الأخبارمقالات وآراء

الأمن القومي الإسرائيلي وتحديات «القوة الناعمة»

ابراهيم أبو ليل – خاص طريق القدس

مجدداً، تطرح استراتيجية الكيان الصهيوني مع بداية العام 2017، التحديات الاستراتيجية التي تواجه «الأمن القومي الإسرائيلي» والتي تتجلى في ما أطلق عليه «القوة الناعمة»، وهذه التحديات ستشكل الامتحان الحقيقي لقادة الكيان الصهيوني في ظل غياب التهديدات العسكرية التقليدية، مع بقاء احتمال المواجهة مع قوى المقاومة قائماً في المستقبل، وهو المواجهة مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ومع حزب الله في جنوب لبنان.

يُجمع قادة الكيان الصهيوني ونخبه الفكرية والسياسية على ضرورة إعادة التفكير مجدداً بشان الاستراتيجية المعدلة والمطورة المطلوبة لـ«إسرائيل» وضرورة تطوير أمنها القومي، وذلك من خلال الدراسات والأبحاث التي تقدمها مراكز البحث الإسرائيلي وبشكل خاص معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي الذي أصدر مطلع الشهر الحالي (كانون الثاني 2017) التقرير الاستراتيجي السنوي «لإسرائيل» 2016- 2017، حيث ضم عدداً من الدراسات التي تبحث في المجالات الأمنية والعسكرية والسياسيةـ وقد جاء على لسان عاموس يادلين مدير معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي أنه على الرغم من أن الكيان الصهيوني يتمتع بالقوة العسكرية، إلا انه سيواجه تحديات استراتيجية ويخوض مواجهات فعلية سواء في المجال العسكري، أو في مجالات «القوة الناعمة» (الاقتصاد، الدبلوماسية، الإعلام، شبكات التواصل الاجتماعي، المجال القضائي).ويرى يادلين أن العوامل والمسببات التي أثرت بشكل إيجابي على الوضع الاستراتيجي للكيان الصهيوني عام 2016 بقيت كما كانت على حالها وعززت الوضع الأمني لـ«إسرائيل»، إذ منحتها الأحداث التي عصفت بالمنطقة فرصة للحفاظ على قوتها العسكرية واستطاعت تجنب الخوض في مواجهات وحروب واسعة النطاق، لا سيما في ظل غياب التهديدات التي تحدق بها من قبل الدول العربية المحيطة بها، واختفاء التهديد التقليدي من قبل الجيوش النظامية بشكل كامل بين الكيان الصهيوني ومصر والأردن. إلا أنه يستثني المقاومة من الوضع العربي ويبقي احتمال المواجهة قائماً، والسيناريو المتوقع والمعقول جداً لاندلاع مواجهة في السنوات المقبلة هو المواجهة مع المقاومة في قطاع غزة وفي جنوب لبنان.

المجال الاستراتيجي «الإسرائيلي»

شكل تصاعد التوتر بين الدول العظمى في عام 2016 بداية رياح حرب الباردة، تهب من جديد في الساحة الدولية، حيث سُجل خلال هذا العام ارتفاع لافت في مستوى التوتر بين الدول العظمى.فقد وصل مستوى التوتر بين أمريكا وروسيا إلى درجة المواجهة العسكرية في أوروبا في أعقاب الأزمة في أوكرانيا، وكذلك في الشرق الأوسط على خلفية الحرب في سورية ضد الإرهاب. ذلك أن روسيا تسعىللعودة إلى مكانتها بوصفها دولة عظمى لا يمكن تجاهلها،من أجل الحفاظ على سيطرتها في المنطقة ولتعزيز التحالف بينها وبين الجمهورية الإسلامية في إيران، وكذلك من أجلإعادة تأثيرها في مصر والعراق وليبيا. وعلى الرغم من أن إدارة أوباما نسقت وقاربت خلال السنوات الماضية سياستها مع ظروف المنطقة وفضلت الاستقرار، في ظل المسيرة البطيئة والتدريجية للإصلاحات الواسعة، إلا أن روسيا عقدت العزم على العودة إلى الشرق الأوسط على أساس وقوفها إلى جانب حلفائها دون أية قيود أيديولوجية أو قيمية. وبالمقابل وبفضل الاستقلال في مجال الطاقة ومن أجل إعطاء وزن لمنطقة شرق آسيا قامت إدارة الرئيس أوباما بقيادة وانتهاج استراتيجية تضاءلت في إطارها أهمية الشرق الأوسط.

بالنسبة للكيان الصهيوني ورغم التقلبات والتحولات التي طرأت على العالم العربي منذ 2011 والتي سوف تستمر لسنوات طويلة على ما يبدو،فقد بقيت اتفاقيات التسوية ثابتة بين «إسرائيل» من جهة ومصر والأردن من جهة أخرى، وحضور سفيرهما في تل أبيب هو تعبير عن الاستقرار في العلاقة معهما ودعامة في الوضع الاستراتيجي الإسرائيلي، وبقيت قدرات «إسرائيل» العسكرية – الأمنية قوية واقتصادها قوي ومستقر نسبيا،ً وتتميز بقطاع نوعي من مزايا الحرب الإلكترونية (السايبر)، وكذلك الصناعات الدقيقة والمتطورة جداً في العالم. هذه الأمور تشكل مصدر جذب للعلاقات التجارية وتبادل المعلومات والخبرة مع دول كثيرة، إذ من شأن هذه الميزات أن تمكن «إسرائيل» من مواصلة غايات وأهداف التنمية الاقتصادية والاستقرار الاستراتيجي. غير أن المكانة السياسية لـ«إسرائيل» تزعزعت بسبب استمرار حملة نزع الشرعية عنها في الساحة الدولية، ويتجلى هذا الامر بالحملة التي قامت بها حركة (B.D.S) (حركة المقاطعة الدولية) وأدت إلى تدهور صورة «إسرائيل» في الدول الغربية، وهذه الغاية توسع وتزيد من مقدرة عمل المجموعات المعادية لها التي تبذل جهوداً من أجل نزع الشرعية عنها سواء كانت الأخلاقية أو السياسية، إذ تحاول هذه المجموعات قيادة حملة المقاطعة ضد «إسرائيل» في مجالات مختلفة، فيما تساهم تشكيلة الحكومة الإسرائيلية المتطرفة في تدهور مكانة «إسرائيل» أكثر من أي وقت مضى.

أولوياتسياسية

يركز التقرير الاستراتيجي السنوي لـ«إسرائيل» على التحديات المستقبلية التي لم تتبدل منذ العام الفائت، حيث يقدم عاموس يادلين توصيات سياسية تشكل رداً على هذه التحديات التي تتمحور حول تعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الإدارة الأمريكية في ظل وجود الرئيس الأمريكي المنتخب ترامب، والسعي إلى إعادة الثقة الشخصية وعلاقات العمل الحميمة بين الحكومة الإسرائيلية والإدارة الأمريكية، من خلال بلورة تفاهمات استراتيجية حيال القضايا الأساسية على نحو يبقي الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الأساسي لـ«إسرائيل» في التصدي للتحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها. ذلك أن العلاقات الخاصة والمتميزة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة تشكل أحد المكونات والعناصر الهامة في قوة الردع الإسرائيلية، ومن المتوقع أن تتحسن العلاقاتمع الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب في إطار تحسين علاقات الثقة والتقارب بينه وبين الحكومة الإسرائيلية، إضافة إلى التنسيق الوثيق جداً بشأن القضايا الاستراتيجية، وعلى رأسها – بحسب مقترحات يادلين – بناء قوة لإحباط أية محاولة إيرانية للحصول على سلاح نووي، والاستعداد العسكري لمواجهة واسعة النطاق مع حزب الله في لبنان والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، من خلال تطبيق عبر ودروس المواجهات السابقة والجهود المبذولة لتخفيف احتمالات اندلاع مثل تلك المواجهات.

في هذا السياق يدعو يادلين إلى إنجاز خطوات سريعة في الساحة الفلسطينية حتى لو لميكن هناك شريك في الجانب الثاني، ذلك أن استمرار الجمود السياسي في الساحة (الإسرائيلية الفلسطينية) في عام 2016، وتدهور الوضع الأمني في هذه الساحة وتجدد الموجهات في القدس والضفة الغربية مع قوات الاحتلال في خريف 2016 ، سيفرض على «إسرائيل» دفع الثمن بحياة البشر وبالسياحة وبالاقتصاد وبمكانتها الدولية وفي المجال السياسي – الداخلي. كما أن مصلحة «إسرائيل»  الهامة هي التوقف التدريجي عن الانزلاق نحو واقع غير قابل للانعكاس، أي نحو دولة واحدة والعودة إلى التقدم نحو فكرة «الدولتين» من خلال الحرص على أمن الجبهة الداخلية وتحسينه.

ومن الجدير ذكره أن الحديث عن «حل الدولتين» قد فقد مقومات تحقيقه، بسبب استشراء الاستيطان ومصادرة الأراضي الفلسطينية وتحويلها إلى معازل مغلقة ومحاصرة بالمشاريع الاستيطانية، وفق مخططات استراتيجية تحول دون إقامة أي كيانية فلسطينية في المستقبل. إضافة إلى ذلك، يوصي يادلين بالعمل على تحسين العلاقات مع السعودية ودول الخليج الأخرىمن خلال الحوار معهاوربطهابالمسيرة معالسلطة الفلسطينية حتى لو لم تشمل المفاوضات حول التسوية الدائمة التي تنتهي باتفاق شامل، فهي تساعد على إحداث خرق في العلاقات مع تلك الدول رغم أن تلك العلاقات باتت واقعاً معلناً.

ويمكن القول أن الكيان الصهيوني ينتهز الفرصة مستفيداً من الظروف التي تمر بها المنطقة العربية، ودخول الرئيس الأمريكي ترامب إلى البيت الأبيض، من أجل المضي في تنفيذ مخططاته التي تستهدف تهويد القدس كاملة وتصفية القضية الفلسطينية، مما يزيد الأعباء على المقاومةوالقوى الداعمة لهاويضعها أمام تحديات متجددة، فهل تستجيب؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى