تحليل

هارتسوغ في الإمارات.. لماذا لا نرى الواقع كما هو؟

أليف صباغ

هي ليست دعوة إلى القبول بالواقع، لكن تغييره يتطلب أولاً أن نراه كما هو، وإن لم نستطع تغييره، فلا بد أن نختار نهجاً أو طريقاً آخر للخروج من البيئة الملوثة أولاً!

وصل الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، اليوم الأحد، مع زوجته، إلى الإمارات العربية المتحدة، في زيارة تستمر يومين، بدعوة من ولي العهد الإماراتي، وصفها الإعلام الإسرائيلي بـ”التاريخية”، باعتبارها أول زيارة لرئيس إسرائيلي إلى الإمارات. يلتقي خلالها هرتسوغ مع ولي العهد الإماراتي، الأمير محمد بن زايد، الذي وصفه الإعلام الإسرائيلي بالـ”شليط” بالعبرية، وتعني الحاكم المتسلّط. وإن عبّر هذا عن شيء، فإنما يعبّر عن الاحتقار الذي يكنّه الإسرائيليون الصهاينة لـ”صديقهم” الجديد. كما يلتقي الضيف رئيس الحكومة الإماراتي ووزير الخارجية، ويجري معهما مباحثات بهدف “تعزيز التقارب بين الشعبين”. وبالرغم من أن رئيس “الدولة” لا يمتلك أي صلاحيات لإجراء مباحثات سياسية، لكن يبدو أن المستوطنين هنا وهناك يحتاج بعضهم إلى التعلم من تجارب بعض كيف يتم اختلاق الشعوب.

سبقت هذه الزيارة، التي تمّ الإعداد لها والإعلان عنها منذ فترة طويلة، سلسلة من الأحداث والخطوات المرتبط بعضها ببعض؛ منها تواصل رئيس الحكومة الإسرائيلي نفتالي بينيت مع ابن زايد، في أعقاب الرد اليمني الأول على العدوان الإماراتي السعودي في اليمن، وأبدى بينيت استعداد حكومته لتقديم كل المساعدات “للتحقيق” كيف استطاعت اليمن اختراق الدفاعات الجوية الإماراتية، كما أبدى استعداد “إسرائيل” لمدّ الإمارات بكل المنظومات التكنولوجية لمواجهة المسيّرات اليمينة المقبلة ضد المنشآت الحيوية الإماراتية.

هذا الاستعداد ليس حسنة تقدّمها “إسرائيل” إلى الإمارات، ولا هو عربون صداقة أو وفاء بعهد، بل يعني “التحقيق” اختراقاً في شرايين النظام الأمني الإماراتي وعظامه، والذي يتبعه، بالتأكيد، تزويد الإمارات بمنظومات دفاعية باهظة الثمن، وتدخلاً في الهيكلية الأمنية وتدريبات أمنية، وترفيع عناصر وإقالة عناصر آخرين، وهذا كله لا ينتهي إلا بالهيمنة الإسرائيلية الكاملة على الجهاز الأمني الإماراتي.

إذا تذكرنا أن مَن أنشأ البنية التحتية للإنترنت ومنظومة السايبر في الإمارات، في العام 2012، هو شركات إسرائيلية، وأن الإمارات تقوم بتدريبات ومناورات عسكرية جوية مع سلاح الجو الإسرائيلي، برعاية أميركية ضمن القيادة المركزية للجيش الأميركي والجيوش التابعة له في الشرق الأوسط، فلا نجد غرابة في ما ذكرناه آنفاً.

سبق ذلك أيضاً إعلان السفير الأميركي في “إسرائيل” توم نيديس، يوم الجمعة المنصرم، إقامة “مجموعة عمل” تضم سفراء أميركا والبحرين والمغرب والإمارات مع ممثلين لوزارة الخارجية الإسرائيلية، لتعميق اتفاقيات التطبيع وتوسيعها.

في نهاية الأسبوع المنصرم أيضاً أعلنت مملكة البحرين اتفاقها مع “إسرائيل” على أن تقوم الأخيرة بتدريب أجهزة الأمن البحرينية وإعادة تنظيمها وهيكلتها بما يتناسب وتعزيز التعاون الأمني بين البحرين و”إسرائيل”، إضافة إلى تعاون إسرائيلي بحريني في وضع منهاج التعليم في البحرين!! فهل يوجد اختراق أمني أكثر من هذا؟

إذن، كيف تستطيع الأجهزة الأمنية للدول العربية، غير المطبّعة، التعاون، بعد اليوم، مع الأجهزة الأمنية التي تدرّبها “إسرائيل” وتزوّدها بالأجهزة، بما في ذلك أجهزة التجسّس؟ وهل يستطيع وزراء الداخلية العرب بعد اليوم أن يجتمعوا، لتبادل المعلومات والخبرة والتنسيق، في ما بينهم من دون الحضور الإسرائيلي؟ الجواب لا بالتأكيد.

ليس هذا وحسب، بل يمكن ملاحظة السلوك العدواني المغربي، مؤخراً، ضد المدنيين من أبناء الصحراء الغربية؛ فالطائرات المسيّرة تقصف عائلة كانت ترتاح من رحلة طويلة بحجة أنها موجودة بالقرب من “الجدار الأمني” بين المغرب وقوات البوليساريو. أما طائرات “سكاي هوك” و”اف 16″ فتغِير على مواقع مختلفة في الصحراء الغربية بحجة ملاحقة قوات البوليساريو.

كل هذا يحدث بالتنسيق مع “إسرائيل”، وضمن الاتفاقيات التي وقّعتها المغرب مع الحكومة الإسرائيلية، واعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء الغربية. ترامب اعترف وبايدن استمر في ذلك.

أما في أفريقيا، فـ”إسرائيل” تتقدم بخطوات سياسية غير عادية، وتدّعي أنها تقدّم “المساعدات” لـ 46 دولة أفريقية، وهي تنتظر أن يمنحها المؤتمر الأفريقي الـ35 صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي بموافقة مصر، وربما برعايتها، بالرغم من رفض الجزائر وجنوب أفريقيا لهذا المقترح، وبالرغم من أن “إسرائيل” ليست دولة أفريقية.

لكل هذا، ألم يحن الوقت لإنشاء محور اقتصادي مشترك بين دول محور المقاومة، وتعاون بين المؤسّسات العلمية، للنهوض بالمجتمعات التي تتحدّى الهيمنة الاستعمارية؟ وإنشاء مؤسسات أمنية وسياسية لدول محور المقاومة بعيداً عن محور التطبيع والتعاون الأمني مع “إسرائيل”؟

ألم يحن الوقت لتُدفَن مؤسسة “جامعة النعاج”، لأنها فشلت، منذ تأسيسها لغاية اليوم، في جمع كلمة العرب إلا على التدمير والخراب وتنفيذ سياسات الاستعمار؟

وهل يجوز، بعد اليوم، أن يبقى ملك المغرب رئيساً للجنة القدس في هذه الجامعة؟ ألم يحن الوقت لجمع كلمة الشعوب العربية التي تطمح إلى التحرر من أنظمتها العميلة والنهوض بها نحو مستقبل أفضل؟

لا تقتصر الأخطار الأمنية من جرّاء الاختراقات الإسرائيلية العلنية لأنظمة الخليج على الأنظمة نفسها وعلى شعوبها، بل علينا أن نتذكر وجود ملايين العرب والإيرانيين العاملين في هذه الدول ولهم فيها مصالح اقتصادية كبيرة، إضافة إلى وجود شركات دولية كبيرة تعمل في الإمارات بصفتها مركزاً اقتصادياً، إقليميا ودولياً، وقد أصبح للإمارات نفوذ كبير في عدد من خطوط التجارة الدولية، ولا سيما البحرية منها.

كيف تحقق “إسرائيل” هذا النفوذ الأمني وما هي أهدافه؟

لا شك في أن سطوة أميركا على أتباعها، من الحكام العرب وغيرهم، تصبّ في مصلحة “إسرائيل”، حيث يعتبر كثيرون من الحكام في آسيا وأفريقيا أن رضى أميركا  يمرّ عبر تل أبيب، وإذا ما تابعنا هذا، نجد أن أميركا و”إسرائيل” متفقتان على هذا المسار، حتى إن بعض السفراء وموظفي وزارة الخارجية الأميركية والمستشارين يوجّهون هؤلاء الحكام إلى هذا المسار، وكأن “إسرائيل” هي الوكيل الحصري لأميركا، بقصد خلق حالة من التطبيع مع “إسرائيل”.

أما العوامل الأخرى فتكمن في حاجة هؤلاء الحكام إلى أجهزة التجسّس ضد شعوبهم، وحاجتهم إلى تدريب وحدات خاصة لحماية أنظمتهم القمعية والفاسدة، كما يحتاجون إلى أسلحة ومنظومات عسكرية أو مدنية يروّج لها تجار السلاح الإسرائيليون المنتشرون في العالم الثالث على شكل تجّار أو مدربين عسكريين أو مستشارين أمنيين… وأشكال أخرى. وآخر ما كتبه المعلّق العسكري والأمني في صحيفة هآرتس، يوسي ملمان، تحت عنوان “السعودية تقايض (إسرائيل)، التجسّس مقابل التطبيع”، يقول: “إن (إسرائيل) تستخدم قدراتها التجسّسية من أجل دفع علاقاتها الخارجية، وهذا ما حصل في ما يتعلق باتفاقيات أبراهام”.

تُعتَبر “إسرائيل”، بموجب اعترافات إسرائيلية، من أعلى المستويات، أنها مصدر أساس لتصدير الجريمة المنظّمة إلى دول العالم، وكانت أجهزة التفتيش الإماراتية، قبل أسبوعين، قد اعتقلت “مواطناً إسرائيلياً” كان يحتفظ بنصف طن من الكوكايين في غرفته بالفندق، وينوي تهريبه إلى دولة أخرى أو توزيعه داخل الإمارات.

كما تعتبر “إسرائيل”، بالرغم من صغر حجمها، مُصدّراً كبيراً للسلاح والأجهزة التجسّسية، والخدمات الأمنية المتعددة إلى العالم، وخاصة إلى الأنظمة القمعية والفاسدة منها، مثل أذربيجان وفيتنام وميانمار ورواندا (في ظل المذابح التي حصلت هناك) وجنوب السودان، إضافة إلى دول كثيرة لا يُكشف عنها.

وفي السنوات الخمس الأخيرة، ارتفع حجم تصدير السلاح بنسبة 50%  ليبلغ حجم المداخيل الإسرائيلية من تصدير الأسلحة في العام الأخير  10.3 مليارات دولار، وهذا يعني ارتفاعاً مستمراً مقارنة بالسنوات السابقة. ويعمل لترويج هذا الأسلحة، وفقاً للمعلومات الإسرائيلية المنشورة، أكثر من 5000 تاجر سلاح ومدرّب أمني، أو شركات حماية أمنية إسرائيلية تعمل في الخارج.

في تقريرها السنوي، عام 2006، أعلنت منظمة “آمنستي” أن “تجار السلاح الإسرائيليين يشعلون الحروب في أنحاء العالم الثالث”. وفي عام 2015 قالت الصحفية الإسرائيلية، “إفرات لخطر”، في تقرير مصوّر على موقع  N12، إن “تجار السلاح الإسرائيليين يشعلون الحروب في أفريقيا”. ولم يتغير شيء من هذا لغاية اليوم.

إضافة إلى ذلك، وفي تقرير خاص لـ”منظمة ائتلاف نساء من أجل السلام”، الإسرائيلية، لعام 2019 يقول: “إن (إسرائيل) تبيع السلاح على أنها مجرّبة ميدانياً، إذ يتم تطوير الأسلحة وتجربتها على الفلسطينيين في المناطق المحتلة، وتصوير ذلك، بهدف تسويقها. وفي حين تستعين الدول المصدّرة للسلاح بأفلام محاكاة ((simulation لترويج أسلحتها، يستعين التجار الإسرائيليون بمقاطع أفلام حقيقية من الميدان الفلسطيني، حيث يتم تجريب الأسلحة الحديثة”. المنظمة قالت يوم 22/7/2021، إنها “صناعة لها دولة”. وكل عمل عسكري بالطائرات المسيّرة يمثّل مادة لتسويقها إلى العالم. ويعترف كبار المصنّعين للأسلحة في “إسرائيل”، بتصريحاتهم في الفيلم الوثائقي “همعبداه” أي المختبر، أن “المناطق المحتلة أصبحت مختبراً لتجربة الأسلحة الإسرائيلية وتسويقها”.

في أيامنا، يبدو أن الميدان الفلسطيني لم يعد كافياً لتجربة الأسلحة الإسرائيلية، والمنظومات “الدفاعية” للطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، لذلك تحتاج “إسرائيل” إلى الميدان الخليجي لتجريب ذلك، وعليه فهي “تقلق” من أي مصالحة أو تفاهمات لوقف الحرب العبثية ضد اليمن، وهي “تقلق” من أي لقاء عربي خليجي مع إيران، وتفجّر الصراع من جديد في الصحراء الغربية لتعزيز علاقاتها مع المغرب، ومن خلاله تعزّز نفوذها في أفريقيا. في الوقت ذاته، تتوغل “إسرائيل” في المؤسّسات الأمنية والسياسية في البحرين والإمارات والمغرب والسودان، وفي السعودية وغيرها من الأنظمة التابعة لأميركا في الغرف المغلقة، لتحكم سيطرتها وهيمنتها على خيرات هذه الشعوب، وبرعاية وسطوة أميركيتين كاملتين.

في مقابلته الأخيرة والشاملة مع الصحافة الإسرائيلية، يوم الجمعة المنصرم، يلخّص نفتالي بينيت، رئيس الحكومة الصهيونية، هذه السياسة التي تُجمع عليها كل الحكومات الإسرائيلية، بقوله: “نحن نبذل كل جهد لنكون ذُخراً للعالم، نخلق حالة من ارتباط الآخرين بنا، ونستخدم القوة أكثر من أي طرف آخر في محيطنا من خلال تشكيل تحالفات وعلاقات إقليمية”.

هذا هو الواقع، وعلينا أن نراه كما هو، إنها ليست دعوة إلى الاستسلام له، بل هي دعوة إلى رؤية المشهد كما هو. العالم من حولنا يتغيّر، ويشهد اصطفافات إقليمية ودولية جديدة، ونحن نشهد، ونقيّم عالياً، تقدّم محور المقاومة وصموده الأسطوري في وجه التحديات الكبرى، لكن في المقابل، هناك تقدم ملحوظ أيضاً، بمضمون آخر، لمحور الشر الذي ترعاه أميركا في منطقتنا، ولا يجوز إنكاره.

لم يعد مقبولاً، ولا مفيداً، الحفاظ على الأطر والمؤسسات “العربية الجامعة” السابقة. لقد تلوّثت إلى حدّ كبير وتنخرها فيروسات كورونا حتى العظم، حتى أصبحت تمثّل خطراً على سكانها. لذلك، لم يعد الصمود وحده كافياً لنهوض محور المقاومة، إن لم ترافقه خطة عمل بديلة، وإنشاء مؤسسات بديلة، اقتصادية وسياسية وأمنية، تقود وتنفّذ خطة العمل هذه!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى