مقالات وآراء

من بيروت إلى موسكو.. حوارات إنشائية واتفاقات توضع على الرف

محمد بهلول – خاص طريق القدس

خلال اقل من اسبوع(10/17) كانون ثاني، شهدنا جولتين من الحوارات الفلسطينيه وان بعنوانين مختلفين،الاولى في بيروت (10/11)كانون ثاني للجنة التحضيرية للمجلس الوطني الفلسطيني والاخرى في موسكو(15/17) من اجل انهاء الانقسام واستعادة الوحدة.

التصريحات المواكبة على لسان الجميع من المشاركين اعطت انطباعا -للوهلة الاولى-ان اختراق ما قد حصل،سيما بعد مشاركة كل من حركتي حماس والجهاد الاسلامي للمرة الاولى في اجتماعات بيروت تحت عنوان التحضير للمجلس الوطني ودخول موسكو بعد مصر على جولات الحوار الفلسطيني الشامل(حيث ان باقي الدول حصرت الحوار بين ثنائية فتح وحماس).

موسكو التي استعادت دورا مميزا على الساحة الدولية بعد غياب استمر لاكثر من عقدين (عقب انهيار الاتحاد السوفياتي في تسعينيات القرن الماضي)ودخلت قطبا رئيسا على عالم توهم الكثيرون انه اصبح احادي القطب والحاضرة بقوة الان في الشرق الاوسط في ظل انكفاء امريكي واضح.

قمة التفاؤل لنتائج جولتي الحوار جاءت على لسان السيد عزام الاحمد الذي قال من موسكو ان الثماني والاربعين ساعه القادمة تحمل مفاجئة البدء بمشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية.

موسكو اختارت عنوان مركز دراسات مرموق لتغطية الحوار في اشارة الى ان هذه الحوارات لا تاخذ الرعاية الرسمية المباشرة للقيادة الروسية وان استقبل وزير الخارجية لافروف الوفد،وهذا دليل على ان موسكو لازالت تعتقد ان الظروف غير ناضجة لانهاء الانقسام الفلسطيني،في حين ان رعايتها الغير مباشرة تدخل في نطاق استثمار كافة الاوراق كونها قطب دولي وحاضر بقوة في المنطقة وكنوع من التوازن بين العلاقات الروسية-الاسرائيلية ،سيما ان الاطراف المعادية لدور موسكو في سوريا والمنطقة دائما ما تستثمر ورقة العلاقات الروسية مع اسرائيل للتشويش على الموقف الروسي وللحد من ازدياد شعبيته في اوساط الراي العام العربي والاسلامي.

بالعودة الى اجواء المفاوضات يمكن التوقف قليلا امام شكليات بقدر ما احدثت تحولات ايجابية،بقدر ما اظهرت حجم التحايل واصرار الجميع المشارك على اخفاء حقائق فعلية عن ماهية الانقسام واسبابه.

اولا: عندما يحضر الجميع اجتماعات بيروت للجنة التحضيرية (حماس والجهاد) للمجلس الوطني كتنشيط للروحية الوطنية الجامعة والتي تشظت كثيرا لاسباب مختلفة ولا سيما الصراع الاقليمي الدائر ما بين المحاور الاقليمية وامتداداته المحلية في كل بلد ،وتظهير منظمة التحرير ك(جامع) للوطنية الفلسطينية بجغرافياتها المختلفة -الاراضي المحتلة عام 1967 -اللاجئين ولا سيما خارج الوطن-الاراضي المحتلة عام 1948.. وتفعيل مؤسساتها، نعود في الحوار الى نقطة البداية بحصر هذه المهمة بحكومة وحدة وطنية للسلطه الفلسطينية(اي جغرافيا فلسطينية واحدة) على حساب الكل الفلسطيني الاخر هذا ما اكد عليه في بيروت لكنه تظهر بشكل فاقع في حوارات موسكو ،علما ان التفاؤل الذي ابدي لبدء المشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال(48ساعه) سرعان ما بخرته احداث غزة بشان الكهرباء وتصاعد حملة الاعتقالات المزدوجة وتسعير الحملات الاعلامية ، وبان للعيان ان موجة التفاؤل في غير محلها ولا تعدو كونها خطاب اعلامي لا يغني ولا يسمن من جوع.

ثانيا: التوقف امام تصريح السيد عزام الاحمد في اعقاب حوارات موسكو والذي اكد على (التميز)ما بين برنامج منظمة التحرير الفلسطينية وبرنامج حكومة السلطة باعتبارها حكومة الرئيس عباس، التعبير عن التميز قد يكون منطقيا ومقبولا لو ان الخطاب والاداء السياسي الفلسطيني على امتداد السنوات السابقة كرس هذا التميز في اطار التكامل ، لكن الواقع يثبت ان هذا التميز يدخل في نطاق التعارض والتناقض التام وهو ما انتج التراجع المذهل في وضعية منظمة التحرير واقتصار نشاطها على خطاب اعلامي بين الحين والاخر ، مقابل اعلاء شان السلطه وبرنامجها وجاءت مؤتمرات فتح الاخيرة(السابع تحديدا)لتكرس تحول فتح من الفصيل الفلسطيني ورائد المشروع الوطني (اي الكل الفلسطيني) الى حزب السلطه اي الجزئية الفلسطينية مع ما يعنيه ذلك من محورية هذه الجزئية وهيمنتها على حساب الجزئيات الاخرى والواقع يشير الى استعدادات فلسطينيه قيادية الى استخدام وارتهان هذه الجزئيات الاخرى لمصلحة الجزئية الاولى وهنا اساس الانقسام والسؤال المحوري له وليس تبسيط الموضوع الى مواقف سياسية-فصائلية وحصره ب خياري المقاومة والمفاوضات سيما ان القوى المتربعة على راس هذه الخيارات شكليا لا تقدم ما يشير الى اعتمادها الفعلي.

ثالثا: هناك تعمد فصائلي واضح على تظهير الانقسام وكانه انقسام فوقي نخبوي-فصائلي ما بين المواقف السياسية للفصائل وامتداداتها الشعبية والنفوذية السلطوية -على اهمية ذلك – والصيغ المعتمده للخروج من حالة الانقسام لا زالت تقتصر على حوارات النخبة القيادية دون ان تنغمس الى اساس الانقسام باعتباره انقسام مجتمعي وشعبي فلسطيني ، ما بين المصالح الوطنية لكل جزئية جغرافية والسعي القيادي المحموم لتقديم مصالح على حساب مصالح اخرى في اطار من التحايل وليس وفق استراتيجية فلسطينية تحافظ على الربط

البديهي مابين هذه المصالح واحقية الانجاز الاحادي وفق سلم الاوليات ومعطيات موازين القوى.

ان اشراك الحركة الشعبية الفلسطينية على امتداد الجغرافيات الفلسطينية سواء في الوطن او في اماكن اللجوء والاغتراب وفق اليات تتناسب مع ظروف كل منها سواء حوارات- استطلاع راي- انتخابات. .. الخ في رسم الاستراتيجية الفلسطينية والخيار السياسي بما في ذلك ممارسة اليات الضغط الفاعلة هو المدخل ليس لمعالجة الانقسام بشقيه المجتمعي والفصائلي فحسب بل نهوض وطني فلسطيني يسهم في اعادة الاعتبار الى القضية الفلسطينية وانتقالها من مواقع التهميش لتحتل موقعها الطبيعي في صدارة الاحداث.

رابعا: ان التعاطي الاعلامي والفصائلي مع الانقسام الفلسطيني انطلاقا من احداث غزة وسيطرة حركة حماس على القطاع (بمعزل عن الاحقية والتقيم) يبقى الانقسام في دائرة المراوحة النخبوية التي انتجت حتى اللحظة ثمانية اتفاقات سرعان ما انهارت ووضعت على الرف ، وعشرات الحوارات سواء الشاملة منها (القاهرة-موسكو)او الثنائية على امتداد عواصم الخليج ويرهنه في دائرة الحوار على الحصص والنفوذ سواء كانت جغرافية او سلطوية او مالية.

خامسا: ان الحوارات سواء كانت شاملة او ثنائية وان لامس بعضها مكامن الانقسام الفعلية، كما جرى في القاهرة وانتج وثيقة الوفاق الوطني -اتفاقية الاسرى-،ما هي الا محطات لحظوية يسعى معها الطرفان الاساسيان في الانقسام لتجاوز ضغوطات وتاثيرات معينة وسرعان ما يعودان الى مواقعهما الطبيعية سواء بالخيارات السياسية او نفوذهما السلطوي والجغرافي.

ان مراقبة لكل جولات الحوار سواء التي انتجت اتفاقا ام لا، كانت في لحظات يشعر معها الفريقان معا بضرورة تجاوز حدث ما اما في الحالات التي تكون هذه الضغوطات محصورة بفريق واحد فلا يستجيب الاخر وبالتالي لا نشهد حوارا ولا اتفاق.

ست اعوام مرت اليوم ولا زال الانقسام على الساحة الفلسطينية، رغم احتضان محور بعينه لطرفي الانقسام الفعليين، وهذا ما يشير ليس فقط الى التضليل والتشويه، بل لمسؤولية هذا المحور بعينه عن الانقسام واحتضانه له ، لما يؤثر ايجابا على المصلحة الاسرائيلية والتي تشكل الحاضنة الخلفية لهذا المحور ومركز الثقل الفعلي فيه.

وللاستنزاف الاعلامي والميداني لمحور المقاومة من خلال العمل الدؤوب على قطع صلته او تقليسها الى الحد الاقصى بالقضية الاساس للامتين الاسلامية والعربية والتي تشكل العنوان الحقيقي للصراع بين كلا المحورين.

 

 

ان تبسيط اسباب الانقسام وحصرها بمواقف سياسية وصراع سلطوي يجافي الحقيقة،حتى بالتحديد الزمني الذي يعود الى الخروجين الاول من بيروت الى تونس 1982 والثاني من طرابلس الى القاهرة 1984 والذي توج باتفاق اوسلو 1993 وليس على الاطلاق مع احداث غزة .

ان السعي لاشراك الحركة الشعبية-المعنية بحكم مصالحها على ترسيخ الوحدة البديهية ما بين الجغرافيات الفلسطينية وعدم اقتصارها على وحدة عاطفية هو المحرك لانجاز مصالحة حقيقية وانهاء الانقسام المجتمعي الفلسطيني والضغط على القوى السياسية والفصائلية لان تتحول جلسات الحوار الى جلسات منتجة لاجتراح استراتيجية فلسطينية تجيب على الاسئلة الكبرى وتتلاقى على خيار فلسطيني حاسم يعيد الاعتبار لنظرية الشعب المقاوم ( في كل اماكن تواجده، وفق اولويات مصالحه ،وحقيقة قدراته) ويشكل الرد المنطقي لاوهام المفاوضات الدائمة او خيار المقاومة اللفظي وانحشار اصحابهما حشرا في تحالف اقليمي يحتوي على الجلاد والضحية.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى