الأخبارشؤون العدو

ميرتس تزعجهم

هآرتس _ دمتري شومسكي

أحد الاسئلة المهمة التي سيضطرون الى مواجهتها بعد جيل أو جيلين المؤرخون في دولة اسرائيل عند استعراض سيرة اليسار الاسرائيلي في زمن حكم نتنياهو، سيركز على صحيفة “هآرتس”. حيث سيسألون كيف يعقل أن الصحيفة الوحيدة والاخيرة التي أسمعت صوتا واضحا ضد مشروع الاحتلال والاستيطان التدميري وضد الاعتداء المتواصل على الليبرالية الديمقراطية في اسرائيل – كيف أن هذه الصحيفة اختارت أن تضرب، وفي احيان متقاربة، الحزب الاسرائيلي الذي يحارب هذه الظواهر.

في الايام الاولى التي اعقبت نشر الاستطلاع في القناة الثانية، الذي حاول فحص كيف كانت ستبدو الكنيست لو حدثت الانتخابات الآن، وعرضت “هآرتس” في تعاطيها المباشر مع ميرتس على ضوء الاستطلاع، شيئا يشبه المشهد العبثي في معركتين انتخابيتين. في مركز المعركة الاولى كان الحديث في الصحيفة حول الوضع الانتخابي المتوقع لميرتس بعدسة نتائج الاستطلاع. ومن لم يعرف ذلك لأنه اعتمد على تقارير “هآرتس” – فانه رغم التأبين الذي قيل عن الحزب، ما زالت ميرتس في حالة صعود حسب الاستطلاع، من 5 الى 7 مقاعد. ولكن بدل القول ببساطة ووضوح إنه بناء على الاستطلاع زادت ميرتس قوتها – كما جاء مثلا في القناة الثانية – وصفت “هآرتس” زيادة قوة ميرتس بلغة غامضة – “استقرار” على 7 مقاعد – حيث لا يمكننا أن نفهم من ذلك المغزى التفاؤلي لنتائج الاستطلاع حول الحزب.

اذا كنا في المعركة الاولى شهود على انكار زيادة قوة ميرتس، ففي المعركة الثانية عادت الدعوة المناوبة لشطب الحزب من الخارطة السياسية الاسرائيلية. تسفيا غرينفيلد التي تتحدث في الاشهر الاخيرة في هذه الصفحة كل اسبوع تقريبا، وتقدم الاخلاق لبقايا اليسار الاسرائيلي دون أن تقدم له حتى ولو بديل فكري سياسي عملي واحد، باستثناء “حب اسرائيل” على شكله القبلي الديني المتدني والبدائي، لكنه مغلف باللغة المتقدمة شيئا ما – استنتجت من الاستطلاع أن على ميرتس الذوبان في حزب العمل (“هآرتس”، 5/12). وحسب غرينفيلد، نظرا لأن استمرار وجود حزب ليبرالي صغير يعتبر “متطرف” من قبل اغلبية الجمهور اليهودي، يشكل عقبة في طريق استكمال بلورة معسكر الوسط السياسي برئاسة يئير لبيد، الذي من شأنه استبدال بنيامين نتنياهو وأخذ اسرائيل بأمان في مسار الاتفاق السياسي مع الفلسطينيين.

غرينفيلد محقة في تشخيصها الذي يقول إن مؤيدي يوجد مستقبل – الذين عدد مقاعدهم يساوي حسب استطلاع القناة الثانية عدد مقاعد الليكود – يسيرون وراء لبيد لاعتقادهم أن لديه فرصة حقيقية لاستبدال نتنياهو. لكنها مخطئة ومضللة حين تفرض أن وراء سعي مؤيدي لبيد لاستبدال نتنياهو توجد رغبة لوضع حد للوضع الراهن للاحتلال والمستوطنات.

الاسرائيليون الذين يتوقع أن يصوتوا لحزب يوجد مستقبل يريدون طرد نتنياهو من قيادة الدولة لأنهم يخشون، وبحق، على صورة ومستقبل المجتمع والدولة الاسرائيلية على ضوء اسهامه المدمر وزعزعة بقايا الرسمية الاسرائيلية.

في المقابل، الاسرائيليون الذين من شأنهم التدفق الى الصناديق من اجل التصويت للبيد، لن يتجرأوا على قول كلمة “احتلال”. مثل الههم المحبوب، هم يتحفظون من “نحطم الصمت” ويعتقدون أن انتقاد اسرائيل بسبب استعباد شعب آخر هو تعبير عن اللاسامية. حتى لو كان بعضهم يتحفظ من شباب التلال بشكل لا يقل عن تحفظهم من “المتطرفين” و”بتسيلم”. إنهم على الاكثر سيكونون مستعدين لاقامة دولة غيتو فلسطيني هناك بين جنين ورام الله تكون مخنوقة من قبل المستوطنات “المُجمع عليها”.

لنتخيل الآن حكومة وسط كهذه تتحدث بروح الحوار الرسمي الجيد والقديم مع مفاهيم وحدة الشعب، حيث تكون حذرة من التحريض البيبي العلني ضد مواطني الدولة الفلسطينيين، ومستعدة لاخلاء عمونة من اجل عدم تعريض السلب “القانوني” للخطر في اريئيل ومعاليه ادوميم، وتستمر في توسيع المستوطنات بخطوات مدروسة على شكل ما تقوم به الكيرن كييمت لاسرائيل “دونم هنا ودونم هناك”. هل من اجل الوصول الى هذا الوضع الجديد هناك حاجة للتنازل عن وجود ميرتس؟ هذا هو حلم نتنياهو الوردي – أن يكون هناك مشروع احتلال واستيطان بدون ازعاج، لا من المسيحانيين المتطرفين ولا من “اليسار الراديكالي” مثل ميرتس – هذا الحلم الذي لا يستطيع تحقيقه بسبب غريزة التدمير الرسمية الكامنة فيه.

في المقابل، يمكننا السؤال بالطبع بكلمات غرينفيلد – ما هي اهمية “الابقاء على حزب كامل من اجل التصريحات فقط”؟ وهنا ايضا تخطيء غرينفيلد خطأ شديدا يعكس عدم الفهم حول التحولات الديناميكية للحوار الجماهيري التي بدأت في حقبة وسائل الاعلام الالكترونية. ففي العالم الذي من شأن كل تغريدة في تويتر أو الفيس بوك أن يكون لها تأثير فوري وقوي على وعي المواطنين الذين يجلسون امام عدد هائل من الدعاية السياسية التي تظهر في حواسيبهم – من الافضل عدم الاستخفاف بقوة وتأثير “التصريحات”.

مقابل “العرب يتدفقون على الصناديق” يفضل أن تقوم وسائل الاعلام الاسرائيلية باسماع اصوات الاحتجاج الحاسمة والحزبية ضد التحريض العنصري من اليمين وحوار “التطبيع المعتدل” للاحتلال من الوسط. اصوات الاحتجاج هذه ستستمر بالتدريج اكثر فأكثر، وبهذا تتحول ميرتس من حزب التصريحات الى جهة سياسية لها وزنها، لن يكون ممكنا تجاهلها أو تجاهل الجمهور الذي يقف من ورائها في مهمة تشكيل الائتلاف. الحديث يدور عن عمل النمل الصعب – لأنه لا توجد طريقة اخرى. وحسب الاستطلاع الاخير يبدو أن ميرتس تسير في الطريق الصحيح.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى