيقونات.

بلى، إنني أتحدث عن الأديب هزوان الوز، الذي عرفته منذ نصوصه الأولى، مثلما عرفني منذ نصوصي الأولى، فقد كان من بين أدباء (العشرة الطيبة) الذين تعارفوا، أول الأمر، إلى بعضهم بعضاً في الصحف والمجلات، وقد كانوا من بلدات بقاع شتى؛ نضال الصالح وعبد الرحمن سيدو من حلب، وعلي المزعل من القنيطرة، ومحمد وحيد علي من حارم، وهزوان الوز من دمشق، وعبد النور الهنداوي من درعا، وأنيس إبراهيم  من طرطوس، وبسام الحافظ من الرقة، وثائر زين الدين ورياض دويعر من السويداء، لكم كانت المنافسة بين هؤلاء الطالعين أدباً وإبداعاً شديدة، وغنية، ورائعة؛ كنا، وأنا من بينهم، مرايا متبادلة عبر نصوصنا، مرآةٌ تري مرآةً أخرى ما حبّرته الذات من أشواق وأحلام، وما مدّت به الأسطر من أرواح وبهجة، وكانت نفوسنا لهوفة من أجل اللقاء وجهاً لوجه، وحين التقينا، لم يكن ما بيننا من كلام لأننا كنا نعرف بعضنا بعضاً أكثر مما ينبغي، وقد ظلت هذه المعرفة معرّشة كالدوالي، ونحن نتابع أخبارنا خبراً  خبراً، وقد قادنا التنافس من فوق صفحات الصحف والمجلات، إلى المنافسة على حيازة الجوائز المحلية في سورية أولاً، وفي البلدان العربية ثانياً، مثلما قادنا التنافس لكي نحظى برعاية دور النشر وجهات الثقافة مثل اتحاد الكتّاب العرب، ووزارة الثقافة، وبالحضور في الملتقيات والمهرجانات الثقافية داخل سورية وخارجها!

هزوان الوز أخذته الحياة الإدارية مثلما أخذتنا، فسافر من أجل أن يحظى بالشهادة العالية، وعاد بها لكي ينخرط في أحوال إدارية صعبة لأنه اشتغل مع الناس ولأجلهم في القطاع التربوي، وهو اليوم على رأس هذا الجهاز كوزير للتربية، يعد البرنامج والخطط والاستراتيجيات التربوية، من المنهاج إعداداً وتحضيراً، إلى وجوه تطبيق هذه الثقافة التربوية، وكلها تحتاج إلى جهد يوازي جهد المحطات الكهربائية. ومع ذلك لم ينقطع هزوان الوز عن الكتابة في مجال عشقه الأدبي، أي القصة والرواية، فله اليوم عدد وافر من الروايات المطبوعة، ومثلها من المجموعات القصصية المطبوعة أيضاً، وبالموازاة له عدد من الدراسات الفكرية التي واقفت أهم القضايا المعاصرة المتداخلة مع العولمة، والغزو الثقافي، وسطوة الإعلام، والقوى الناعمة، كما له عدد من الترجمات عن الآداب الروسية.

وبهذا يعبر هزوان الوز عن شغفه الكبير بالأدب والإبداع، فهو لم ينقطع عن الأدب قراءة، ولا تأليفاً، مثلما لم ينقطع عن متابعة أصحاب التجارب الأدبية السابقة عليه، وأصحاب التجارب المصاحبة لتجربته الأدبية، وهو أديب صاحب يقظة وذاكرة وحضور ثقافي، يدرك ذلك كل من قرأ له أو خالطه أو استمع إليه.

منذ البدايات، وبسبب حضور هزوان الوز واجتهاده، كنت متابعاً لنصوصه، التي أحسب أن أهم ميزة تتفرد بها تتمثل في الحساسية المتناهية، ويقظة التفاصيل وتعددها لكي تشكل متن المكتوب سواء أكان قصةً أم روايةً، والتعانق الحميم مع الواقع، والإيمان المطلق بجدوى السرد، و بجدوى الحكاية!

لقد قرأته في مدونته الأدبية كلها، ليس لأنه من (العشرة الطبية) فحسب، وإنما لأنه جدير بالقراءة حقاً، ولأنه مرآة أخصّها دائماً بالمواقفة لأرى ما فيها من ترسيمات، ولكم قلت بيني وبين نفسي إن هزوان الوز الغارق تماماً في أعماله الإدارية يرى ما لا نراه، ويدرك ما لا ندركه، وحساسيته تذهب مباشرة إلى الموضوعات والزوايا القادرة على بناء بيت قصصي أو بيت روائي فيه من البساطة ما فيه، وفيه من الجمال ما فيه أيضاً!

قبل وقت قصير، أي قبل شهور فقط، سحرتني كتابته الروائية في روايته الصادر عن دار الفارابي في بيروت (كتاب دمشق) التي أوقفها على دمشق بشراً، ومكاناً، وقيماً، وعادات، وتقاليد، ورؤى، مقابلة للمرآة التي تبدي الترسيمات الكريهة، مرآة الحرب التي فرضت على سورية. في هذه الرواية يجول السرد جمالاً وعذوبة مثلما تجول الغيوم في رحابات السماء، فيأخذ القارئ إليه جذباً فيسري أحدهما في الآخر مثلما يسري الخدر في الأجساد، ويتنادى البشر ويتصادون، في الحارات القديمة من أجل دفع رياح السموم وهبوباتها بعيداً، تماماً مثلما تتنادى الدوالي لكي تبدو عرائش المحبة علامات للعابرين!

واليوم بين يدي روايته (سرير من الوهم) التي أعاد طباعتها مجدداً في دار الفارابي البيروتية، بعد أن كانت قد صدرت عام 2000 في دمشق! وقد عدت إلى قراءتها مرة أخرى، فأخذتني المتعة مرة أخرى إلى أمكنتها الأوكرانية، أيام الاتحاد السوفيتيي، وأمكنتها الدمشقية لأن جمال المكان يبدي الحميمية بكامل قيافتها، كما أخذتني إلى أزمنتها؛ أزمنة الحضور السوفييتي، وأزمنة دمشق المتعددة التي عُرفت بأنها تترامح دائماً في طراد حضاري عجيب مدهش، كما أخذتني إلى العوالم التي تعيشها شخوصها، والآراء الصادرة عن كل ذات منها تبعاً لثقافتها ودوافعها وأحلامها.

(سرير من الوهم) رواية عصية على التوصيف النقدي، إن كانت رواية أمكنة، أم رواية أزمنة، أم رواية أصوات، فهي رواية محتشدة بالثنائيات التي تتقابل فيها، أمكنةٌ مختلفةٌ (دمشق/ خاركوف)، وأزمنةٌ مختلفةٌ (الزمن السوفييتي/الدولة العظمى) و(الزمن السوري/ زمن دولة الاستقلال الباحثة عن المكانة الحضارية، والتعويض    -بناءً وتطوراً- عن سنوات الانتداب الفرنسي، وما سبقه من أزمنة النهب والاهتلاك)، وشخوص مختلفة في ثقافتها، وعاداتها، وتقاليدها، وأحلامها (أحمد/ الدمشقي) و(أولغا/ الأوكرانية) وكذلك تبدو الثنائيات من خلال مدرجة القيم والفوارق الجوهرية فيما بينها، والحرص على البادي منها، كالنظافة، والنزاهة، وحب العمل، والعاطفة، والتفكير، والصداقة.. وهي ثوابت مشتركة ما بين الشخوص، هاجسها أن تشكل الجسور لعبور الواحد منها نحو الثاني، وكذلك هي قيم الجمال، والغنى، والدهشة، والحنين التي تشكل الثوابت المشتركة تجاه الأمكنة، والمحبة، والشوق، والناس! ومن ثنائيات الرواية أيضاً التبادلية بين الأمكنة (الغرب) بوصف (أوكرانيا) جزءاً منه، و(الشرق) بوصف (سورية) جزءاً منه، والنظرة المشتركة، وحالات الاستهواء القبلية المعروفة كانطباعات عن البلدين، وما يتموضع في الأذهان من ترسيمات متبادلة حول الثقافة، والعادات، والتقاليد، والعلم، والفنون، والتقدم، والحداثة، والتواريخ القديمة والحديثة معاً، وعبر هذه الثنائية الجغرافية تجول قيم كثيرة، وحكايات، وذكريات، وأرواح كواها الحنين والشوق والانتظار حتى ليكاد المرء يدرك أن كل شيء في الرواية مقسوم على أرضين، وروحين، وشوقين، وذاكرتين، وتاريخين، وحلمين!

حكاية الرواية بسيطة، وجلية، تتمثل لبابتها في سفر (أحمد) من (دمشق) إلى (خاركوف) طلباً للتحصيل العلمي في مجال الهندسة، والحياة التي عاشها هناك، وما تولّده من غربة أولية، وما تنتجه من صداقات أولية أيضاً، ثم من صداقات قارّة، ثم ما تؤول إليه من علاقة عاطفية مع (أولغا) تثمر عن إنجاب طفل، وما خلّفه وراءه من أهل، وذكريات، وأشواق لمحبوبته (هزار)، وما يحيط بهذه العلاقة من نداءات ومراسلات كيما تظلّ مدينة الحب، ما بين الاثنين، عامرة بالأحلام! لكن الأهم في هذه الرواية هو مواكبة الحدث الصاعق الذي حلّ ببلاد السوفييت الذي تنكب للثورة البلشفية لأسباب كثيرة، فغيّر وجهة الحياة، بعدما تغيّرت مدرجة القيم والأفكار والخطط والأحلام. والأكثر أهمية هو كشف الرواية للمستور المتواري داخل المجتمع الاشتراكي المتمثل بالنخر، والعطب، والثقوب، والفجوات الكبيرة والمخيفة ما بين الحياة والأفكار التي تنادي بها السياسات، وما بين الواقع والغايات، وما تنادي به الأحلام، وما بين ما هو معنوي وما هو مادي، وما بين الأهداف القريبة والبعيدة في آن! وبذلك فإن (سرير من الوهم) تعد وثيقة تاريخية، وشهادة اجتماعية، وروح ثقافية، وعين باصرة رائية لما حدث في الاتحاد السوفييتي في العتبات الأولى من عقد التسعينيات ومن نواح عدة، منها السياسة، والاجتماعية، والثقافية، والتربوية، والاقتصادية وقد جالت بها الأخبار حتى تعددت الروايات، والأكثر جلواً كانت الآراء التي تحدث بها أهل الاتحاد السوفييتي الممثلين بأساتذة الجامعات، والإداريين، وموظفي المؤسسات، والمختبرات، والمعامل، بحثاً عن الأسباب الكامنة وراء هذا الزلزال الكوني الذي حدث بعد تاريخ ماجد باذخ استمر في حضوره المدهش طوال سبعين سنة وأزيد!

لكن، وعبر سيرورة الحكاية من زمن إلى آخر، ومن مكان جغرافي إلى آخر أيضاً تتوالد قصص الحب التي تبدي جمال النفوس، والعادات، والتقاليد، مثلما تبدي جمال الحضارة هنا وهناك.

تتضافر أطراف الحكاية وتتجاذب عبر الأحاديث، والأخبار، والقصص التي تعيشها شخوص الرواية في (دمشق) كمكان أولي، وفي (خاركوف) كمكان مآل، كان محلوماً في البداية، ثم غدا مئناساً حين تكاملت جوانب المعرفة بالمكان والناس، ولا سيما معرفة (أولغا) التي أزاحت ستائر الغربة بكلتا يديها!

(أحمد) هو الشخصية الرئيسة في الرواية، وعلى أصابعه تنعقد خيوط الرواية اجتماعاً، وحولها تطوف الأزمنة، وبها تنطق الأمكنة، وتتجلى العواطف. إنها الشخصية المولّدة للأحداث، وهي المرأة التي تجمع إليها جميع الثنائيات بتناقضاتها المربكة والمدهشة في آن، فعلى سطوحها تبدو ترسيمات دمشق بعاداتها وتقاليدها وأمكنتها وأزمنتها العلوق بسنوات الطفولة والدراسة، وما بدا منها من أحداث وقصص وأخبار وصداقات، كما تبدو دمشق بشوارعها، وحدائقها، وحاراتها، ومدارسها من خلال العلاقة مع(هزار) الحلم الذي سعى (أحمد) إلى حيازته امتلاكاً كمن يود امتلاك الدنيا، وبالمقابل تبدو مدينة (خاركوف) بأهلها، وشوارعها، وجامعاتها، وعاداتها وتقاليدها، كما تبدو جمالياتها من خلال العلاقة مع (أولغا) التي أجمع عليها اثنان: العقل والعاطفة!

تبدو شخصية (أحمد) في صورتين تماشيان أنساق الرواية إلى نهايتها، فهي ترى عبر الصورة الأولى الآخرين، أي الأصدقاء الطلبة، من عرب و أوكران، وأساتذة الجامعة، والفتيات الأوكرانيات بنات الجامعة، فيميز سلوكاً من سلوك، ويحبذ سلوكاً ويحيّد آخر، مثلما يحبذ أفكاراً ويبعد أخرى؛ وفي هذه الصورة تبدو النجاحات والاخفاقات التي يمشي بها وإليها الطلبة وهم في أشد حالاتهم زهواً وارتباكاً في آن، بل وهم في أشد حالاتهم انطفاءً وفرحاً، انطفاءً حين تواجههم العقبات الجامعية، وحين ينحدرون في المزالق التي تأخذهم جرفاً بعيداً عن الجامعة، وعن الهدف المنشود، وحين يغرر بهم يغرقون في سواقي العاطفة الضحلة، حين يظنون أن النجاح العاطفي يعني النجاح في الحياة، وأن حيازة القلوب الأنثوية يعني حيازة مفاتيح الحياة. وفي حالات الفرح حين يتفوقون في الدراسة ويتقدمون، وحين ترضى نفوسهم بما نالت من نصيب العاطفة، وحين تصير الأموال إلى أيديهم، وحين يغتنون بصداقات عظيمة.

تكاد شخصية (أحمد) المحورية أن تكون العين الرائية التي تبصّر القارئ بكل ما حولها من أمكنة، وناس، وبكل ما يجول في تفكيرها، فتبدي قناعاتها وهي ترى القوى الاشتراكية تنحني مثل قوس بعيداً عن بداياتها، وتجلياتها، وحضورها الاجتماعي والثقافي والفكري والسياسي والعاطفي أيضاً.

شخصية (أحمد) شخصية ممتدة زمنياً، عامرة بالأمكنة، تشبه إلى حد بعيد الروح النهرية حيث تتموضع على ضفتيها ما تُسرّ به العيون والأذهان من جهة، وما تزور عنه وتتحيده من جهة ثانية. فالاتحاد السوفييتي، وما بناه، والاتحاد السوفيتي وما يؤول إليه أمران نعرفهما وندركهما بعينيّ (أحمد)، وحال الطلبة الغرباء وسلوكياتهم،  وهمومهم، وأحلامهم نراها ونعيها من خلال أحاديث (أحمد)، والروح العاطفية التي تبني القرى للعشق، والانتظار، والجمال، وبكل ما تبديه من رضا وسخط، تماماً مثلما هي النيران التي تبدي شبوبها ألسنة، وألواناً، وحرارة، وهياجاً، وتبدي انطفاءها رماداً ساكناً لا بهجة فيه ولا بريق!

(هزار) شخصية أنثوية تعلّقت (بأحمد) لنجاحه، وسحره داخل الحارة الشامية، مثلما تتعلق الدوالي بالشرفات نبلاً، به تزدهي، وبه تحلم، ومن أجله جعلت حياتها تدور حوله استجابة لجاذبيته! (هزار) تمثل مدينة دمشق بحنوها، ونظراتها، ولهفتها، لاستقبال أخبار (أحمد)، وتمثل المدينة المنتظرة (لأحمد) وقد غدا مهندساً شهدت له أوكرانيا، والاتحاد السوفييتي العظيم، (أحمد) العارف باللغات، وأحمد الندى الذي غدا نهراً تفيء إلى ضفافه الأحلام!

(هزار) تراسل (أحمد) عبر كتابات مبللة بالشوق، تشيل بها الأخبار، والآهات، والأمنيات، ولكن لا رسائل يردُ بها (أحمد) عليها، فتظل روحها مصلوبة على معنى الانتظار، وحلم العودة الظافرة. ولعل الرسائل لا تصل، أو أنها لم تكتب أصلاً، لأن دوران الذات حول نبعة العاطفة دوران يشبه دوران الدراويش حول المعاني السامية!

مخذولة (هزار) بالغياب، وعدم عودة البريد بالرسائل /الجواب، ومخذولة (هزار) لأنها لم تره منذ سنوات، وقد غاب (أحمد) غيبة العاشق الطويلة، وجهاً ندّاهاً تستجيب لنداءاته، ولا روحاً تحاورها أو تزهو بها، لأن (أحمد) ظلّ فجرها الذي تنتظره في وسط مكاني وزماني سمّته العتمة أو الظلال. والأمر الجديد في بناء هذه الشخصية (هزار) يتمثل في أنها لم تحسب حساباً لجمال فتيات السوفييت (الأوكرانيات)، لذلك لم تهتز ثقتها بنفسها، ولم تكن مخذولة بسبب الغيرة أو المنافسة الأنثوية، بل إن ثقتها بحبها لـ(أحمد) وحب (أحمد) لها لم تهتز على الرغم من الغياب، غياب الجسد، والرسائل، لأنها كانت طروباً بنداءات الروح، فـ (أحمد) روح لم تغب، ونداءاته نداءات لم تحتجب!

(أولغا) شخصية أنثوية، تعرَّف (أحمد) إليها في أحياز الطلبة، فتعالقت روحه وروحها، ذلك لأنهما أبصرا أموراً هي أبعد من العاطفة. لقد وعى الاثنان معنى الكبرياء، والعزة العلمية، ومعنى تمثيل الروح الوطنية، وكل هذا لم يمنع من اندفاع نهر العاطفة بين الاثنين، كل منهما رأى الآخر في مرآته وهو بتمام القيافة والحضور، لذلك تجاذبت الروحان، (أحمد) رأي في (أولغا) مالم يره في الطالبات الأوكرانيات اللواتي يقاسمنه مكان السكن، و(أولغا) رأت في (أحمد) مالم تره في الطلاب الغرباء القادمين من بلدان مختلفة. روحان تعالقتا عاطفياً في أول الأمر، ثم تعالقتا عقلياً من أجل تحبير المعاني الثقال! لأن كلاً منهما غدا الكتاب الذي يقرأ فيه الآخر الأسئلة الجوّابة المحتشدة بالفضول والقلق!

هذه الشخوص (أحمد)، و(أولغا)، و(هزار) هي التي تقوم عليها رواية (سرير من الوهم) وعبرها، وبها، تتوالد الأخبار والأحداث والقصص والأحلام وتتراكم. وهي شخصيات نامية متطورة ومتغيّرة أيضاً، وبذلك ساوقت نمو الأحداث وتطورها وشالت بها، لا بل واقفت متغيراتها التي اكتظت بالدهشة والأسرار.

يتجلى في الرواية السرد الروائي الذي أشبع استفادة من تراسل الفنون فيما بينها، فطوراً يلحظ القارئ أن المشاهد المتقاطرة تباعاً عبر الوصف هي التي تقود أحداث الرواية، وهي التي ترسم إطارها، وتبدي دواخلها، ومرة يلحظ القارئ أن شخصية واحدة تحاور شخصيات عدة شارحة للموقف أو الحالة، وذلك على طريقة الحوار في عالم المسرح، ما بين شخصية مركزية وصدى أفكارها لدى جماعة الكورس، ومرة يلحظ القارئ أن طريقة تفعيل السرد عن طريق المراسلة، وإن كانت باتجاه واحد (المرسل فقط)، هي كشف لما استبطنة الذات التي رزحت تحت ثقل الإنتظار  الممضِ الموجع، والبوح المحتشد بالأنّات، كي لا يصير الاضمار سُمّاً قاتلاً، وكذلك يلحظ القارئ حالات عدة يتوسلها السرد من أجل الاسترجاع للأحداث والأخبار لبيان حالات الحاضر ومواقفه وجلوها كيما تتماهى الأزمنة، وتستعيد الذات حيويتها ووحدتها بعد التشظي ما بين الأمكنة والواقع والأحلام.

لكن اللعبة السردية الأهم، في رأيي، هي التي تتجلى في لعبة المرايا التي تكشف الواحدة منها ترسيمات المرآة الأخرى، فالأمكنة في الرواية سواء أكانت (دمشق) أم (موسكو) أم (خاركوف) كلها غدت مرايا، الواحدة منها تبدي جمال الثانية، فالمرآة المكانية لدمشق موشحة بالحنين والأبعاد الوطنية، ومحتشدة بدروب الطفولة وأسرارها الدقيقة، وبدايات التفتح العاطفي، والمرآة المكانية (لموسكو) تشيل بها الأحلام الزواهي، أما المرآة المكانية الخاصة بـ(خاركوف) فهي المرآة الكشّافة لبلاد تكاد تأخذ هيئة الأم بموداتها العالية. واللعبة السردية الأخرى التي تأخذ بها الرواية هي لعبة الدوائر التي تنفتح الواحدة منها على الثانية بحثاً عن الاتساع والشمولية والإحاطة، إنها لعبة مستلّة من عالم المسرح الذي يعمل دائماً على فتح دوائر للأحداث، وإغلاق أخرى، وصولاً إلى الدائرة المسيجة بالأسرار والإثارة.

كل شخصيات الرواية تتوارى، وتبدو، وتغيب من أجل تثمير لعبة الدوائر لكي تتداخل، وتتنافر، وتتوحد تبعاً للمواقف والحالات والرغبات، وبذلك تنفتح منظومة القيم على بعضها بعضاً من دون أن تتخلى عن صفاتها المحمودة والمرذولة، وبذلك تبدو الدوائر وتغيب حسب الأزمنة والأمكنة  وما تحلم به الشخصيات.

وبعد، إن اللغة المشبعة بالنداوة، والأسلوب السهل الرخي العاشق للصور والأخيلة والتصوير والأضواء وتقحم الأبواب المغلقة للكشف عن مستوراتها، والاقتصاد في الكلام، والري المطير للتعبيرية، والتعليق لذرا الأحداث والأخبار بعد اندفاعها المحموم، والالتفات إلى عالم المضمرات استبطاناً، والتريث في رواية أخبار الليل وأحداثه همساً بالأحاديث والخطا والنداءات الخافتة، والهبوب العجول في أخبار النهارات لكي تقضى قبل فوات الأوان، كلها تشكل أسرار الرواية التقنية، ناهيك عن جدلية الحوار مع الذات، (الحوار الداخلي) لكي تعرف الشخصيات مواضعها، ومقاماتها في لحظات الهدأة والمراجعة.

 

(سرير من الوهم) رواية كاوية، وحارة، وحارقة أحياناً.. للكثير من الأحلام التي لم تؤيدها الحياة، ورواية جهيرة بالعاطفة تجاه الأمكنة الجديدة والمتجددة، وتجاه الأزمنة الجديدة والمتجددة، وتجاه الأحلام الجديدة والمتجددة أيضاً.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى