الأخبارمقالات وآراء

ذكرى التقسيم والتضامن.. صراع الهويات وتداعياته

د. فايز رشيد – كاتب فلسطيني

رغم كون عنوان المقالة، لا يبدو متجانساً، لكنه في حقيقته متجانس في الصميم، ذلك أن جزءه الثاني يتعلق بتداعيات العودة في الغرب إلى صراع الهويات من جديد. هذا الصراع له تداعياته على المستقبل الإسرائيلي برمته. نعم، 29 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، هو ذكرى قرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين، حولته الأمم المتحدة إلى يوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية المشروعة. شهر مليء بالأحداث الفلسطينية: إشهار الدولة في 15 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1988 الذي أعلنه حينذاك المجلس الوطني الفلسطيني، لم ير النور حتى هذه اللحظة. بالنسبة لقرار التقسيم، رفضه شعبنا آنذاك. قد يلوم البعض منا ذلك الرفض! ولو كنّا في موقعهم لمارسناه ذاته، حتى لو وافقت القيادات الفلسطينية عام 1947 على قرار التقسيم، فلم يكن ممكناً إقامة الدولة الفلسطينية العربية آنذاك لأن، لا العصابات الصهيونية ولا إسرائيل ولا حليفتها الأمريكية كانت ستسمح بإقامة هذه الدولة. ومن يعتقد عكس ذلك فليقرأ الأدبيات الإسرائيلية، ومذكرات القادة الصهاينة، والوثائق في الأرشيف الإسرائيلي حول هذه القضية التي تم الإفراج عنها بعد 40 – 50 عاما، ومعظمها يؤكد ما ذهبنا إليه
(لعل من أشهرها،”يوميات الحرب 1947 – 1949″ ديفيد بن غوريون). نقول ذلك مستشهدين بمثل، قرار الأمم المتحدة الذي نص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ولم يجر تنفيذه، لأن لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة أرادتا يوم ذاك، تنفيذه. أما موافقة القيادات الفلسطينية آنذاك على قرار التقسيم، فكانت ستعني تنازلاً مجانياً واعترافاً رسمياً بحق إسرائيل في الوجود على الأرض الفلسطينية، وتداعيات ذلك في المجالات المختلفة.
صحيح أن القيادة الفلسطينية الرسمية، اعترفت بإسرائيل في اتفاقيات أوسلو، وتنادي بحل الدولتين، لكن إسرائيل كانت وما زالت، وستظل ضد إقامة هذه الدولة المستقلة ذات السيادة، لذا كان التنازل بالفعل مجانياً، وتم الاعتراف بإسرائيل بدون ثمن. القيادة الرسمية في منظمة التحرير تصورت إمكانية جنوح إسرائيل للسلام، وإمكانية إقامة دولة فلسطينية من خلال اتفاقيات أوسلو. في هذا عدم دقة في قراءة إسرائيل وفي إدراك طبيعة الحركة الصهيونية. لذلك، وفي أواخر عهده، فإن الرئيس الراحل عرفات (الذي سممه الكيان)، أمر بإعادة إحياء المقاومة المسلحة من خلال “كتائب الأقصى”، ولذلك سجنه الكيان في المقاطعة لثلاث سنوات، قبل الوصول إليه عن طريق السم.
في يوم ذكرى التضامن الدولي مع شعبنا، لو توجهنا بأسئلتنا إلى قيادات الطرفين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، أليس من المفروض، وقبل أن ندعو العالم إلى التضامن مع قضيتنا، أن نتضامن نحن مع أنفسنا وننهي الانقسام؟ أليس من المفروض وقبل أن ندعو أمتنا العربية إلى بناء استراتيجية جديدة للصراع مع العدو الصهيوني، أن نقوم نحن ببناء هذه الاستراتيجية؟ وأن تحرص قيادة سلطة غزة بألا تكون هناك هدنة دائمة مع إسرائيل؟ وتمارس السلطة الرسمية أيضا، التكتيك السياسي الصحيح، الذي يخدم الاستراتيجية الحقيقية، الكفيلة بإجبار الكيان على الاعتراف بحقوق شعبنا، ثم نقوم في ما بعد بمطالبة الأمة العربية بأن تتحشد حولها، أسئلة كثيرة من هذا القبيل تفرض نفسها في هذه المناسبة، في صميمها هي مؤلمة ومحزنة كثيراً. الانقسام هو السبب الرئيسي في تراجع المشروع الوطني الفلسطيني. أليس من الضرورة بمكان إجراء مراجعة سياسية شاملة لمرحلة ما بعد أوسلو، والاستفادة من الأخطاء الكثيرة التي تم اقترافها؟ ألم يئن الأوان لعدم الوقوع في مطبات جديدة؟ أليس من الضرورة بمكان إلغاء التنسيق الأمني مع هذا العدو؟ إن المطلوب، إحياء المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها. المطلوب التشبث بالثوابت الفلسطينية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية لتكون مجالاً للجمع بين كافة الفصائل وألوان الطيف السياسي الفلسطيني.
ومن جهة ثانية، لم يكن انتصار ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، بكل غرائبيته ودعواته الانسحابية إلى القضايا الأهم للولايات المتحدة، معزولا عن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولا عن النتائج التي أحرزها اليميني المحافظ فرانسوا فيون في دورة الانتخابات التمهيدية الفرنسية. إضافة إلى ارتفاع أسهم الأحزاب اليمينية في العديد من الدول الأوروبية. كما بدء الإرهاصات لحركات تدعو إلى انفصال بعض المحافظات/ المقاطعات عن دولها، بما في ذلك في بعض الولايات الأمريكية. مرد ذلك، يعود في جزء منه، إلى عوامل اقتصادية اجتماعية متمثلة في زيادة حدة الأزمة الاقتصادية والمالية، ومضاعفاتها السلبية على الصعيد الاجتماعي في العديد من الدول ،على خلفية اندلاع الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية التي حدثت عام 2008 والتي تكمن أسبابها في الاستنزاف الذي تسببت فيه الحرب الأمريكية الغربية في العراق وأفغانستان، واشتداد المنافسة الاقتصادية العالمية، وتراجع حصة الدول الغربية من الناتج العالمي وما أدت إليه الأزمة من ازدياد في نسب البطالة والتفاوت الاجتماعي، وتدهور مستوى المعيشة، وإقدام الشركات الرأسمالية على استجلاب اليد العاملة الرخيصة من دول أوروبا الشرقية، ما أدى إلى احتدام عوامل الصراع الطبقي فيها. هذه التطورات ولدت شعوراً بالقلق والخوف لدى الطبقات الوسطى والعمالية في العديد من الدول، والخشية من التأثر بهذه الأزمات، خصوصاً إذا ما تسربت اليد العاملة الرخيصة من أوروبا الشرقية إلى الدول الأخرى، وهو أمر سهل ولا عوائق تحول دونه، في ظل اطار الاتحاد الأوروبي.
العامل الثاني، تصاعد النزعات القومية، ومثل هذه النزعة لا تقتصر على دولة دون غيرها بل تطال غالبية دول الاتحاد الأوروبي، ومؤخرا أمريكا هذه النزعة ظهرت مع اشتداد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، لكنها تنامت كثيراً بعد ازدياد أعداد المهاجرين من الشرق الأوسط وافريقيا إلى الدول الأوروبية، ما أدى إلى تقوية التيار القومي المتطرف في معظم الدول الغربية، وفي الولايات المتحدة، الأمر الذي يرى في المهاجرين عبئاً ثقيلاً على شعوب أوروبا، وقد بدأت تئن من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية ومن البطالة. ويمكن القول إن هذين العاملين هما اللذان أسهما في صعود اليمين في فرنسا، وقبل ذلك في النمسا وهولندا واسبانيا والمانيا وغيرها من الدول، ما يؤشر إلى أن ذلك، بات سمة تطبع الحياة السياسية الأوروبية. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الأزمة ليست مؤقتة، بل هي أزمة مقيمة، بفعل المنافسة الاقتصادية العالمية الآخذة بالتصاعد على خلفية تنامي وازدياد القوة التنافسية الاقتصادية للصين والهند وروسيا وغيرها من الدول الصاعدة اقتصادياً، على حساب الدول الغربية.
الحاضر يذكّر بمرحلة بروز القوميات في أوروبا، تبعا للتحولات التي صاحبت المرحلة الانتقالية من الاقطاع إلى الرأسمالية، وما فرضته من تحولات اقتصادية، اجتماعية وسياسية ترجمت مضامينها في خطوات، كانت تحتاج حينها إلى استعمار مباشر للدول الأخرى، من أجل إيجاد أسواق جديدة لما يتكدس من بضائع في المخازن، كما إيجاد ثروات جديدة، مما حدا بالمشرّع الماركسي إلى الاستنتاج “بأن الإمبريالية هي آخر مراحل الرأسمالية”. بالمعنى الاقتصادي، نعم، استطاعت الرأسمالية تفادي سقوطها الحتمي كحلقة أخيرة في سلَم تطورها، لكنها لم ولن تتجنب مستقبلا هذا السقوط. يأتي ذلك وسط ظروف يُلمسُ منها، تسارع العودة إلى عصر القوميات، وبما ستفرضه من صراعات أيديولوجية في المبارزة القومية. وبما ستحمله الأخيرة من عوامل تفكيكية (لا تجميعية) للاثنيات، التي استطاعت، رغم المتناقضات، بناء الدولة القوية الواحدة.
بالنسبة للكيان، فلم يكن للحركة الصهيونية أن تتمكن من بناء أساطيرها التضليلية، بادعاء وجود “القومية اليهودية” لولا مرحلة بروز القوميات في أوروبا آنذاك، لتُلحق بعدها المفهوم بأهمية إيجاد دولته، ولم تلقَ غير فلسطين شماعة تاريخية (باعتبارها أرض نشوء الديانات) تتكئ عليها لبناء الدولة، ولو باختلاق المزيد من الأساطير، والتحالف مع الأهداف الإمبريالية في المنطقة العربية. لكن، رغم مرور ما يقارب السبعة عقود على إنشاء الكيان القسري، لم يستطع حل التناقضات الاثنية بين مكوناته الفسيفسائية، بدليل، أنه وحتى اللحظة، فإن الكيان لم يتوصل لتعريف محدد لمن هو اليهودي؟. إن بروز عهد صراع الهويات من جديد، سيحمل بين أحشائه (على قاعدة التأثر والتأثير) عوامل تفكيكية (لا تجميعية) للاثنيات في الدولة الصهيونية، والذي سيؤثر حتما على جوهر ومضامين الصراع التاريخي معه، بما سيتمثل في تغييرات بنيوية لمصير ونتاج عموم مشروعه في المنطقة العربية. وللدلالة على صحة ما نقول، ووفقا لـ “الجزيرة نت” فإن الهجرة العكسية ازدادت بصورة كبيرة من إسرائيل في الآونة الأخيرة. وتشير تقارير رسمية ودراسات أكاديمية إلى أن نحو 26 ألف إسرائيلي يغادرون كل عام خلال السنوات الأربع الماضية.
وحسب مكتب الإحصاء المركزي، فإن معظم المغادرين هم من الشباب والأكاديميين، ممن يبحثون عن فرص للتعلم والعمل، خاصة في ألمانيا وكندا وأستراليا والولايات المتحدة. ويبلغ متوسط أعمار الإسرائيليين المغادرين 28 عاما، ويشكل اليهود الروس 40% منهم، إذ يعودون لوطنهم الأم أو ينتقلون للولايات المتحدة ودول غربية أخرى ويبدو أن عدد المهاجرين مرشح للتصاعد في السنوات المقبلة لعدة أسباب مقابل توقف الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تقريبا، منذ هجرة مليون روسي للبلاد في 1990 غداة انهيار الاتحاد السوفييتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى