الأخبارمقالات وآراء

الاستيطان الصهيوني.. من سياسة «الغموض» إلى استراتيجية «التطبيع والضم»

ابراهيم أبو ليل _ خاص طريق القدس

منذ احتلال الأراضي الفلسطينية عام 1967 لم تتوقف محاولات الصهاينة لضم الضفة الغربية عبر الاستيلاء على أراضيها وطرد أهلها من منازلهم، مستخدمين قوانين إسرائيلية خاصةتطلق عليها وسائل الإعلام في الكيان الصهيوني اسم «قوانين التطبيع»لتحقيق استراتيجية الضم. وكل يوم يخرج علينا قادة الاحتلال بمخطط استيطاني جديد ويقومون بعدوان جديد، ضاربين عرض الحائط بكل القرارات الدولية التي تدين العدوان، متجاهلين القوانين التي تصون المقدسات وتمنع الاعتداء عليها، دون اكتراثبالمجتمع الدوليالذي يعارض بمختلف مكوناته الاستيطان الصهيوني في القدس والضفة الغربية.

لم تكتفِ سلطات الاحتلال، بما استولت عليه من أرا ضي القدس والضفة الغربية، طوال العقود الماضية، بل تسعى جاهدة لتوسيع الاستيطان فيها ومصادرة أراضيها، حيث تصاعدت وتيرة الانتهاكات والاعتداءات والجرائم المتكررة التي يمارسها غلاة المستوطنين الصهاينة. فقد أقر الكنيست الإسرائيلي الشهر الماضي تشرين الثاني 2016 بالقراءة التمهيدية، ثلاثة مشاريع قوانين، تهدف إلى نهب الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها عصابات المستوطنين، وأقامت عليها بؤراً استيطانية، علماً أن هذه الأراضي تعود إلى ملكيات فلسطينية خاصة.وعلى الرغم من تحذير المدعي العام الإسرائيلي من أن القانون قد يقود الكيان الصهيوني إلى محكمة الجنايات الدولية. وجاء تأييد مشروع القانون، بعد تدخل مباشر من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو،حيث حضر بنفسه الجلسة وصوّت لصالح مشروع القانون الذي نال انتقادات دولية واسعة. ذلك أن حكومة نتنياهو تشرعن إجراءات الاحتلال وتنهب الأراضي الفلسطينية وتسلب الممتلكات الفلسطينية تحت غطاء القانون العنصري، مستغلة الديمقراطية الإجرائية لسن قوانين استيطانية إجرامية وغير ديمقراطية، تتناقض والقانون الدولي، هدفها الأساس القضاء على القضية الفلسطينية.

وينص القانون على مصادرة كل أرض فلسطينية بملكية خاصة، أقام عليها المستوطنون بؤراً استيطانية بدعم من حكومتهم، على أن تفرض الحكومة على صاحب الأرض التعويض الهش، أو أرض بديلة في مكان بعيد، بغير إرادته، ثم يتم الإعلان عن تلك الأراضي على أنها ما تسمى بـ «أراضي دولة»، وبالتالي تنقلها الحكومة إلى شعبة الاستيطان في الوكالة الصهيونية، لتقوم الأخيرة، بتمليكها لعصابات المستوطنين. ويجري الحديث عن آلاف الدونمات التي استولى عليها المستوطنون بالقوة، تحت حماية الجيش الإسرائيلي وبدعم مباشر من جميع حكومات الاحتلال الصهيوني، وأقاموا عليها بؤراً استيطانية. ويضاف إلى ذلك، سنّ قانون يلتف على صلاحيات المحكمة الإسرائيلية، بغية إيجاد «قاعدة وسند قانوني إسرائيلي» لتبييض المستوطنات الإسرائيلية على أراض صودرت من أصحابها الفلسطينيين. إلا أن حكومات الاحتلال تتواطأ وترفض اخلاءها، كما حال البؤرة الاستيطانية«عمونة» التي أقيمتبالقرب منرام الله في العام 1995 من دون إذن رسمي،وتعود ملكيتها إلى عائلات فلسطينية. وبعيد اقامتها بدأت تصدر المحاكم الإسرائيلية قرارات لإخلائها.

قوانين أساسية كغطاء للاستيطان:

وخلال عقود الاحتلال، استخدمت السلطات الإسرائيلية العديد من القوانين لوضع اليد على هذه الأراضي، حيث قامت استراتيجية الاستيطان في الأراضي الفلسطينية على ثلاثة قوانين:

  • قانون أملاك الغائبين، الذي صدر في العام 1951 والذي اعتبر الفلسطينيين الذين طردوا وهجروا من أراضيهم بأنهم غائبين، وتم استخدام أراضيهم لبناء المستوطنات.
  • مصادرة الأراضي لأغراض عسكرية، ثم تحويلها إلى ملكية المستوطنين لإقامة المستوطنات عليها.
  • بعد أن اعتبرت المحكمة العليا الإسرائيلية أنه لا يمكن إقامة مستوطنات على أراض صودرت لأهداف عسكرية قررت الحكومة الإسرائيلية إقامة المستوطنات على أراض مصنفة على أنها «أراضي دولة».

وتقوم هذه الاستراتيجيةعلى رفض الاعتراف بأن الضفة الغربية والقدسأراض محتلةينبغي أن تطبق فيها بنود اتفاقية جنيف الرابعة، على الرغم من أن هذه الاتفاقية كانت تطبق بشكل طبيعيعلى تلك الأراضي.وهذا ما دفع الفلسطينيين للجوء إلى المحكمة العليا، بينما مضت الحكومة الإسرائيلية وبشكل متزامن في توطين مئات الآلاف من الإسرائيليين في الضفة الغربية، في مخالفة صريحة للمادة رقم 41 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحرم نقل السكان المدنيين وتوطينهم في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال، حيث ترفض الحكومات الإسرائيلية أن تلتزم بالقرارات والمواثيق التي تحرم مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات عليها. فهي تعمل من دون أن تنظر إلى هذه  القوانين بل تنظر الى حجم الأراضي التي ستأخذها وتجعلها أمراً واقعاً أمام أي عملية تفاوض، والمبررات التي تقدمها دائماً عن مصادرة الأراضي هي الحاجة إلى تلبية حاجات المستوطنات التي تنبع من زيادة أعداد المستوطنين.

إن مصادرة أراضي الفلسطينيين لصالح اليهود دون غيرهم ليست بالأمر الجديد في تاريخ الصراع مع المشروع الصهيوني. فقد صودرت ملايين الدونمات من الملاك الفلسطينيين بعد حرب عام 1948 من أجل بناء مئات المستوطنات اليهودية الجديدة. وبعد ضم القدس الشرقية في حزيران من عام 1967، صادرت سلطات الاحتلال مئات الآلاف من الدونمات من أجل إنشاء أحياء جديدة لليهود حصرياً. والهدف من القوانين الجديدة هو الاستمرار في هذهالسياسة الاستيطانيةالتي تهدف إلى مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات. وقد تمكنت سلطات الاحتلال عبر السنين من إيجاد طرق متعددة لسلب أراضي الفلسطينيين من خلال تصنيفها على أنها «أراضي دولة»، اعتماداً على قانون عثماني عفا عليه الزمن يعود إلى القرن التاسع عشر. وفعلا، فقد بنيت معظم المستوطنات على مثل هذه الأراضي التي يزعم بأنها ملك لإسرائيل، والتي وصلت مساحتها حتى الآن ما يقرب من 111 ألف دونم. ويشير إلى هذا الوضع خليل التفكجي مدير مركز الدراسات الفلسطينية حيث يقول: « نلاحظ اليوم بأن هناك شبكة طرق خاصة بالفلسطينيين عن طريق أنفاق وشبكة خاصة للمستوطنات فوق الأرض» أي أن الضفة الغربية سوف تكون عبارة عن تجمعات مغلقة محاطة بإسرائيل من جميع الجهات لا يتم الدخول إليها والخروج منها إلا بأمر من سلطات الاحتلال.فـ«إسرائيل» لا تعترف بوجود حدود معينة تلتزم بها، حيث استطاع بن غوريون رئيس أول حكومة إسرائيلية أن يسقط كل تصور ينطوي على انسحاب «إسرائيل» من أية أرض احتلتها عام 1948 خارج حدود التقسيم 1947، كما ظل بن غوريون يخطط لاحتلال ما تبقى من فلسطين. ذلك أن فكرة الحدود لم ترتبط  بالترسيم  القانوني وحده ولا بقرارات الشرعية الدولية، بل ارتبطت بالاستراتيجية الصهيونية وآلية العمل الصهيوني على الصعيدين العسكري والسياسي.

ما من شك على الإطلاق في أن نتنياهو يحمل هذا الإرث، ويرغب في رؤية المستوطنات تزداد انتشاراً كلما أمكن ذلك. وفي ظل ما يعرفباليمين الجديد في الكيان الصهيوني، والذي يستمد الإلهام من الفوز الذي حققه دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية. كما أن ترشيح دافيد فريدمان، المعروف بتأييده الشديد لمشروع الاستيطان، سفيراً جديدا للولايات المتحدة الأمريكية في الكيان الصهيوني قد يشير إلى أن سياسة الغموض التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية في تنفيذ مخططات الاستيطان قد انتهت، وأن الكيان الصهيوني بإعلانه عن قوانين جديدة لتشريع عمليات التوسع الاستيطاني وتبييض المستوطنات المخالفة للقوانين الإسرائيلية،يكون قد دخل في مرحلة جديدة تماماً من مراحل الاحتلال تمهيداً لضم الضفة الغربية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى