الأخبارمقالات وآراء

صعود ترامب، وتصاعد خطاب التهويد والإستيطان

علي بدوان – خاص طريق القدس

أصاب صعود دونالد ترامب رئيساً جديداً للولايات المتحدة الأمريكية كثيرين بالصدمة في الكيان الصهيوني على المستوى الرسمي، وبالطبع على مستوى الشارع، لكن هناك كثيرين ممن أصيبوا بنوبة من النشوة المُترافقة مع الهلوسة في الصف القيادي الأول للقرار السياسي، والعسكري، والأمني، وعند العديد من القوى والأحزاب، خاصة منها أحزاب اليمين التوراتي، واليمين “القومي العقائدي الصهيوني”.

فقد أعربت قوى اليمين “الإسرائيلي” الحاكم في إئتلاف حكومة بنيامين نتنياهو، ومعها منظمات استيطانية، عن سعادتها بفوز دونالد ترامب، وأخذت تُروّجُ الى أن فوز دونالد ترامب يُعَدُّ فرصة لإطلاق يد “اسرائيل” لبناء المزيد من المُستعمرات ونهب الأرض الفلسطينية من أصحابها الشرعيين في القدس ومحيطها وعموم الضفة الغربية. فوزير العلوم والتكنولوجيا “الإسرائيلي” أوفير أكونيس، إعتَبَرَ أن البناء في المستوطنات سيُصبِحُ أسهل. كما أعلن رئيس بلدية الإحتلال في القدس نير بركات “إن الأوان قد حان من أجل تصعيد البناء الإستيطاني في المدينة”، مُعتبراً ولاية دونالد ترامب “فرصة ذهبية يجب أن تستغلها إسرائيل من أجل تعزيز الطابع اليهودي للقدس والبناء في شرقي المدينة”.

أما النائب إيلي يشاي المعروف بانتمائه لحزب (شاس) الديني اليهودي المُتشدد ـــ الحزب الذي يَضُمُ غلاة المُتدينين من يهود السفارديم الشرقيين ـــ فاعتبر فوز دونالد ترامب بأنه “هدية من الله سبحانه وتعالى لشعب إسرائيل”. فيما رأى النائب عن حزب (البيت اليهودي) بتسلال سموتريش “أنه حان الوقت لتلقي إسرائيل بحل الدولتين الخطير في مزبلة التاريخ”. وكذا وزير التعليم نفتالي بينيت المعروف عنه كوزير للمستوطنين، الذي أعلن بدوره ايضاً “أن صعود ترامب فرصة هائلة لإسرائيل كي تعلن فوراً التراجع عن فكرة إقامة دولة فلسطين في قلب البلاد … لقد انتهى عهد الحديث عن الدولة الفلسطينية”.

لقد شَهِدَت الفترات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في لهجة العديد من الوزراء في حكومة نتنياهو في الدعوة لتطبيق القانون “الإسرائيلي” على الضفة الغربية باعتبارها مناطق “إسرائيلية”، حيث طالب وزير الزراعة أوري أريئيل من حزب “البيت اليهودي” بضم المناطق (ج) من الضفة الغربية بشكلٍ فوري، ودعا في نفس الوقت إلى وقف ماوصفه بالتردد في الإستيطان بالضفة الغربية.

وفي افتتاح الجلسة الأولى للدورة الشتوية للكنيست يوم الأحد 30 تشرين أول/اكتوبر 2016، زايد نتنياهو على الجميع حين قال وبـالصوت العالي من على منبر الكنيست “أن عهده كان الأنشط في عطاءات الإستيطان” مما دفع النواب العرب من القائمة المشتركة للخروج من الإجتماع.

التصريحات والدعوات، ترافقت مع خطوة سياسية مدروسة وموجهة للرأي العام في “إسرائيل”، وذلك عبر الإستطلاع “الإسرائيلي” على عينة عشوائية مختارة، نشرت نتائجه صحيفة (ماكور ريشون) قبل أيامٍ قليلة، وفيه أن (44%) من الجمهور اليهودي على أرض فلسطين التاريخية، يؤيدون فرض القانون “الإسرائيلي” على عموم الضفة الغربيه المحتلة عام 1967. وأن (38%) عارض ذلك. وأن (18%) لا رأي لهم. كما تبين من نتائج الإستطلاع على العينة المختارة، أن (61%) من الحريديم (المتدينين المتطرفين) واليمينيين و (60%) من المُستطلَعين الشبان يؤيدون فرض القانون “الإسرائيلي” على الضفة الغربية كلها دون إستثناء. فيما أيد (69%) من الذين عرّفوا أنفسهم أنهم يمينيون فرض القانون “الإسرائيلي” على الضفة الغربية تدريجياً. أما الذين عرّفوا أنفسهم كـيساريين، فقد أيد (32%) منهم فرض القانون على المستعمرات المقامة على أراضي الضفة الغربية.

في هذا السياق، وفي هذه المناخات الداخلية في دولة الإحتلال، مناخات التحريض، وسيادة خطاب ولغة الإستيطان والتهويد، صادق الكنيست “الإسرائيلي” في جلسته الأخيرة على مشروع قانون يَسمَح بمصادرة أراض فلسطينية من مناطق الضفة الغربية والقدس لصالح عمليات الإستيطان والتهويد، وشرعنة آلاف الوحدات الإستيطانية العشوائية التي تم إقامتها في مُختلف أنحاء الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة. كما يُجيز مشروع القانون مصادرة هذه الأراضي المُقامة عليها تلك المُستعمرات، وقد تم تمرير القانون بالقراءة الأولى في الكنيست، وتَبِعَهُ تشريع إقامة (4000) وحدة استيطانية ومصادرة آلاف الدونمات في ريف الضفة الغربية.

القانون حال إقراره نهائياً بالقراءة الثالثة، سيكون “المُشرّعِن الإسرائيلي” قد أعلن عن مصادقة الحكومة على وجود (3921) مبنى استيطاني تم بناءه خلال الفترات الأخيرة، منها (2744) مبنى دائم، و (1177) كرفان.

لقد أيّد مشروع القرار (60) عضواً من أعضاء الكنيست الـ (120)، بينما عارضه (49)، مع تحفظ باقي الأعضاء، ولا يزال مشروع القرار يحتاج إلى ثلاث قراءات في الكنيست ليصبح ساري المفعول من الوجهة الحكومية “الإسرائيلية”.

تُشَكّل هذه الجريمة الجديدة بتمرير القانون الجائر بالقراءة الأولى، خطوة “إسرائيلية” مفتوحة أمام مواصلة المشروع التوسعي الصهيوني باقتلاع الفلسطينيين، ولها تداعياتٍ ثقيلة، ومقدمة لضم أراضي الضفة الغربية الى الداخل المحتل عام 1948، التي صُنِفَت على أنها مناطق (ج) من خريطة “بقع جلد النمر” التي قَسّمَت وقّطّعَت الضفة الغربية وفق إتفاق أوسلو الأول لعام 1993، فضلاً عن حصار التجمعات السكانية الفلسطينية في معازل مُغلقة ومحاصرتها بالمُستعمرات والمستوطنين، وهو ما ينسجم مع الدعوات لضم مناطق “ج” من الضفة الغربية الواقعة تحت السيطرة العسكرية والمدنية “الإسرائيلية” للدولة العبرية الصهيونية، وهذه المرة من خلال قانون شرعنة الإستيطان والإستيلاء على الأرض من الزاوية “الإسرائيلية”.

إن “إسرائيل” في سلوكها الأخير، ومن خلال مشاريع القوانين المُتتالية التي يتم عَرضُها على الكنيست، تبدي وتُعلن وتُجاهر بجوهرها الحقيقي، حين تتصرف “كحركة كولونيالية استعمارية اجلائية”، فالوزير (نفتالي بينيت) على سبيل المثال في حكومة إئتلاف نتنياهو يتحدث بـ فصاحة الصراحة، ويُعَقّب على تمرير القانون بالقراءة الأولى معتبراً إياه “يوم تاريخي، تنتقل فيه اسرائيل إلى مسار السيادة الكاملة على الضفة الغربية”.

إن شرعنة المستوطنات فوق أراضي القدس والضفة الغربية من الزاوية “الإسرائيلية”، مُسمار جديد في نعش مايسمى بـ “المبادرة العربية” التي أطلقتها قمة بيروت العربية عام 2002 في أوج صعود الإنتفاضة الكبرى الثانية ….. فمن ينزعه الآن، ومن يستطيع لجم حكومة نتنياهو في ظل حالة التهافت وابتعاد الحزم الدولي تجاه تل أبيب… فالصوت الأمريكي الذي قال بأن واشنطن تُعبّر عن قلقها من مشروع القانون إياه بعد تمريره بالقراءة التمهيدية في الكنيست، غير كافٍ على الإطلاق، بل يُمثّل في حقيقته موقفاً منحازاً حين يتم الحديث عن تجاوزات “إسرائيل” بلغة الإنتقاد الناعم والمُخملي، دون الإقدام على خطوات ملموسة لوقف سياسات “إسرائيل” التي تضع نفسها فوق القانون الدولي نتيجة الغطاء الأمريكي بالدرجة الأولى.

لقد مَرَّ على الدولة العبرية الصهيونية منذ قيامها على أنقاض الجزء الأكبر من الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني، المئات من القادة المُتطرفين والمُشبعين بروح الغطرسة والجنون الى حد الهلوسة في الصف القيادي الصهيوني الأول والثاني والثالث، وجميعهم حاربوا النضال التحرري الفلسطيني بوحشية، لكنهم انصرفوا في نهاية الأمر، وبقي هذا حق الفلسطيني يتوهّج، ويتواصل معه الكفاح التحرري العادل من جيلٍ الى جيل، لأنه كفاح الإنسان من أجل الحق والعدل والكرامة. فهذه قيم لا تغيب وتنطفئ بمُجَرَدِ صُعودِ أشخاصٍ هم كالشظايا والمفرقعات النارية التي لاتلبِثُ أن تَذوي وتنطفىء.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى