الأخبار

ما الذي تريده الولايات المتحدة من باكستان؟

ما الذي تريده الولايات المتحدة من باكستان؟

أُعلِن أمس، في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حلّ حكومة رئيس الوزراء عمران خان، الذي دعا إلى إجراء انتخاباتٍ

مبكّرةٍ، وذلك بعد إلغاء البرلمان الباكستاني التصويت على سحب الثقة من حكومة خان، الذي اعتبر التحرك لعزله

“محاولةً لتغيير النظام بدعمٍ من الولايات المتحدة”، ومُرجِعاً السبب في ذلك إلى “رفضه إقامة قواعد عسكرية أميركية

في بلاده”.

أتت هذه التحركات السياسية في الداخل الباكستاني بعد الزيارة غير المسبوقة منذ عقدين لزعيم باكستاني إلى

روسيا، التي قام بها عمران خان إلى موسكو أواخرَ شهر شباط/ فبراير الماضي، ولقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبعد عوته إلى إسلام أباد، كان لافتاً توجّه عمران خان إلى ممثلي الاتحاد الأوروبي بالقول: “لسنا عبيداً لكم”، وذلك

على خلفية كتابة سفراء الاتحاد الأوروبي رسالةً تطالب الحكومة الباكستانية بإدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.

لكن، ماذا وراء هذا الموقف القوي من قبل رئيس الوزراء الباكستاني؟ ولماذا تريد واشنطن تغيير النظام في إسلام أباد؟

ولماذا تحاول إزاحة عمران خان من منصبه؟

داخلياً: الرجل الذي رفض أن يكون دمية أميركية

لم تكن الولايات المتحدة، ولا حلفاؤها في المنطقة، يرغبون أساساً في وصول عمران خان إلى منصب رئاسة

الوزراء، بعد الانتخابات التشريعية التي فاز بها، في العام 2018، وذلك بسبب تصريحاته المنتقدة لدورها، إذ إنها

تناقض مسار السياسة الباكستانية التي بقيت حليفةً للدول الغربية لفترةٍ طويلةٍ، حتى أنَّ واشنطن منحتها وضع

“حليفٍ رئيسيٍّ من خارج الناتو”، نظراً إلى الدور المساعد الذي لعبته خلال غزو القوات الأميركية لأفغانستان في

العام 2001.

فزعيم حركة “إنصاف”، المدعوم من الجيش الباكستاني، وصف بعض حكّام العالم الإسلامي بـ”الدمى التي تديرها

واشنطن”. وفي السياق ذاته، صرّح في حزيران/ يونيو من العام الماضي، قُبيل الانسحاب الأميركي من أفغانستان،

لموقع “أكسيوس” الأميركي، بأنّه لن يسمح على الإطلاق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) باستخدام

قواعد في باكستان للقيام بعمليات في الداخل الأفغاني.

اقرأ أيضاً: قلق صهيوني من تعيين الحقوقية الجديدة في فلسطين

كما رفض خان الانخراط في تحالف الحرب على اليمن منذ كان نائباً في البرلمان، ولعب دوراً كبيراً في تأليب الرأي

العام ضد السعودية في أروقة البرلمان الباكستاني على خلفية عمليتها في اليمن، وذلك بعد معارضته لأيِّ

مشاركةٍ باكستانيةٍ في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن، ووصف ما يجري في اليمن بأنّه “كارثة إنسانية”،

كما دعا إلى أن تلعب باكستان دوراً قيادياً في المفاوضات ومحادثات السلام لإنهاء الحرب.

كما أنَّ خان سعى إلى تحقيق هدف أساسي لحركته، وهو محاربة الفساد المستشري في البلاد، فهو أتى خلفاً

لحليف واشنطن، رجل الأعمال نوّاز شريف، الذي أدانته المحكمة الباكستانية العليا بتهم فسادٍ وتهرّبٍ ضريبي، بعد

معلوماتٍ في هذا الشأن احتوتها تسريبات “أوراق بنما”.

أيضاً، فإن إزاحة شريف (الذي نُفي لفترة في السعودية) ومجيء خان أخرجا باكستان من “المحور التطبيعي”، الذي

يأتمر بأوامر البيت الأبيض، نظراً إلى الرمزية التي يتمتع بها ثاني أكبر بلد إسلامي في العالم، ومع محاولة “إسرائيل”

استقطاب المزيد من الدول الإسلامية الكبرى إلى توقيع اتفاقات تطبيع معها تحت مسميات متعدّدة، مثل ماليزيا، وفق

ما تحدّث الإعلام الإسرائيلي.

خارجياً: التعاون الاقتصادي مع الصين وإيران

يتكرّس الافتراق بين الولايات المتحدة الأميركية وحكومة عمران خان من خلال السياسات الخارجية لهذه الحكومة، و

تحديداً في الجانب الاقتصادي.

على الرغم من اتّساع مساحة باكستان، إلا أنَّ حدودها تقتصر على 4 دول فقط، هي الهند والصين وأفغانستان وإيران.

ولطالما كان للهند وضعٌ خاصٌّ في علاقتها بباكستان، فالتوتر واحتمال الانفجار بين الجارتين النوويتين ظلّا قائمين،

استثمرت فيهما الدول الكبرى في حساباتها الدولية ومصالحها الخارجية، الأمر الذي أثّر في تحالفات كلتا الدولتين.

من جهة أخرى، كان لـ”مبادرة الحزام والطريق” الصينية دورٌ بارزٌ في رسم السياسة الخارجية والاقتصادية لباكستان في عهد عمران خان. فباكستان اندمجت موضوعياً مع جاراتها الأخريات في المشروع الصيني الواعد، إذ إنَّ الفوائد التي ستجنيها كبيرة، أولاها تأمين فرص عملٍ في البلد الذي يعاني من نسبة بطالة مرتفعة، وتأهيل البنية التحتية من طرقات وموانئ ومطارات، وصولاً إلى تحقيق التنمية في البلد الفقير اقتصادياً على المدى البعيد.

أما بالنسبة إلى أفغانستان، التي تعيش الأشهر الأولى بعد تحرّرها من الاحتلال الأميركي الذي دام 20 عاماً، فقد تركت آثارها على باكستان من خلال مئات آلاف اللاجئين، مع ما يترتب على نزوحهم من تبعات اقتصادية وأمنية كذلك.

وفي ما يتعلّق بإيران، المنضوية أيضاً إلى المشروع الاقتصادي الصيني الضخم بفعالية، خاصَّةً بعد توقيع الاتفاقية الاستراتيجية مع الصين في آذار/ مارس من العام الماضي، فقد تزايدت وتيرة التعاون بين البلدين في السنوات الأربع الأخيرة، خلال فترة ترؤس خان للحكومة. وقبل أيام، التقى وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان نظيره الباكستاني شاه محمود قريشي، على هامش الاجتماع الثالث لوزراء خارجية دول جوار أفغانستان في الصين، وأكّدا ضرورة تسريع عملية إبرام اتفاقية الأسواق الحدودية بين إيران وباكستان، وذلك بعد أن شهد العام الماضي تدشين معبرٍ حدوديٍّ ثالثٍ بين البلدين.

وأواخر العام الماضي، استأنف خطّ قطارٍ يربط بين إسلام آباد وطهران وإسطنبول رحلاته عبر قطارٍ انطلق من محطة “مارغالا” في العاصمة إسلام أباد. وأشار وزير الخارجية الباكستاني، شاه محمود قريشي، إلى أن المشروع لن يشجّع التجارة بين البلدان الثلاثة فحسب، بل سيفتح طرقاً جديدة للتجارة مع أوروبا.

إمكانية تشكيل بديل مهم لاستيعاب الغاز الروسي

بعد العقوبات الاقتصادية الغربية على روسيا، التي سبق أن أعقبت عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وعقب قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتمَّ سداد ثمن الغاز الروسي بالروبل من “الدول غير الصديقة”، برزت باكستان كبديل اقتصادي مهم لروسيا. فقد أشارت تقارير إعلامية إلى أنَّ الصين وباكستان وحدهما قادرتان على استيراد نحو نصف كمية الغاز الروسي المرسل إلى دول أوروبية.

ومنتصف الشهر الماضي، نقلت صحيفة “فاينانشال تايمز” البريطانية عن وزير المالية الباكستاني، شوكت تارين، قوله إنَّ “الصفقة التي أبرمتها باكستان مع روسيا لبناء خط الأنابيب باكستان ستريم، الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات، شارفت على الانتهاء”. ووضع تارين ذلك في إطار “بحثها عن بدائل لتخفيف أزمة الطاقة المحلية”.

وبموجب هذا المشروع، يمكن لباكستان تسلم الغاز المسال من ميناء كراتشي جنوبي البلاد، ونقله عبر خطّ خاص إلى مدينة لاهور في الشمال، ليصل إلى مساحات واسعة من البلاد. وتشير التقارير إلى أنّ بإمكان باكستان استيعاب نحو 16 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.

أمام تلك المعطيات، يبدو واضحاً أن الولايات المتحدة تسعى إلى إطاحة عمران خان من السلطة، لما يمثله من سيادة قرار تتعارض مع مصالحها، وتضع باكستان بعيداً عن المشاريع الأميركية في المنطقة.

وفي ظلِّ هذه التقاطعات الإقليمية والدولية، السياسية والاقتصادية، ستجري الانتخابات البرلمانية المبكرة في باكستان. فهل سينجح عمران خان في المضيّ ببلده بحسب مشروعه السياسي، وبناء “باكستان جديدة”، وفق التحالفات التي شرع فيها، خاصَّة أنّه يبدو الطرف الأقوى في هذه الانتخابات، وسط تشرذم خصومه وتشتّتهم؟ أم أنَّه سيكون للولايات المتحدة رأيٌ آخر في وجه هذا الخصم القوي، في البلد الذي مثّلت فيه الانقلابات العسكرية وسيلةً للوصول إلى السلطة، كما في حالة الرئيس برويز مشرف في العام 2001، أو الاغتيال كوسيلة، كما حدث مع رئيسة الوزراء بنازير بوتو في أواخر العام 2007؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى