شؤون العدو

وقف نهاية التاريخ

اسرائيل اليوم _ يوسي بيلين

اللحظة التي تتحول فيها الدولة من دولة ديمقراطية الى غير ديمقراطية، كانت واضحة  جدا في الماضي. ولكن هذا لم يعد. فـ 64 في المئة من الحالات التي الغيت فيها الديمقراطيات في الدول المختلفة، بين الحرب العالمية الثانية ونهاية القرن العشرين، كانت نتيجة الثورات.

منذ بداية القرن الحالي تغير الميل، و 40 في المئة على الاقل من أحداث انهيار الديمقراطيات وقع كنتيجة لان قرر الاشخاص الذين انتخبوا بشكل ديمقراطي ان يقلصوا الحريات في بلادهم. وقد نشرت هذه المعطيات مؤخرا اندريا كاندل – تايلور واريكا فرانتس في “فورين بوليسي. نحن نعيش في عصر جديد.

المزيد فالمزيد من الدول الديمقراطية تسيطر عليها حركات شعبوية، ما يميزها هو منح الجماهير انفعالات، والاستجابة الى احتياجات قصيرة المدى على حساب المصالح القومية بعيدة المدى.

مثلا، تخفيض الضرائب على حساب الاستثمار المكثف في البنى التحتية؛ او الاثقال على الهجرة الى الدول الاكثر رسوخا، على حساب حاجة هذه الدول للقوى البشرية الخبيرة، كنتيجة للزيادة الطبيعية المتدنية.

كما أن الانانية القومية تشكل قاسما مشتركا لهذه الحركات، ووجد هذا الميل تعبيره على حساب الحاجة المستقبلية للتعاون الدولي من أجل توسيع الاسواق، مكافحة الامراض والقتال ضد الاعداء المشتركين.

تحتاج معظم  هذه الحركات الى تهديد ما كي تبرر وجودها وليس صعبا عليها أن تجده في اعداء من الخارج، وبالاساس في اعداء من الداخل. وتبرر هذه التهديدات، من جانبها، نزعة التسيد. بمعنى – التركيز الزائد لزمام الحكم، تقليص حريات الفرد وحقوقه، بدعوى أن هذه ليست حريات بل فوضى، تسمح لـ “طابور خامس ما” بالعمل ضد شخصية الدولة. كما يمنح هذا شرعية لنقل المزيد فالمزيد من الصلاحيات الى الزعيم، الذي تلقى عليه المسؤولية لانقاذ شعبه من “التهديدات”.

زعماء ومصالح

تؤدي وسائل الاعلام دورا هاما في قصتنا. فالزعماء المنتخبون لا يحتاجون الى السيطرة بالقوة. فهم يعملون تجاهها بوسائل اخرى: يعرضونها كمنحازة لطرف سياسي معين (مثل ادعاء اردوغان بان الاعلام مستخدم من عدوه الاكبر، غولان ورجاله)، وهكذا يمسون بشرعيتها ومصداقيتها في نظر الجمهور؛ يشترون بشكل مباشر، وبالاساس من خلال مقربين، قسما هاما من وسائل الاعلام، ويؤثرون جدا على الرسائل، ويفرضون قيودا على الاعلام بدعوى أنه لا يقيد نفسه، فيخدم العدو.

حتى لو لم يتخذوا خطوات فظة للغاية فان رجال الاعلام يفهمون بالضبط ما ينتظرهم اذا لم يتخذوا جانب الحذر، وبالتالي فانهم يمارسون الرقابة الذاتية التي هي – احيانا – اكثر تشددا من الرقابة الرسمية.

يؤدي الزعيم دورا مركزيا في مسيرة التراجع عن الديمقراطية. كل شيء يحصل حوله، والعطف عليه هو الذي يسمح له، بشكل عام، ان يقود مثل هذا التراجع دون تمرد ودون معارضة شديدة جدا.

يمثل الزعيم، ظاهرا، المصلحة القومية الحقيقية. فهو يتعالى عن الخلافات الحزبية ويسعى الى صالح الشعب، بينما يرد الشعب له الجميل في أن يتخلى عن بعض من حقوقه، كي يضمن التحقق الناجع لاهداف الزعيم. هذه هي الظاهرة التي تطورت في روسيا بوتين، وانتشرت الى هنغاريا وبولندا، الى فنزويلا شفيز الى الفلبين ودول اخرى. يرى هؤلاء الزعماء بـ “حماة الحمى” اعداء، ويفعلون كل شيء كي يغيروهم بأناس “يفهموهم” ويسمحوا له بتنفيذ سياستهم. وتعرض المعارضة بانها تمثل مصالح أجنبية.

“خيانة” الزعيم هي خيانة الدولة، القضاة يضعون المصاعب في وجه تنفيذ السياسة وبالتالي تبذل الجهود لاستبدالهم، وهو الامر بالنسبة للنيابة العامة وبالنسبة لقادة جهاز الامن الذين يفكرون بشكل مختلف عن تفكير الزعيم.

اردوغان يفعل هذا بالشكل الاكثر فظاظة، ينفذ اعتقالات جماهيرية، ولا يفهم لماذا يبدي العالم قلقه من سلوكه. كما أن رودريغو دوتيرتا لا يفهم لماذا تنتقد الامم المتحدة الاعدامات الجماعية التي ينفذها بحق مجرمي المخدرات في الفلبين.

جنة عدن؟

قبل نحو ربع قرن كان يخيل أن “النبرة” العالمية قد أخذت بالديمقراطية الليبرالية كنموذجا مرغوب فيه للحكم، عندما تبنت معظم الدول التي خلف الستار الحديدي المنهار النظام التعددي، وأقامت احزابا مشابهة لتلك التي كانت حتى ذلك الحين في الغرب فقط.

نشر فرنسيس فوكوياما في 1989 مقالا عن نهاية التاريخ، أصبح بعد ثلاث سنوات من ذلك كتابا واسع الانتشار، توصل فيه الى الاستنتاج بان المواجهة فيه بين الشرق والغرب، بين الشمولية والديمقراطية انتهت، وان من الان فصاعدا ستجري الجدالات في داخل الاطر الديمقراطية.

أخذ “خطاب الحقوق” يتعاظم. الاعتراف بان الناس جديرون بحقوق متساوية – اعتراف  كان منكرا في كل سنوات التاريخ الانساني – أصبح أمرا مسلما به، حتى لو لم يتحقق. وحقوق المرأة اصبحت علما. حقوق الطفل – الذي ما كان يمكن الحديث عنها قبل مئة سنة بل وحتى قبل خمسين سنة – اصبحت جزءا من قوانين الدول الديمقراطية المتطورة. وهو الامر بالنسبة لحقوق اللوطنيين، السحاقيات والمتحولين جنسيا. حقوق المريض اصبحت مقبولة، واليوم يجري الحديث في دول اخرى عن حقوق الحيوانات.

اصبح العالم مسطحا، مثلما يصف هذا رجل “النيويورك تايمز” توماس فريدمان في كتابه الذي يحمل هذا العنوان. وانتقل خطاب الحقوق من دولة الى دولة، وتشوشت الفوارق بين البلدان واصبح الاستهلاك مشابها: هاتف نقال خرج من مكان ما سرعان ما تبنته بلدان اخرى. أفلام ومسلسلات تصل بسرعة من دولة الى دولة.

كل مدينة تحترم نفسها تتشرف بمطاعم صينية ويابانية، كوريانية ولبناني، ايطالية وفرنسية، بينما الموضة في الملابس في مكان ما يجري تبنيها على الفور في مكان آخر: من التمزقات في الجينز وحتى الوشم على الجسد.

في عولمة كهذه من السهل اكثر خلق التعاونات الاقتصادية، توسيع الاسواق امام منتجات كل دولة، تخطيط وتصميم هنا وانتاج هناك، وتسويق في مكان ثالث. جنة عدن.

ولكن لا، العالم المسطح دفعنا ايضا لان نشعر بالاهانة، وان نفهم ايضا ما ينقصنا، ونغضب من الثراء الذي يتراكم لدى الاخرين وليس عندنا. وفجأة يخيل للكثيرين منا بان الحقوق اكثر مما ينبغي، والاسواق منفتحة اكثر مما ينبغي، ونحن نسير بعيون مفتوحة نحو الطرف الثاني. قبل  لحظة من العودة الى قرن آخر، يجمل بنا أن نتوقف ونمنع “نهاية التاريخ” في الاتجاه المعاكس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى