مقالات وآراء

هل يحقّق الصهاينة هدفهم بتقسيم الأقصى مكانياً وزمانياً؟

مع حلول ذكرى الخرافة اليهودية التي تُسمّى “خراب الهيكل”، أو ما يسمى في التقاليد اليهودية يوم التاسع من آب العبري، والذي حلَّ هذه السنة عشية عيد الأضحى المبارك، اقتحم ما يقارب 1700 مستوطن يهودي باحات الحرم القدسي، بتنظيم وحماية من شرطة الاحتلال، وبقرار من وزير الأمن الداخلي عومر بارليف (حزب العمل)، وأقام بعضهم الصلاة في باحات الأقصى أمام عدسات الكاميرات المرافقة، كما قام عضو الكنيست “شيكلي” من حزب “يمينا” بإنشاد “هتكفا” علناً في باحات الحرم.

وكانت شرطة الاحتلال قد سبقت ذلك بحملة مكثفة ووحشية لطرد المرابطين والمرابطات من الحرم، تمهيداً لاقتحام المستوطنين ولضمان منع أي رد مناسب لذلك. رافق ذلك كلام تناولته وسائل الإعلام العبرية وغير العبرية، نُسِب إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت، مفاده أن الأخير “تحادث مع وزير الأمن الداخلي، عومر بارليف، ومع القائد العام لشرطة الاحتلال، كوبي شبتاي، وشكرهما على حسن إدارة الحدث بمسؤولية واتزان، مع الحفاظ على حرية اليهود في العبادة على جبل الهيكل”، وفق تسميتهم، وأنه “أكد خلال حديثه معهما حرية المسلمين في العبادة أيضاً، والذين يحتفلون بيوم عرفة وعيد الأضحى في هذه الأيام”.

أثار تصريح بينيت الخاصّ بـ”حريّة اليهود في العبادة في الحرم القدسي” ردود فعل كثيرة من الداخل والخارج، بدءاً من شركائه في الائتلاف الحكومي، القائمة العربية الموحّدة، وعمودها الفقري الحركة الإسلامية الجنوبية، برئاسة منصور عباس، فأصدرت الحركة الإسلامية والقائمة الموحّدة بياناً واضحاً أكدتا فيه أنَّ “المسجد الأقصى المبارك، بكلّ مساحته البالغة 144 دونماً، هو حقّ خالص للمسلمين، وليس لأحدهم أيّ حقّ فيه، وأن الحركة الإسلامية وجميع أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني والقدس الشريف سيقفون سداً منيعاً أمام كلّ محاولات المتطرّفين لفرض أمر واقع جديد أو أي نوع من التقسيم الزماني والمكاني داخل المسجد الأقصى المبارك”.

كذلك، أصدرت السلطة الفلسطينية في رام الله بياناً مشابهاً حمَّلت فيه حكومة “إسرائيل” مسؤولية أي تداعيات لهذا التصريح أو لاستمرار الاقتحامات. أما القصر الهاشمي في عمان، فقد أصدر بيانه وأرفقه بشكوى إلى البيت الأبيض، مطالباً بردع حكومة “إسرائيل” وتوضيح موقفها.

وعليه، طلب الرئيس جو بايدن من رئيس الحكومة نفتالي بينيت توضيحاً مكتوباً لهذا التصريح معمماً على الجمهور، ما أجبره على أن يصدر تصريحاً يتراجع فيه عن أقواله السابقة، ويقول “إن ما نُقل على لسانه ليس صحيحاً، وهو لا يقصد أيّ تغيير في الستاتيكو المعمول به” في الحرم القدسي، إنما يقصد حرية اليهود في “زيارة” الحرم القدسي.

يُذكر أنَّ بينيت كان قد التقى الملك عبد الله الثاني في عمان الشهر الماضي، وأكّد ضرورة الحفاظ على العلاقة الاستراتيجية المتينة بين “إسرائيل” والعائلة الهاشمية، وضرورة تصحيح ما أفسده نتنياهو في هذه العلاقة، فهل تراجع بينيت بالفعل عن تصريحه الأول؟ ولماذا؟ وماذا يعني هذا التراجع؟ وهل كان أول من صرح بـ”حقّ اليهود في العبادة في الحرم القدسي”؟ وما السيناريوهات المستقبلية؟

“حرية العبادة للجميع”

لطالما سمعنا وقرأنا في السنوات الأخيرة مقولة “حرية العبادة للجميع”، من دون تحديد المكان، ولكن عندما يكون التصريح مرتبطاً بأحداث عينية، مثل التصدي لاقتحامات المستوطنين لباحات الأقصى، فلا يمكن تفسير ذلك التصريح إلا في سياقه، أي حرية العبادة للجميع في باحات الأقصى، والأمثلة كثيرة، ومنها:

تحت عنوان “حرية العبادة يمكن تحقيقها خلال سنوات قليلة”، كتب أرنون سيغَل، أحد النشطاء المركزيين في تجنيد المستوطنين لاقتحام الحرم، نقلاً عن وزير الأمن الداخلي الأسبق جلعاد أردان، في موقع “مكور ريشون” يوم 13/10/2019 ما يلي:

“في العام 2015؛ العام الّذي استلم فيه أردان وزارة الأمن الداخلي، زار الحرم 10 آلاف يهودي إسرائيلي. وخلال العام 2018، ارتفع العدد إلى 35 ألف يهودي. هذا ليس عدداً كبيراً مقارنة بعدد السائحين غير اليهود الَّذي زاروا الحرم، ولكن نكهة النتيجة يمكن استشعارها في الهواء”.

وأضاف سيغل: “أردان هو الَّذي أخرج المرابطين والمرابطات الذين يتصدّون لليهود في باحات الحرم، حتى إنه أخرج الحركة الإسلامية الشمالية خارج القانون. في السنة الأخيرة، قاد تغييرات تاريخية عندما فتح المكان المقدس لليهود في التاسع من آب/أغسطس. وفي يوم القدس، على الرغم من أنه جاء في نهاية شهر رمضان، إذ يتم عادة إغلاق الحرم أمام غير المسلمين، وعلى الرغم من حصول موعد صيام التاسع من آب/أغسطس خلال أيام عيد الأضحى للمسلمين. رغم ذلك، ورغم الاحتجاجات الدولية، تم فتح الحرم أمام اليهود، ما أعطى الجمهور اليهودي أملاً بالانقلاب على الواقع الذي يميز ضد اليهود. وعليه، إنَّ الوزير أردان لا ينفي إمكانية حصول ثورة كهذه قريباً”.

هكذا، يقول أردان لسيغل، “نستعيد سيادتنا على المكان. يحصل ذلك عندما يزداد عدد اليهود الذين يريدون زيارة الحرم، ويتبلور المطلب الذي أتمناه، فنمارس الضغوط اللازمة لتغيير الستاتيكو التاريخي الذي يميز ضد اليهود، مع الأخذ بعين الاعتبارات توازنات المصالح الدولية”.

أردان ليس وحيداً بين الساسة الإسرائيليين الذين تحدثوا عن هدف تغيير الستاتيكو المعمول به في الحرم؛ فالوزير بيني غانتس، حين كان وزيراً للأمن ورئيساً مشاركاً لبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة، قال لمراسل “واي نت” يوم 9 أيار/مايو 2021، ارتباطاً بالصدام الذي حصل مع المستوطنين المقتحمين للحرم: “سنحافظ على حرية الجميع في العبادة في كل الأماكن المقدسة”.

قد يبدو هذا التصريح أكثر عمومية، لأنه يتحدَّث عن حرية العبادة في كل الأماكن المقدسة، ولكن عندما يرتبط التصريح بالصدام الحاصل بين المسلمين والمستوطنين اليهود في الحرم، لا يمكن فهم هذا التصريح بمعناه العام، إنما يقصد به “حرية اليهود في العبادة” في الحرم القدسي، مثل باقي الأماكن المقدسة.

ما يؤكد ذلك أنّ غانتس في تصريحه المذكور أضاف: “إن إسرائيل ستعمل ضد كل جهة متطرفة تحاول بدوافع سياسية داخلية وخارجية أن تمسّ بإسرائيل”.

وعليه، لا يمكن أن نفهم هذه التصريحات بمعناها غير المحدد، بل يأتي هذا التعميم بهدف تضليل الرأي العام الخارجي من ناحية، ولكنها ترضي الرأي العام الداخلي الذي يفهم القصد المخفي في طياتها من خلال الممارسة على الأرض من ناحية ثانية.

في اليوم ذاته، وفي المناسبة نفسها، قال بنيامين نتنياهو في افتتاح جلسة الحكومة: “سنحافظ على حرية العبادة في القدس، ولن نسمح بأعمال تخل بالنظام”.

إذاً، هل يختلف تصريح نفتالي بينيت عن تصريحات غانتس ونتنياهو؟ وهل هو حقاً أول من أطلق تصريحاً يتحدث فيه عن “حرية اليهود في العبادة في الحرم”؟!

عن هذا السؤال، يجيب عضو الكنيست الفاشي بتسلئيل سموطرتش نفسه، يوم 19 تموز/يوليو الحالي، تعليقاً على تراجع بينيت عن تصريحه الأول، فيقول: “منذ نصف سنة، سُمِح لليهود بالصلاة داخل الحرم. نتنياهو وأوحانا فعلوا ذلك بهدوء، من دون أن يصرحوا به ليكسبوا رصيداً. أما بينيت، فقد خرج بتصريح علاقات عامة مكشوف، كي يكسب رصيداً. ولذلك، اضطر إلى التراجع، وتسبب بضرر يمكن أن يعيد المسيرة إلى الوراء، ويضر بحق اليهود بحرية العبادة في الحرم. هذا هو الفرق بين التصرف بمسؤولية والتصرف بشعبوية”.

وهنا أيضاً، يكشف سموطرتش عن منهجية العمل الذي تمارسه الحركة الصهيونية، فالممارسة، في نظره، أهم من التصريحات، أو التقدم بخطوات عملية من دون التصريح بذلك، حتى يتم خلق واقع جديد قبل التصريح به.

بين التراجع والإقدام

تراجعت الحكومة الإسرائيلية السابقة في دعم الاقتحامات خلال معركة “سيف القدس”، ثم عادت وفتحت الباب للاقتحامات مجدداً. لماذا؟

نقل موقع “سروغيم” التابع للمستوطنين، يوم 20/5/2021، عن عضو الكنيست الفاشي بن غفير قوله: “إن لم يتم فتح بوابات الحرم غداً الساعة السابعة صباحاً أمام اليهود، فهو لن يفتح ما دام نتنياهو باقياً في الحكم”.

هكذا وضع نتنياهو أمام تحدٍّ كبير، وهو في قمة جهوده لتشكيل حكومة. وفي اليوم التالي، فُتح الحرم أمام اليهود، ليس في السابعة صباحاً، وإنما في الحادية عشرة قبل الظهر، ليدخل إليه 20 مستوطناً بحماية الشرطة.

وعلق أرنون سيغل على ذلك يوم 23/5/2021 بقوله: “ليس مهماً كم كان عدد اليهود الذين دخلوا الحرم، المهم أن تُفتح الأبواب أمامهم”. وأضاف: “لقد حصل ذلك بفضل عشرات اليهود الذين انتظروا أمام البوابات، وبفضل نشطاء وأعضاء كنيست وصحافيين مارسوا الضغوط للوصول إلى صورة النصر هذه. لن نرتاح حتى نحصل على مطلبنا في حرية اليهود في العبادة في الحرم، وحتى استكمال النصر”.

هذا التصريح، عند مراجعة مضمونه بهدوء وعمق، يكشف لنا كغيره من التصريحات عن أسلوب التفكير والعمل، وعن المنهجية التدرجية للوصول إلى الهدف، وهو “حريّة اليهود في العبادة في الحرم”، والذي سيتبعه تقسيم زماني ومكاني له، وفق ما ينشر في مواقعهم الإلكترونيّة، ويكشف عن أسلوب الضغط المتعدد الجهات، وعن أسلوب الابتزاز الذي يمارسه أحزاب أو أعضاء كنيست يريدون أصوات الناخبين المتطرفين.

في الخلاصة، لا تسمعوا أقوالهم، بل انظروا إلى أفعالهم! هكذا أوصاهم بن غوريون حين سأله مؤيدوه عن كثافة تصريحاته “رغبةً في السلام مع العرب”، فردّ قائلاً: “لا تصغوا كثيراً إلى شفتيَّ، بل انظروا إلى أفعالي!”.

الخلاصة الثانية أنَّ التراجع والإقدام في سلوك الحركة الصهيونية مرتبطان بحساب المخاطر أو الفرص المتاحة؛ فحين تسنح الفرصة بذلك لا يتردّدون في خلق واقع جديد لتحقيق هدف مرحلي ضمن مسيرة طويلة. وحين يتمّ التصدي لهم يتراجعون، أو يلجأون إلى الحيلة والخبث أو العمل في الظلام، وإلى العمل التدرجي وخلق واقع على الأرض قبل التصريح به، لكنَّ المتابع بعمق لمخطّطاتهم، أو التي تلك يصرح عنها بعض المتطرفين للتعبير عن استعلائهم العنصري، وبهدف تجنيد غلاة المتطرفين في صفوفهم، يكشف حقيقة التضليل الإعلامي المقصود وسر التقدم أو التراجع الحاصل في نهجهم السياسي.

الخلاصة الأهم، بعد أن نجح الضغط في تراجع رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت عن تصريحه المذكور، ونجح التحرك الشعبي في أيار/مايو بمنع المستوطنين من اقتحام الحرم في يوم القدس، ونجح الضغط في منع إقامة البوابات الإلكترونية، ونجح التحرك الشعبي في منع مسيرة الإعلام الإسرائيلية داخل البلدة القديمة في يوم القدس، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً… يبقى السؤال: ألم يحن الوقت بعد ليتعلم العرب أن نهج المقاومة هو الذي يحد من طموحات الحركة الصهيونية وممارساتها، وأن نهج الاسترضاء والشكوى لا يزيد المتغطرسين إلا تكبراً واستخفافاً بالآخرين؟

وكيف يمكن تحويل هذا التراجع من خدعة وتضليل إلى إنجاز فلسطيني أردني مشترك أو إنجاز إسلامي يحد من طموحات غلاة الفاشيين الصهاينة في الاستيلاء على الحرم القدسي؟ ولماذا لا تقوم دائرة الأوقاف بمنع أي شكل من أشكال الزيارة للحرم القدسي الشريف لغير المسلمين في شهر رمضان الكريم وعشية المناسبات الدينية الإسلامية على الأقل، تعبيراً عن السيادة الإسلامية الحقيقية على الحرم بمساحة 144 دونماً غير منقوصة؟

إذا كانت الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية تستطيع إغلاق كنيسة القيامة أمام العالم بقرار من البطريركية، ولا تستطيع أي قوة سياسية أن تمنعها من ذلك، فلماذا لا تستطيع دائرة الأوقاف الإسلامية القيام بخطوات مشابهة في الحرم؟

أليف صباغ

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى