تحليل

هل اقتربت المواجهة بين “إسرائيل” وحزب الله؟

في الأوساط الإسرائيلية، تتغلب أسهم احتمال حصول حرب بين “تل أبيب” ولبنان، والسبب بحسب تلك الأوساط، أن لا

مصلحة لـ”إسرائيل” في الرضوخ لتهديدات حزب الله في موضوع الخلاف البحري مع لبنان والتنازل لبيروت في هذا الملف،

لأن تبعات ذلك على موقف وموقع “إسرائيل” قد تتجاوز تبعات المواجهة، مهما كانت الأخيرة شرسة، وهي حتما ستكون كذلك، فيما لو اندلعت.

بالنسبة إلى “إسرائيل”، الرضوخ اليوم وإعطاء حزب الله ورقة “نَفّذ كلمته كما أراد” لا يُبعدان الحرب ولا المواجهة معه، لا بل

بالعكس، الرضوخ له اليوم، يرفع معنوياته أكثر وأكثر، مع أنها مرتفعة أصلاً، وهذا الموقف المعنوي الذي سيكون فيه سوف

يشكل له حافزاً أكثر تقدماً نحو المغامرة ومواجهة “إسرائيل”، وحزب الله منخرط أساساً ودائماً في صراع واسع مع الكيان،

وصراع مفتوح وغير مرتبط حصراً بالترسيم البحري، فقضية احتلال “إسرائيل” لفلسطين واغتصابها الأراضي والمقدسات

العربية والإسلامية، ووجودها في المنطقة ككيان غاصب عناصر أساسية في عقيدته، ومواجهتها أمر وجودي يستوجب

الكفاح والعمل والقتال لإنهاء هذا الوجود، واستطراداً، لإزالته، وهذه العناصر الأساسية، هي التي تسيّر استراتيجيته الثابتة

في هذا الصراع التاريخي.

وبالنسبة إلى حزب الله، هو ثابت على مواجهة الكيان بكل ما للكلمة من معنى، وقد حدّد بوضوح ماذا يريد في هذه الجولة

(الترسيم البحري) واضعاً قواعد اشتباك في معادلة قوامها كاريش وما بعد بعد كاريش، وهو غير معني بأي توقيت لا يضعه

هو لأي مواجهة، إلّا طبعاً ما يراه تجاوزاً لقواعد اشتباك أساسية، كان قد وضعها خلال مسار طويل من المواجهة مع

“إسرائيل”، ومنها مثلاً أن تقوم الأخيرة باعتداء أو باغتيال غادِر يستوجب الرد الملائم.

من جهة أخرى، يرى حزب الله أن إنهاء ملف الترسيم البحري مع “إسرائيل”، وبشروطه، أي بشروط الدولة اللبنانية، يشكل

عنصراً رئيساً من عناصر المواجهة مع “إسرائيل”، إذ إنه عملياً يرى أن مناورة الحصار والضغوط الاقتصادية على لبنان، إنما هي

عنصر من عناصر الحرب على لبنان، وجولة أساسية منها، وانتصار لبنان في هذه الجولة يدخل في صلب المواجهة؛ مواجهة

“إسرائيل” طبعاً، والأهم، مواجهة راعي “إسرائيل” الأبرز، أميركا.

من هنا، يظهر حزب الله أهمية جد حساسة لملف الترسيم البحري، كمواجهة مركبة من عدة أوجه: اقتصادية، ومعنوية،

وسياسية، وعسكرية، والأوجه الثلاثة الأوَل مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالوجه العسكري، وذلك عبر قاعدة الاشتباك التي فرضتها معادلة “كاريش” وما بعد بعد “كاريش”.

من جهة أخرى، فإن تحقق لبنان وحزب الله الانتصار في هذه المواجهة، يتحقّق فيما لو أنجز في الأوجه الثلاثة الأوَل:

الاقتصادية، والمعنوية، والسياسية، من خلال إنهاء ملف الترسيم البحري، كما يريد لبنان، من دون أن تضطر المقاومة

إلى الدخول في الخيار العسكري.

وبناء عليه، نجد أن حزب الله يلتزم ما تقرّره الدولة اللبنانية، من خلال الفريق الذي يفاوض “إسرائيل” بطريقة غير مباشرة

وبرعاية واشنطن عبر مبعوثها هوكستين، ونجده أيضاً ملتزماً، على نحو كامل (إعلامياً وسياسياً)، بالخطوط التي وضعها في

معادلة “كاريش” وما بعد بعد “كاريش” ، من دون أن يتطرّق أو يتأثر بما يثار في “إسرائيل” حول هذا الملف من تشويش أو انتقاد أو تحريض.

هذا الالتزام يبديه حزب الله في هذا الملف أولاً: لناحية الوقوف وراء الدولة اللبنانية فيما تقرّره أو تطالب به (طبعاً إذا بقيت

هذه المطالب تحترم وتضمن حقوق لبنان الواضحة)، وإذا بقي رجال السلطة ملتزمين بهذه الحقوق، ولم يتنكر لها أحدهم

خوفاً أو تراجعاً أو تواطؤاً، وثانياً: لناحية عدم الرد أو الاهتمام أو الاكتراث لما تظهره أو تتقصد إظهاره الأوساط الإسرائيلية،

بهدف التشويش على ملف الترسيم البحري، أو بهدف استعمال هذا التشويش غطاءً، للتشويش الجادّ على ملف أبعد،

وهو ملف الاتفاق النووي مع إيران،

حزب الله لن يتراجع لناحية التوقيت الذي وضعه للحصول على الرد الإسرائيلي الواضح الذي يجب أن يترجَم إجراءات واضحة،

لا تحمل تمييعاً ولا إضاعة للوقت، كما أنه لن يتراجع أيضاً عن تنفيذ معادلته الرئيسة التي أدار فيها دعمه للدولة اللبنانية

عبرها، أي معادلة “كاريش” وما بعد بعد “كاريش”، إذا حاولت “إسرائيل” تجاوزها وعمدت إلى استخراج الغاز قبل وصول

هذا الملف إلى المستوى الذي أراده لبنان، حين اختار الذهاب إلى التفاوض غير المباشر مع العدو لتسويته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى