شؤون العدو

ملجأ الثقافة

 بقلم: عميره هاس – هآرتس

ان قائمة النشاطات الثقافية في رام الله في مساء يوم السبت خلقت معضلة: هل نذهب لنشاهد الافلام الدولية في مهرجان السينما السنوي في مركز خليل السكاكيني، أو ان نشاهد الافلام القصيرة المتنافسة على جائزة المهرجان والتي تعرض في قاعة في البلدية؛ هل نذهب الى افتتاح معرض “التحولات” لاحد أبناء أم الفحم كريم أو شقرة، في جاليري زاوية في البيرة أو الى حفل توقيع كتاب “رام الله العثمانية 1517 – 1918” الذي كتبه سميح حمودة من (مواليد بيت لحم ومحاضر في جامعة بيرزيت) والذي أصدره معهد دراسات فلسطين؟ مناقشة الكتاب، بمشاركة الكاتب والباحثين المثيرين نظمي الجعبة وسليم تماري، يجرى في البلدية بالضبط في وقت افتتاح المعرض. ولشديد الاسف في نفس الساعة – مؤسسة “برنبويم سعيد” يقدم كونشيرت في قاعة ادوارد سعيد في مبنى جمعية “الهلال الاحمر” في البيرة.

في كل مكان يعيش فيه الناس، هنالك انتاج وابداع ومن يريدون اثراء أنفسهم بها. هنا، كما في كل مكان الابداع هو ايضا تعبير عن استمرارية الوجود الاجتماعي، ايضا حيث يكون الموضوع هو التهجير والتفكيك. هكذا فليس من المستغرب هذا النشاط الثقافي، والذي ايضا تجمع نتاجات فلسطينية ومبدعين فلسطينيين من كل ارجاء العالم (حتى من غزة). وهنا في الحقيقة الخط الاحمر ممحي. أن حضور فلسطينيين مواطني اسرائيل في هذا الحدث الثقافي والادبي في الضفة الغربية هو أمر مفهوم بذاته. فلسطين تقريبا كاملة.

عدد من المؤسسات الثقافية المحلية والدولية تحاول بكل قوتها الا يكون المشهد الثقافي هو من نصيب طبقة ضيقة وان تصل دروس الفن ايضا الى الاطفال الذين ليسوا فقط من الطبقة الوسطى – العليا. ان دمقرطة وغرس العمل الثقافي هو تحدٍ لكل مجتمع طبيعي، خاصة في العصر الليبرالي الجديد. ولكن هنا ليس بالامكان الحديث عن طبيعية. حيث من كلا جانبي الخط الممسوح ولكنه الخط الذي يفرق ويميز، حيث المنظمات السياسية الفلسطينية القديمة مخيبة للامال، متكلسة، متفككة، يتناقص اعضاؤها وليس فيها القدرة على التغيير – فان الفضاء الثقافي، الادبي، الفني يزداد قوة أكثر فأكثر في البناء المستمر، الديناميكي، للهوية والانتماء (والذي خطأ يعتبر “حماية”). ان أحدا لا ينسى انه على بعد كيلو متر من قاعة ادوارد سعيد ينتصب مشرفا على ما حوله المبنى المهدد، الوقح والعنيف للادارة المدنية. ايضا عندما يصلون في الليل الى القصر الثقافي فان الناس يعرفون انه الى الجنوب الغربي منهم وعلى بعد 2 كيلو متر يقبع مئات الاسرى في سجن عوفر المغطى بلوحات اسمنتية، من أجل حجبه عن انظار الاسرائيليي – فقط، الذين يسافرون على خط 443. جزء من شارع لا يصله الفلسطينيون يشكل الحدود الجنوبية لجيب رام الله. حد صناعي وعنيف، ولكنه حقيقي جدا.

بالرغم من ادراك جدران الاسلاك الشائكة، فخر الصناعة الاسرائيلية وبكل طبيعيتها، فان النشاط الثقافي يساهم في تبديد السياسة التي تعم في كل جيب فلسطيني، منفلت. هنا هي توأم للنشاط الاكثر جماهيرية – الاستهلاك. بدون قصد فان اشباع الحاجات الثقافية، التعليمية والاستهلاكية التي يتم الحصول عليها في الجيوب الفلسطينية تطبعها. تكيف الناس للحدود المصطنعة وللحواجز المجزئة التي بنتها اسرائيل باحكام شديد وظلم.

ان وهم عالم بلا حدود، الذي تعرضه الشبكات الخيالية والعداوات التي يتم التخلي عنها فيها يوجد لها تأثير يطبع تجزئة الفضاء. القرى التي يهددها باستمرار المستوطنون والجيش، الاحياء في القدس التي دفعت بها اسرائيل نحو الفقر، مخيمات اللاجئين التي تتفشى فيها البطالة والجيوب الاخرى – تتحول الى بعيدة جدا    داخل المتاهة المصطنعة لشوارع فاصلة وخاصة، حواجز متسلطة في القدس ليس لاحد رغبة في الاصطدام بها. وهكذا فان الجيب بكل ما يقدمه من اشباع للحاجات يتحول الى ملجأ من الخبر القائل بان شيئا غير طبيعي.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى