شؤون العدو

مفاوضات فيينا النووية: “إسرائيل” تتوقع اتفاقاً وتؤيد صفقة جيدة

استمر الملف النووي الإيراني مستحوذاً على حيّز واسع من الاهتمامات في “إسرائيل”، مع استئناف المحادثات في العاصمة النمساوية، فيينا، يوم الإثنين الماضي، بين إيران والدول الكبرى، اهتمام تجلى، من بين عدة أمور، بطرح الأمر على طاولة النقاش في اجتماع المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية والسياسية (الكابينت) يوم الأحد الماضي، وفي جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يوم الإثنين الماضي.

كما حضر الموضوع في مواقف مسؤولين وقراءات قدّمها خبراء ومعلقون، حيث برز تبدل في النبرة الإسرائيلية، إذ أعلن وزير الخارجية، يائير لابيد، أنهم في “إسرائيل” ليسوا ضد أي اتفاق، فـ”صفقة جيدة هي شيء جيد”. ولم تحضر الإشارات عن تبدل في الموقف الإسرائيلي من المفاوضات بين إيران والدول العظمى، في مواقف لابيد فقط، بل حضرت أيضاً في المواقف التي قالها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي – أمان، اللواء هارون حاليفا، خلال جلسة الكابينيت، والتي تضمنت حديثاً عن أن وضعاً تتوصل فيه إيران والدول الكبرى إلى اتفاقٍ في محادثات النووي في فيينا أفضل لـ”إسرائيل” من وضعٍ تفشل فيه المحادثات. كلام حاليفا أتى مغايراً ورداً على عرض قدّمه رئيس الموساد دافيد برنياع، أمام الكابينت، لم يُعرب فيه عن دعم للعودة إلى الاتفاق النووي، وفقاً لتقارير إسرائيلية.

وعلى المستوى الإعلامي، قدّم عدد من الخبراء الإسرائيليين قراءات للتطورات في الملف النووي الإيراني ومفاوضات فيينا، حملت تبايناً بين وجهتي نظر، فرأى بعضهم أنه يوجد تبدل في التقديرات الإسرائيلية حيال إمكانية التوصل إلى اتفاق، وأضاف معلقون أنه يوجد حديث عن حصول اتفاق هذا الأسبوع أو في الأسبوع الذي يليه، وأن الأمر تحول من هل سيحصل اتفاق؟ إلى متى سيحصل الاتفاق؟

وتطرق معلقون إلى استراتيجية “إسرائيل” الجديدة التي تتمثل في الحفاظ على ضبط النفس وتجنب انتقاد الولايات المتحدة مع استمرار الضغط عليها، وفي الوقت نفسه، تُشدد “إسرائيل” على أنها ليست طرفاً في أي صفقة مع إيران، ولن تلتزم بها، بل ستواصل الاستعدادات لخيار عسكري.

لابيد: “إسرائيل” ليست ضد اتفاق جيد

التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلية، يائير لابيد، خلال الأيام الماضية، في مناسبات عديدة، حملت، بحسب معلقين إسرائيليين، تلميحات بحصول تغيير في التقديرات الإسرائيلية لجهة ارتفاع حظوظ عودة الدول العظمى إلى الاتفاق النووي مع إيران، أو على الأقل إلى اتفاق مؤقت يوصل إلى هذا الهدف.

وقال لابيد إن “إسرائيل” نجحت في الحفاظ على اهتمام المجتمع الدولي بالقضية النووية الإيرانية، مضيفًا أن “إسرائيل” تركّز الآن جهودها على منع رفع العقوبات الاقتصادية (عن إيران) من دون تقديم تنازلات إيرانية مناسبة. ولفت لابيد إلى أنه ورئيس الحكومة ووزير الأمن قالوا إنهم ليسوا ضد أي اتفاق، فـ”صفقة جيدة هي شيء جيد”، مشيراً إلى وجود نقاش مكثف حول ما تنطوي عليه الصفقة الجيدة.

وأكد لابيد أن “إسرائيل” موجودة إلى جانب الطاولة (الخاصة بالمفاوضات)، وأن العالم يستمع إليها. وأضاف لابيد أنه على الرغم من أن محادثات فيينا لن تصل إلى النتيجة المثلى التي تريدها “إسرائيل”، “لكننا ننجح طوال الوقت في تحسين وتحقيق نتائج أفضل لـ”إسرائيل” مع اللاعبين المعنيين. نحن في حرب خنادق. سيكون هناك الكثير من الإنجازات الصغيرة، بينما نحافظ على حريتنا في العمل”.

وأشار لابيد إلى أنه في الوقت الحالي، “الإنجاز الإسرائيلي الوحيد، هو حقيقة أن التهديد الإيراني هو في صلب الاهتمام الدولي، ولم يتم وضعه جانباً”، وأضاف أنه بعد أن “اعتقد ممثلو إدارة بايدن في البداية أنهم قادرون على حل المشكلة بسرعة والتوجه الى قضايا دولية أخرى، فمن الواضح الآن أن الأمر ليس كذلك”.

وفي تغريدة له في موقع تويتر، قال لابيد إن “النظام الإيراني المتطرف يُهدد بتدمير دولة “إسرائيل”، لكن سيخسر كما دائماً في المعركة… دولة “إسرائيل” قوية ولن تسمح بالمسّ بمواطنيها”. وكان لابيد قد أجاب، ليلة رأس السنة الحالية، في مقابلة إعلامية، عن سؤال يتعلق باستطاعة “إسرائيل” مهاجمة إيران من دون موافقة أميركية، بالقول إن “إسرائيل ستعمل كل أمر يجب أن تفعله من أجل الدفاع عن أمنها، ولهذا، نحن لسنا بحاجة إلى موافقة من أحد. هذا كان منذ اليوم الأول لقيام هذه الدولة”.

وفيما لم يصدر عن رئيس الحكومة الإسرائيلية نفتالي بينيت أي موقف أو تصريح حول إيران خلال الأيام الماضية، أعلن مكتبه أن بينيت أجرى مكالمة هاتفية مع نظيره البريطاني بوريس جونسون، وتناول البحث التطورات الإقليمية، خاصة الملف النووي الإيراني، والتنسيق بين البلدين مع استمرار مفاوضات فيينا.

 “أمان”: اتفاق نووي مع إيران أفضل لـ”إسرائيل” من فشل المحادثات

الإشارات إلى حصول تبدل في الموقف الإسرائيلي من المفاوضات بين إيران والدول العظمى، لم تحضر في مواقف لابيد فقط، إذ حضرت أيضاً في المواقف التي قالها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي – أمان، اللواء هارون حاليفا، خلال جلسة المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، الذي انعقد يوم الأحد الماضي لمناقشة ما سمّاه معلقون إسرائيليون “التعاطي الإسرائيلي في ما يتعلق بالتقدم في الاتصالات في فيينا”.

كلام حاليفا الذي نقلته تقارير إسرائيلية، اليوم الأربعاء، ونسبته إلى وزيرين شاركا في الجلسة، ورد فيه “إن وضعاً تتوصل فيه إيران والدول الكبرى إلى اتفاقٍ في محادثات النووي في فيينا أفضل لـ”إسرائيل” من وضعٍ تفشل فيه المحادثات ولا يتحقق اتفاق بتاتاً”.

الوزيران نقلا أيضاً عن حاليفا قوله إن “العودة إلى الاتفاق النووي ستزيد اليقين في ما خص القيود القائمة على البرنامج النووي لإيران، والتي لن تكون قائمة في حال لم يكن هناك اتفاق… والعودة إلى الاتفاق ستُكسب “إسرائيل” وقتاً إضافياً، وستسمح (لها) بالاستعداد بصورة أفضل ومن دون ضغطٍ لسيناريو تصعيد مع إيران”.

وفيما رفض الناطق باسم الجيش الإسرائيلي التطرّق إلى كلام قيل في مداولاتٍ مغلقة، أفادت تقارير اعلامية بأن كلام حاليفا جاء رداً على استعراض قدّمه رئيس الموساد دافيد برنياع، عرض فيه أمام وزراء الكابينت التقدير الاستخباري السنوي للموساد، والذي قدم فيه موقفاً مختلفاً عن حاليفا، بحسب قول أحد وزراء الكابينت، إذ لم يُعرب عن دعم للعودة إلى الاتفاق النووي، مشدداً على أنه لا يزال يوجد وقت للتأثير على الولايات المتحدة في كل ما يتعلق بشروط اتفاقٍ كهذا إذا تحقق.

أجواء الجلسة نقلها أيضاً وزيران شاركا فيها، بقولهما إن الأجواء في الجلسة كانت أنه إذا تحقق اتفاق مع إيران في محادثات فيينا، يجب الامتناع عن الخروج علناً ضد إدارة بايدن في هذا الشأن. ونقل الوزيران عن لابيد قوله في الجلسة إن “الولايات المتحدة هي الشريك الاستراتيجي الأهم لإسرائيل، وممنوع تحطيم منظومة العلاقات مع الإدارة”.

وفي سياق ذي صلة، عقدت جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست، يوم الإثنين الماضي، برئاسة عضو الكنيست من حزب “يوجد مستقبل”، رام بن باراك، عرض فيها رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، إيال حولاتا، في أول ظهور له أمام اللجنة منذ توليه منصبه، تقريراً، وقال إن موضوع النووي الإيراني هو تحد كبير أمام مجلس الأمن القومي و”إسرائيل”، لافتاً إلى أنه على الرغم من أن إيران تتصرف بـ”ابتزاز نووي”، إلا أنه يعتقد بأن المجتمع الدولي الموحد والعازم يمكنه إجبار إيران على القيام بتنازلات استراتيجية كبيرة أكثر ممّا سبق.

” إسرائيل” ذهبت بعيداً في مواجهة البيت الأبيض

نقل معلقون إسرائيليون عن مسؤول إسرائيلي كبير قوله إن “إسرائيل” أدركت أنها ذهبت بعيداً جداً في مواجهة البيت الأبيض ووزارة الخارجية، لافتاً إلى أنه حتى رئيس الحكومة، الذي لا يزال ينتظر اتصال الرئيس جو بايدن به، أدرك ذلك.

وأكد مصدر سياسي إسرائيلي أنه “ستكون مفاجأة مدوية إذا لم يكن هناك اتفاق في النهاية”، وأضاف أن “إسرائيل نجحت في التأثير على موقف الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى التي تلعب دوراً في المفاوضات مع إيران، إلا أن هذا التأثير كان في الأشياء الصغيرة”. المصدر السياسي تباهى بأن “إسرائيل” نجحت شيئاً فشيئاً في تقريب موقف الولايات المتحدة من موقفها.

ومع ذلك، أكد المصدر السياسي أنه حتى لو أُدخلت تعديلات على الاتفاق الذي يتبلور، فرصة أن تؤيده “إسرائيل” منخفضة جداً، وأضاف أن “إسرائيل” تنجح في السير في الوقت نفسه بمسارين – إدخال تعديلات صغيرة على الاتفاق والتوضيح أنها غير ملزمة به. كما أنها تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس “بحسب ما يقتضيه الأمر”.

وفي موقف آخر رافض للاتفاق، تساءل مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى عن الهدف من العودة إلى اتفاق من المتوقع أن تنتهي صلاحيته في غضون أربع إلى خمس سنوات.

ارتفاع احتمال الاتفاق النووي

بعد أن كان معظم المحللين الإسرائيليين يرجحون أن احتمال التوصل إلى حل وسط بين مجموعة 5 + 1 وإيران كان ضعيفاً على افتراض أن الطرفين سيفشلان في تجاوز خلافاتهما وسيصلان إلى طريق مسدود، تغيّرت التقديرات بشكل كبير وباتت تميل إلى أن إيران والدول الكبرى على حدّ سواء معنية بالعودة إلى الاتفاق النووي لسنة 2015، و”أن هذا سيحصل باحتمالية مرتفعة” بحسب معلقين إسرائيليين، حيث إن الأمر تحول من هل سيحصل اتفاق؟ إلى متى سيحصل الاتفاق؟

التبدل في التقديرات الإسرائيلية شمل أيضاً النيات الإيرانية، إذ بعد أن كان التقدير في “إسرائيل” قبل عدة أسابيع يُفيد بأن الإيرانيين غير جديين ويستغلّون المفاوضات في فيينا من أجل كسب وقت للتقدّم في البرنامج النووي، بات التقدير الآن في “إسرائيل”، بحسب معلقين اسرائيليين، هو أن الإيرانيين معنيون باتفاق.

وتطرق معلقون إلى استراتيجية “إسرائيل” الجديدة التي تتمثل في الحفاظ على ضبط النفس وتجنّب انتقاد الولايات المتحدة والقوى الأخرى مع استمرار الضغط عليها عبر القنوات الخلفية والعمل على وضع خطوط حمر، والمطالبة بتمديد تاريخ انتهاء الاتفاق، مع التأكيد  أن إيران مشكلة دولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى