مقالات وآراء

“مسيرة الأعلام”.. لماذا ازدادت أهميتها في السنوات الأخيرة؟

أيمن الرفاتي

لم تكن مسيرة الأعلام، التي يحتفل بها المستوطنون في مدينة القدس المحتلة، ذات أهمية كبيرة على مدى عقود، إلّا أن أهميتها بدأت تظهر في الأعوام الأخيرة مع زيادة الاهتمام بمدينة القدس المحتلة، ورغبة الاحتلال في فرض سيادته الكاملة على المدينة، بما فيها المنطقة المقدسة، بعد اعتراف الولايات المتحدة بالمدينة عاصمة للكيان ونقل السفارة الأميركية إليها، واتخاذ حكومة الاحتلال المَسيرة خطوةً للانتقال إلى مرحلة جديدة في فرض السيطرة والهيمنة على المسجد الأقصى، كواحدة من سلسلة خطوات لإنهاء الوصاية الأردنية وتقسيم المسجد الأقصى، زمانياً ومكانياً.

التطورات الجديدة، التي حملتها مسيرة الأعلام بعد الاعتراف الأميركي في عام 2019، تمثّلت برغبة الاحتلال في التقدم خطوة في اتجاه السيطرة على المسجد الأقصى، عبر تطوير هذه المسيرة، التي كانت تمرّ في جواره وصولاً إلى حائط البراق، ليكون المتغير الجديد في دخول المسيرة المسجدَ الأقصى بالأعلام، في إشارة إلى السيادة الإسرائيلية على المسجد الأقصى، وهي خطوة كان مخطَّطاً لها في عام 2021، لكنها لم تنجح بسبب ردة فعل المقاومة الفلسطينية وإطلاق الصواريخ على مدينة القدس المحتلة، وبدء معركة “سيف القدس” المجيدة.

وهنا نعطي تصوراً أكثر عمقاً لمسيرة الأعلام، أو رقصة الأعلام، التي تحتفل بها “دولة” الاحتلال سنوياً، في ذكرى سيطرتها على المدينة المقدسة، بحيث يحتفل المستوطنون بما يسمونه يوم “توحيد القدس”، الذي يُعَدّ أحد الأعياد الوطنية، وهو يوم الـ28 من الشهر الثامن وفق التقويم العبري المعتمد لدى اليهود، وهو اليوم الذي احتلت فيه قوات جيش الاحتلال الجزء الشرقي من مدينة القدس، وخصوصاً البلدة القديمة، خلال حرب حزيران/ يوينو 1967، بعد معارك ضارية مع الجنود الأردنيين الذين دافعوا عن الجزء الشرقي منها.

ويتجمّع المستوطنون في مدينة القدس خارج البلدة القديمة، وتحديداً في مناطق غربي مدينة القدس المحتلة. وبعد التجمُّع يتحركون في مسارين في اتجاه حائط البراق، وتنطلق المسيرة عبر الشارع الرقم 1، وتمر من بابين من أبواب القدس القديمة، هما باب الخليل والجديد، ثم تصل إلى باب العمود.

وخلال السنوات الماضية كانت تواجه المسيرة احتجاجاتٌ واشتباكات فلسطينية على الرغم من كل الحواجز التي تنصبها الشرطة في محيط الباب، ويتجمع الفلسطينيون المقدسيون على مدرَّجات باب العمود ويتصدون للمسيرة الاستفزازية التي يتم خلالها ترداد النشيد الوطني للكيان، الذي يسمى “هاتيكفا”، وشعارات معادية للإسلام والعرب.

بعد إجراء المستوطنين الرقصة في باب العامود نحو ساحة البراق، مارّين في الحيّ الإسلامي الذي يقطنه الفلسطينيون، يتعمّد المستوطنون خلال المرور فيه التخريب والإضرار بالمحالّ التجارية والممتلكات للفلسطينيين. وشهدت أعوام ماضية اعتداءات من جانب المستوطنين على المقدسيين الذين يتواجدون في الشوارع.

فعلياً، بدأ إحياء هذه المناسبة بصورة كبيرة عام 1974، على أيدي المستوطن المتطرف يهودا حزاني، الذي مات عام 1992، وكان المبادر والمنظّم الأول والرئيس لها على مدى سنوات طويلة، كما كان أحد مؤسسي جماعة “غوش إيمونيم” الاستيطانية، وعدد من المستوطنات في الضفة الغربية.

وكانت بداية الاحتفالات بهذه المناسبة عام 1968. ومنذ هذا التاريخ حتى عام 2000، أخذت شكلاً استعراضياً، بتنظيم عروض عسكرية يطلقون فيها تحية إلى قتلاهم الذين سقطوا في المعارك، وباستعراض إنجازات “الدولة”، إلّا أنه، بعد عام 2000، تحوّلت الاحتفالات لتأخذ شكل الاستعراض الشعبي والغلبة والسيطرة الإسرائيلية اليهودية على المدينة المقدسة. وفي هذا الإطار كانت مسيرة الأعلام إحدى أهمّ الفعاليات التي تجوب البلدة القديمة، والوصول إلى باب العمود كمدخل أساسي للمسيرة.

بين عامي 2010 و2016، شهدت المسيرات توقفاً بسبب المواجهات التي كانت تندلع بين المستوطنين والمقدسيين في البلدة القديمة، حيث كان يتجمع عدد منهم في الحيّ الإسلامي وعلى مدرجات باب العمود من أجل التصدي للمسيرة والاستفزازات التي تخرج ضدهم من جانب المستوطنين المتطرفين.

بسبب معركة “سيف القدس”، وجد المتطرفون في “دولة” الاحتلال أنفسهم في مأزق، لأن المسيرة كُسِرت، وبات محكوماً عليها التراجع. ولهذا، يرغبون، في هذا العام، في تمرير المسيرة، من أجل معاودة تأكيد السيادة اليهودية على المسجد الأقصى.

على الرغم من محاولات الكيان تثبيت سيادته في مدينة القدس المحتلة بعد معركة سيف القدس، فإن مجرد طرح مسألة توفير حماية لمسيرة الأعلام بأعداد كبيرة من الشرطة وحرس الحدود وإسناد من الجيش، وسط حسابات لتداعياتها، يُعَدّ انتصاراً للمقاومة الفلسطينية على مستوى الردع والوعي. وهذا الأمر يمثّل صعوداً في قوة المقاومة وتراجعاً في قدرة الاحتلال على فرض سيطرة حقيقية على المدينة المقدسة.

وهنا، تجب الإشارة إلى أن المسيرة كانت تسير في مدينة القدس المحتلة قبل معركة “سيف القدس” من دون حماية كبيرة من الشرطة، أو استعدادات كبيرة لها. وهنا، تتلخّص حقيقة قدرة الفلسطينيين في القدس والأراضي المحتلة عام 1948، ومن خلفهم المقاومة في قطاع غزة، على مواجهة المخططات المتعلقة بالمسجد الأقصى، وتعقيد الحسابات أمام صانع القرار في حكومة الاحتلال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى