كلمتنا

يوم الأرض الفلسطيني .. يوم وحدة الفعل الشعبي.

د. محمد البحيصي / رئيس جمعية الصداقة الفلسطينية – الإيرانية

تمرّ علينا الذكرى الخامسة والأربعين ليوم الأرض الفلسطيني، وقضيتنا تعيش منعطفاً حادّاً بفعل إرادات الذين لا يضمرون خيراً لها، وبفعل سلوك بعض أبنائها الذين ضلّ سعيهم وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً..

هذا اليوم المجيد كان الأصدق في رسم المعادلة التي تحكم العلاقات مع العدو الغاصب، وكان الأكثر وضوحاً في بيان أدوات المواجهة مع المشروع الصهيوني الذي جعل من الأرض كلمته المفتاحية وعنوانه الثابت حين رفع شعار: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، ولا اعتقد أنّ هناك شعاراً أكثر بشاعة وتحديداً لطبيعة المشروع الإحلالي الإلغائي العنصري الذي عُرف فيما بعد بـ “إسرائيل” من هذا الشعار…

هذا الشعار يبدأ بالأرض وينتهي بالأرض، رادّاً على المتخرصين والمتوهمين الذين ملأوا حياة الفلسطيني بزبد وضجيج الحديث عن السلام والتعايش مع العدو، حيث كان العدو أكثر انسجاماً مع مشروعه وأكثر وضوحاً ودونما التباس بأنّ هدفه كان وسيظل الأرض الفلسطينية..

هذا الشعار ترجمته كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بحسب إمكاناتها والظروف الموضوعية التي ضبطت اندفاعها ومن هنا كان أسلوب (القضم والهضم والضم) الذي عاشه الفلسطيني على مدار الساعة وهو يرى أرضه تُصادر إن كان بقوانين أملاك الغائبين، أو الأراضي البور، أو المصادرة لصالح الأعمال العسكرية الأمنية وبناء وتوسيع المستوطنات..

وفي العام 1976 انتفض الفلسطينيون في الجليل والمثلث والنقب وكتبوا بالدم هذا اليوم على مذبح الخلاص، في هبّة أكّدت على عمق الانتماء والولاء لتراب الوطن والاستعداد والجاهزية لفدائه بالغالي والنفيس..

وهنا فإنّ أحداً لا يشك في استعداد شعبنا للتضحية ولم يكن هذا الأمر مطروحاً البتّة في مسيرة  جهاد هذا الشعب، لكن المشكلة كانت ولا تزال في تلك العقلية الفرديّة، وثقافة التنازع والخصومة التي طغت على سلوك من نصّبوا أنفسهم قادة على هذا الشعب، وكرّسوا ثقافة الفرقة والعصبية والفئوية، وجعلوها أساساً وإطاراً يتحكّم في نضاله وطرائق مواجهته لمشروع هو الأخطر في تاريخ البشرية وأعني به المشروع الصهيوني بوجهيه الغربي واليهودي..

عشرات آلاف الشهداء إن لم يكن مئات الآلاف قضوا وهم يدافعون عن حقّهم الفطري كي يعيشوا أحراراً على أرضهم.. وأكثر من هؤلاء جرحى وأسرى.. فماذا كانت النتيجة؟!.

لقد أجاد الفلسطيني تراكم التضحيات، ولم يحسن البناء عليها واستثمارها وهذه هي المعضلة التي تستحق الوقوف طويلاً أمامها..

في تاريخ الجهاد الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني كانت هناك محطتان نهض فيهما الشعب بكلّه، ولعلّهما هما من كان لهما أثر في نتائج الصراع لولا أنانية المشروع الفردي الذي مثّلته وجاهات الأحزاب والفصائل، وهو المشروع الأخطر على مصير قضيتنا.. المحطة الأولى كانت إضراب 1936، والمحطة الثانية كانت انتفاضة الحجارة 1987..

 

وقد تنبّه عدوّنا مبكراً لخطورة أن يتوحّد الشعب الفلسطيني في خط المواجهة، وبذل في سبيل تفكيك وبعثرة وتشتيت جهود شعبنا كل ما يستطيع ونجح في ذلك من خلال أدواته الفلسطينية وولاءاتها الإقليمية مع الأنظمة التي أُنشئت لغرض تحرير المشروع الصهيوني وحراسته، ووجدنا حالة من التناقض في معادلة الصراع وأدواته فمن جهة رأينا العمليات الفردية البطولية الناجحة والمؤثرة، ورأينا الإبداع الفردي الفلسطيني في الوطن واللّجوء والنجاحات التي حقّقها الفلسطيني (الفرد) أينما تواجد، وفي المقابل رأينا الفشل والنتائج المخيّبة لأداء القوى السياسية وسعيها الحثيث لإبقاء حالة الضعف والوهن في الجسم الفلسطيني عبر الخلافات والصراع على امتيازات السلطة والفصيل..

ورأينا كيف اتّبع الكيان الغاصب سياسة التفرّد في عدوانه على شعبنا من خلال التقسيم الجغرافي والسياسي، ومثال ذلك: في سياسات ضم الأراضي، ومصادرة العقارات وهدمها في القدس مثلاً.. يجري ذلك وكأنّه في كوكب آخر، نسمع به ولا نتأثّر بما يجري عليه، بل ولا يعنينا أن نعرف ما يجري فيه..

تُصادر أراضي قرية لبناء مستوطنة أو توسّعها.. ونترك المسؤولية على أصحاب القرية، وأهل القرى المجاورة يرون ويسمعون دون أن يحرّكوا ساكناً.. وفي أحسن الأحوال نرى حراكاً استعراضياً آنياً…

تُدمّر غزة في ثلاثة حروب وتُحاصر، ولا نسمع عن مسيرة في الضفة تُظهر رفضها لهذا التدمير والحصار.. رغم أنّ المسيرة تمثّل أدنى درجات وأشكال الرفض..

لقد نجح العدو في التهامنا فرادى على طريقة الثور الأبيض والثور الأسود..

والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى أو تُعد..

يوم الأرض الفلسطيني كان محاولة فلسطينية شعبية لاستعادة دور العمل الجمعي في مواجهة الوحش الصهيوني، ولكنّها كغيرها من المحاولات أُجهضت بفعل مطامع وأنانية هذا التنظيم أو ذاك، مثله في ذلك مثل إضراب 36 والانتفاضة الأولى التي ولدت للشعب الفلسطيني هذا المولود المسخ المشؤوم الذي يلعنه البعض نهاراً ويضاجعه ليلاً، وهذا الفشل الذي أمن صانعوه من المساءلة والعقاب.

سلامٌ على شهداء يوم الأرض وكل أيام الوطن والمستضعفين.

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى