شؤون العدو

هذا ليس نتنياهو، بل هو الشعب

بقلم: جدعون ليفي – هآرتس 

يمكن أن نهاجم رئيس الحكومة بقدر ما نريد، فهو يستحق ذلك. ولكن في نهاية المطاف يجب علينا أن نقول: هذا ليس بنيامين نتنياهو، هذا هو الشعب. على الاقل أغلبيتنا. كل مظاهر الشر في الايام الاخيرة وكل المهرجانات هدفت الى اشباع الشهوات الدونية والمشاعر الظلامية لدى الاسرائيليين. الاسرائيليون أرادوا أكبر قدر من الدماء في غزة، واجراء طرد في تل ابيب، بقدر ما يمكن. لا توجد أي وسيلة لتجميل ذلك، من المحظور اخفاء ذلك. نتنياهو المترهل والمتملق والقابل للاستهزاء والشرير والمتهكم، يتم تحريكه بواسطة طموح واحد وهو أن يظهر جميل في أعين الاسرائيليين وأن يشبع رغباتهم. هم أرادوا دماء وطرد.

ليت أن المشكلة كانت تكمن في نتنياهو وحكومته، حينها بعد جولة انتخابات اخرى وربما جولتان وينتهي الامر. ويصعد الى الحكم الاخيار. غزة وطالبي اللجوء سيخرجون الى اجازة، التحريض الفاشي سيهدأ، مكانة المحكمة ستكون مضمونة واسرائيل ستكون في المكان الذي نتفاخر فيه. هذا سحر زائد. لذلك، حتى لو أن الحرب ضد نتنياهو مهمة فهي في كل الاحوال ليست مصيرية. الحرب الحقيقية اكثر بؤس وحدودها أوسع بكثير: هي حرب على الشعب، وحتى احيانا ضده.

من ينتقدون نتنياهو ايضا لا يعترفون بأنه يعرف تشخيص رغبة الشعب. فنتنياهو شخص أن اغلبية الشعب تريد تطهير عرقي في تل ابيب ووطنية وعنصرية وقسوة. أقل سوء من مؤيديه، حاول نتنياهو للحظة طريقة اخرى، اكثر انسانية ومنطقية. ولكن عندما اكتوى وأدرك أنه اضاع معرفة ارادة الشعب، استيقظ بسرعة قياسية وعاد الى نفسه: القاعدة الجماهيرية والناخب والاغلبية يريدون الشر، وهذا الطلب وفره لهم، وهذا لن تغيره الانتخابات. نتنياهو ليس الكارثة الحقيقية، بل حقيقة أنه في اسرائيل كل اظهار للانسانية هو مثابة انتحار سياسي.

هناك خط مستقيم من الشر والعنصرية يمر بين حدود قطاع غزة وجنوب تل ابيب. ففيهما اغلبية الاسرائيليين لا يرون بشر مثلهم يقفون أمامهم. الغزي والاريتيري هم أقل من مستوى البشر، ليس لهم أحلام، ليس لهم حقوق، وحياتهم لا تساوي أي شيء. في غزة قام جنود الجيش الاسرائيلي بقنص المتظاهرين غير المسلحين وكأنهم في حقل رماية. على اصداء صرخات الفرح من الجمهور ووسائل الاعلام. وفي جنوب تل ابيب يعودون الى الاعتقال والطرد. هذا يتم ايضا في ظل صرخات الفرح. هذا ما يريده الشعب. وهذا ما سيحصل عليه الشعب. حتى لو قتل الجنود مئات المتظاهرين في غزة فان اسرائيل لن يرف لها جفن. وسبب ذلك هو الشر وكراهية العرب. غزة لم تعتبر في أي وقت كما هي: مكان يعيش فيه بشر، سجن كبير مخيف، مكان كبير لاجراء التجارب على بني البشر، اغلبية الاسرائيليين الذين لم يتحدثوا في أي مرة مع احد الغزيين، تماما مثل رئيس حكومتهم، فقط يعرفون أن القطاع هو وكر للمخربين. لذلك من الجيد اطلاق النار عليهم. هذا شيء مروع، نعم، لكنه صحيح.

جنوب تل ابيب مثل القطاع ايضا. عندما يتحدثون عن “سكان جنوب تل ابيب” فهم يتحدثون فقط عن اليهود العنصريين الموجودين في اوساطهم. السود في جنوب تل ابيب لا يتم احتسابهم كسكان، مثلما هي الفئران ليست من سكانها. إن مستوى الشر الذي يتأجج تجاههم كان يمكن لمسه في الردود على التسوية التي قدمها نتنياهو: لماذا نطرد الى اوروبا وكندا؟ لماذا ليس الى افريقيا؟ ولماذا لا يتم الطرد بالقوة؟ هذه شهوة الشر التي يصعب فهما. نتنياهو فقط ركب على موجة هذه المشاعر المرفوضة وقام باشعالها. هو لم يخلقها. من الواضح أن زعيم كبير كان سيحاربهم، لكن زعيم كهذا لم يبدأ في الظهور في الأفق في اسرائيل. ايضا تغيير الشعب لا يبدو في الوضع الراهن خيار حقيقي.

أمام كل هذا الشر هناك ايضا، بالطبع، اسرائيليون آخرون. ليس هناك ما يدعو الى عدم تسميتهم باسمهم الصحيح: أفضل، انسانيون، رحماء، اصحاب ضمائر، اخلاقيون ويساريون. هم حقا اقلية كبيرة نسبيا، لكن الحرب التي منعتهم الاغلبية وحكومتها من شنها، تصيبهم بالشلل. اذا كان كوبي ميدان قد اعتذر لأنه تجرأ على الخجل، فان هذا دليل على أنهم ما زالوا يتعرضون للضرب. اذا كانت المذبحة في غزة وطرد سكان جنوب تل ابيب لا تخرجهم بغضب الى الشوارع، على الاقل مثلما في مذبحة صبرا وشاتيلا، حينها سيكونون جنس آخذ في التراجع والاختفاء، وسنبقى مع الاغلبية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى