شؤون العدو

“يديعوت أحرنوت”: المستوطنون يصرخون: الدولة تخلّت عن راحتنا النفسية.

كتبت غدار غيل عاد في النسخة المطبوعة من صحيفة “يديعوت أحرنوت”، مقالاً بعنوان “الدولة تتخلى عن نفوسنا”، وتطرقت إلى الشكاوي من الظروف الحالية التي يمر بها الكيان ومستوطنوه.

فيما يلي الترجمة الكاملة للمقال:

سكّان غلاف غزة ومستوطنات الجنوب يعانون من قذائف صاروخية تُطلَق نحوهم، صافرات إنذارٍ تثير الذعر، هرولة متكررة إلى الملاجئ، وتوتر نفسي أثقل من أن يُحتمل. لكن في الوقت الذي تتراكم فيه الصدمات، الدولة تغلق وتقلّص 18 عيادة عامة للصحة النفسية. والثمن ثقيل: سكان الغلاف الذين يتوجّهون للحصول على علاج، يضطرون للسفر إلى بئر السبع وعسقلان ونتيفوت، أو الدفع من جيوبهم مقابل علاجٍ على حسابهم. وقت الانتظار للحصول على علاجٍ لدى طبيبٍ نفسي هو من ستة أشهرٍ إلى سنتين.

أحد عشر يوماً في خضم عملية “حارس الأسوار” وإسرائيل لم تُحسن بعد فهم أن جبهةً داخليةً قويةً لا تكفيها قبّةٌ حديديّةٌ لوحدها. آلاف القذائف الصاروخية التي أُطلقت على إسرائيل، صفارة إنذارٍ تتلو صفارة، الساعات الطويلة في أماكن محصّنة، أصوات الانفجارات القوية وعدم الأمان المستمر، يجنون ثمناً نفسياً كبيراً من كبار السن والشباب والأطفال والرضع على حدٍّ سواء. سكان الجنوب، الذين يواجهون هذا الواقع منذ سنواتٍ طويلةٍ، انضمّ إليهم في الأيام الأخيرة سكان وادي الخليل والوسط أيضاً، والقاسم المشترك بين الجميع: لا أحد منهم يحصل على استجابة نفسية مناسبة.

التداعيات النفسية لأيام القتال تُضاف إلى الخراب الذي خلّفه هنا فيروس كورونا على الصعيد الاجتماعي، ومن ضمنه الارتفاع في حالات الاكتئاب، العزلة، العنف، استخدام مواد خطيرة (مخدرات)، أزمات نفسية، اضطرابات في تناول الطعام، وكذلك أفكار انتحارية. تحقيق منتدى المنظمات من أجل طب نفسي عام، والذي يُنشر لأول مرة في “يديعوت أحرونوت”، فحص حالة عيادات الصحة النفسية في أنحاء إسرائيل، ويكشف البنى التحتية المتداعية التي يُفترض أن يعتمد عليها “الشعب الإسرائيلي”.

ستُّ سنواتٍ انقضت منذ انطلاق الإصلاحات في الصحة النفسية، التي تعهدت فيها وزارة الصحة بإنجاع قدرة الوصول إلى العلاجات، لكن في الواقع، بدل تعزيز الجهاز بإضافة عيادات وإجراءات، تم إغلاق ما لا يقل عن 18 عيادة أو تقليصها بصورةٍ مهمّةٍ. جهاز الصحة النفسية يُجفَّفُ ويصبح أقل توفرًا للجمهور. والأثر الفعلي: أوقات الانتظار تزيد وتبلغ اليوم ما بين 6 إلى 24 شهرَ انتظارٍ لعلاجٍ نفسي. على سبيل المثال، عيادة أطفال وشبيبة في أشدود أُغلقت والمعالَجين حُوّلوا للعلاج في مدينة رحوفوت. غالبيتهم تخلّوا عن العلاج أو توجّهوا إلى السوق الخاصة، وفقط 1% من المعالَجين تابع مع العيادة في رحوفوت.

رئيسة الحركة من أجل الطب النفسي العام، الطبيبة النفسية “أليت مردو”، تقول إن “الطلب يرتفع، خصوصاً الآن، والاستجابة تتقلص. لقد نشأ وضعٌ هو مهزلة بحيث أن من يملكون المال يمكنهم التوجه إلى استجابة في القطاع الخاص. لكنَّ قطاعاً سكانيّاً كاملاً ليس لديه قدرة دفع مئات الشيكلات للعلاج بقي دون استجابة. المزيد والمزيد من الأطفال في اكتئاب وخوف، وهم لا يعودون إلى المؤسسة التعليمية. راشدون سُرّحوا من العمل وهم في ضائقة وغير قادرين على العودة إلى دائرة العمل. هناك المزيد من العنف داخل العائلة، وجرائم أكثر، والمزيد من الشبيبة الذين لن ينجحوا في الاندماج في الجيش وفي الدراسات الأكاديمية. المعنى هو كارثة اجتماعية. يجب على الدولة أن تتحمل المسؤولية وتوفّر خدمات طبِّ نفسٍ عامّ دون تكلفةٍ من أجل إعادة المِنعة إلى سكان دولة إسرائيل”.

يتبيَّنَ أنَّه حتى في الأماكن الأشد حاجة لمساعدةٍ نفسيةٍ، بينها المستوطنات الواقعة تحت تهديدٍ أمنيٍّ دائمٍ، لا توجد استجابةٌ مناسبةٌ. في غلاف غزة لا يوجد أطباءُ نفسٍ عياديين، تطوريين. سكان الغلاف الذين سيطلبون علاجاً سيُوجَّهون إلى بئر السبع أو عسقلان أو نتيفوت، أو سيكون عليهم التوجه إلى القطاع الخاص بتكلفة مئات الشيكلات في الشهر، بالاتفاق مع التأمين.

عادي لغزيال (44 سنة) أم لولدين من نير عوز (محيط غزة)، تقول إن “سكان غلاف غزة غير مدعومين من الدولة على المستوى النفسي. الدولة تخلت عن نفوسنا وتنتج لنا جيلًا إضافيًا من المصابين بما بعد الصدمة”. لغزيال شُخّصت على أنها مصابة بما بعد الصدمة، بعد سنةٍ على انتهاء (حرب) “الجرف الصلب” في أعقاب سقوط صاروخ “قسّام” قرب سيارتها: “من تلك اللحظة أصبحت حياتي مختلفة. كان من الصعب جدًا عليَّ الحصول على تشخيص. أمِلتُ أنَّه لحظة حصولي عليه سيعالجونني. سيمنحوني إطارًا يستجيب لحاجاتي. عمليًا، فهمتُ أنَّ عليَّ طوال الوقت إثبات ضائقتي كي أحصل على مساعدة. الناس يسمعون عن مصاب بنوبةِ هلعٍ ولا يفهمون كم أنَّ هذه الحالة يمكن أن تكون خطيرة، قد تدمّر حياةَ إنسانٍ. لا أفهم لماذا عليَّ أن أستجدي مساعدةً”.

المشكلة لا تنحصر بمنطقة الجنوب، بل وتتصل أيضًا بكافة أنحاء إسرائيل تقريبًا، سيما في الضواحي والأرياف. على سبيل المثال، عيادة نفسية في حيفا فيها فريقٌ من ثلاثةٍ فقط وتوقّفت عن استقبالِ حالاتٍ جديدةٍ بسبب تقليص أنشطتها. الأمر نفسه في اللد التي كان فريق عيادتها يضم 13 واليوم بقي فيها طبيبٌ نفسيٌّ واحدٌ فقط ومعالجان يأتيان مرةً كل أسبوعين، وعيادتان في كرميئيل وموديعين أُغلقتا، وعيادة في بيتاح تيكفا تعمل بصورةٍ غيرِ منتظمةٍ منذ ما يقرب من سنةٍ.

دورٌ في عيادةٍ نفسيّةٍ في “تل أبيب” سيستغرق ما لا يقلُّ عن نصفِ سنةٍ، وفي “بيتاح تيكفا” سنةً ونصفَ السنةِ، وفي “الكريوت” أكثر من سنةٍ، وفي القدس حوالي ثمانيةِ أشهرٍ”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى