تحليل

ليس القنبلة النووية.. ما الذي تخشاه “إسرائيل” من العودة إلى الاتفاق النووي؟

تتصدر وسائل الإعلام الإسرائيلية، في اليومين الأخيرين، تصريحات رئيس الحكومة، يائير لابيد، التي يقول فيها إنه أصدر أوامره إلى الجهات الأمنية المختصة بالاستعداد لمواجهة عسكرية. فهل يقصد مواجهة إيران، أم مواجهتها في سوريا، أم مواجهة حزب الله في لبنان؟

أرسل لابيد، خلال الأسبوع الماضي، كلاًّ من مستشار الأمن القومي الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، كذلك وزير الحرب، بيني غانتس، كما أرسل، هذا الأسبوع، رئيس الموساد إلى واشنطن، ويبذل جهوداً كبيرة للتحدث مع الرئيس بايدن لإبلاغه مباشرة نيات “إسرائيل” ومخططاتها العدوانية.

إضافة إلى ذلك، اجتمع يوم الإثنين مع رئيس المعارضة، بنيامين نتنياهو، لإطلاعه على قرارات الكابينيت السياسي-الأمني، وهو إجراء يتوجب على رئيس الحكومة القيام به عشية شن حرب، أو عدوان قد يتدحرج إلى حرب. فهل تقرع “إسرائيل” فعلاً طبول الحرب والمغامرة الكبرى؟

الرفض الإسرائيلي لعودة أميركا إلى الاتفاق النووي بين النص الدبلوماسي والجوهر الأيديولوجي والأهداف الاستراتيجية

من يتابع المواقف الإسرائيلية بنصوصها يعتقد أحياناً أن المؤسسة الإسرائيلية، بمختلف مركباتها، “مرتبكة” لدرجة “الهستيريا”. لكن مراجعة أخرى لمواقف هذه القوى، خلال العقدين الأخيرين، مما يسمى المشروع النووي الإيراني، مع

الأخذ بعين الاعتبار وظيفة كل مركب من هذه المركبات، العسكرية والأمنية والسياسية، وعلاقاته الداخلية والخارجية، والظروف السياسية الضاغطة، لا يجد فارقاً كبيراً في الجوهر الأيديولوجي والاستراتيجي لهذه المواقف.

 

رئيس الحكومة، يائير لابيد، صرح أكثر من مرة، وتحديداً أمام الصحافيين الأجانب، أن “إسرائيل” ضد العودة إلى الاتفاق النووي

مع إيران “لأن هذا الاتفاق سيئ”. وفي محاولة لكسب الرأي العام الإقليمي والدولي. لم يكتفِ بذلك، بل أضاف “إنه سيئ

لإسرائيل وللدول العربية الصديقة وللعالم، وسيقدم للخزينة الإيرانية مليارات الدولارات تصرفها على تعاظم قوتها العسكرية

في إيران وفي الإقليم”.

وكان قبل ذلك قد اشترط على بايدن، خلال زيارته الأخيرة لـ”إسرائيل”، أن تضع أميركا في حساباتها الفعلية وتصريحاتها العلنية احتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران. قبل ذلك، توجه إلى فرنسا وطالبها أن تقود تجنيد أوروبا إلى احتمال القيام بعمل عسكري ضد إيران.

لم يكن هذا هو موقف لابيد عندما كان في المعارضة لحكومة نتنياهو التي دفعت بإدارة ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي. ولم تكن إدارة بايدن تتوقع من لابيد موقفاً كهذا عندما يصبح رئيساً للحكومة.

من هنا، يجب أن نفهم أن موقف لابيد هو موقف حكومي رسمي في الجوهر. أما النص الذي يقول إن معارضة “إسرائيل” للاتفاق “لأنه سيئ”، وليس معارضة لكل اتفاق فهو لا يختلف عن موقف نتنياهو، بل كان نتنياهو هو من صاغ هذا الموقف الدبلوماسي. واستخدمه لابيد تفادياً لأي صدام مع إدارة بايدن، الراعية لحكومته.

وزير الحرب، بيني غانتس، لم يترك الساحة السياسية ليائير لابيد، بل أدلى بدلوه أيضاً قبل سفره إلى الولايات المتحدة، وقال خلال جولة لمعهد دراسات السايبر والاستخبارات العسكرية: “إن أي اتفاق لا يعيد القدرات الإيرانية سنوات إلى الوراء، ويبقيها محدودة لسنوات طويلة في المستقبل، هو اتفاق يضر بالأمن القومي والإقليمي والدولي”.

مرة أخرى، يحاول غانتس، مثل لابيد، أن يضع إيران في مواجهة دول الإقليم والعالم وليس “إسرائيل” فحسب. لكنّ الأهم أن ننتبه إلى كل كلمة قالها غانتس هنا.

هل حقاً تشكل القنبلة النووية الإيرانية، الافتراضية لغاية الآن، خطراً على الشرق الأوسط والعالم؟! ولماذا لم تشكل القنبلة النووية الباكستانية خطراً على العالم والإقليم، ولم تشكل القنبلة النووية الكورية خطراً على العالم؟ وماذا عن الترسانة النووية الإسرائيلية؟ ألا تشكل خطراً على الشرق الأوسط وما بعد الشرق الأوسط؟

إذا كان قول لابيد بأن “إسرائيل لا تستطيع العيش في ظل قنبلة نووية إيرانية”، ولو كانت افتراضية لغاية الآن، ويمكن منعها من خلال العودة الأميركية إلى الاتفاق النووي، فلمَ يتوجب على شعوب الشرق الأوسط، جميعها، أن تعيش في ظل التهديد النووي الإسرائيلي؟

لم يلتقِ غانتس، في جولته الأميركية الأخيرة، مستشار الأمن القومي الأميركي جاك سليفان، وكان قد التقاه، قبل يومين من ذلك التاريخ، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، ايال خولتا، إنما التقى غانتس قائد القوات الأميركية لمنطقة الشرق الأوسط (سنتكوم) مايكل كوريلا، فهل هو لقاء لترتيبات أمنية وعدوان عسكري بمشاركة عربية وفق المطالب الإسرائيلية؟

رئيس الحكومة الأسبق، بنيامين نتنياهو، وهو من دفع إدارة ترامب إلى الانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، كرر معارضته الاتفاق النووي المزمع توقيعه من جديد “لأنه سيئ”، ولأنه “يلقي بظل ثقيل على أمننا ومستقبلنا”. وأضاف، “هذا الاتفاق يدخل إلى الخزينة الإيرانية مئات مليارات الدولارات، والشيء الوحيد الذي يمكن منع ذلك هو التهديد العسكري”. وهل يختلف هذا الموقف عما قاله لابيد وغانتس؟!

أما تصريحات ديفيد برنياع، رئيس الموساد، والتي هاجم فيها أميركا، بحدة اتهامية ونبرة عالية، وقال: إن الاتفاق هو “كارثة استراتيجية على إسرائيل”، وأنه “يخشى أن تنظر دول المنطقة إلى إيران كنموذج لا بد من تقليده، وعندها سيكون من الصعب على إسرائيل أن تتعامل مع تعاظم قوة إيران بمركباتها المتنوعة”.

ويعتقد برنياع، وفق المراسلين، أن إيران من دون اتفاق هي دولة ضعيفة، فقيرة ومردوعة، ومع الاتفاق، ووفرة المال، سيكون أسهل عليها بكثير أن تدير المعركة ضد إسرائيل”.

هنا، يجب أن ننتبه جيداً إلى الكلمات التالية: “تعاظم قوة إيران بمركباتها المتنوعة”، وأنها هي الخطر الاستراتيجي والحقيقي، وفق برنياع، وليس القنبلة النووية الافتراضية، وأن البديل، في نظر برنياع، هو عدم وجود اتفاق مع استمرار العقوبات الأميركية والعزلة الدولية والإقليمية لإيران.

شكلت تصريحات برنياع، وفق المراقبين، “خرقاً لقائمة الرسائل الإعلامية، التي حددها مكتب رئيس الحكومة إلى كل المتحدثين لوسائل الإعلام الخارجية والداخلية”، وهي تصريحات أزعجت لابيد، فاضطرته إلى دعوة رئيس الموساد إلى “جلسة تهذيب”.

أما أسباب انزعاج لابيد فهي: الأول، أنها أزعجت البيت الأبيض الذي يحرص لابيد على عدم التصادم معه علناً. ثانياً، لأن رسائل برنياع كانت حادة وغير دبلوماسية، وخرجت عن النص المتفق عليه في المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة، وثالثاً، لأنها تشكل تحدياً للابيد من قبل رئيس الموساد، الذي يعمل تحت رئيس الحكومة ووفق توجيهاته. ورابعاً، يخشى لابيد أن يكون رئيس الموساد، الذي اختاره وعيّنه نتنياهو، في الأول من حزيران/ يونيو الماضي، ما يزال موالياً لنتنياهو وليس له.

أما السبب الأهم في نظري، فهو أن برنياع كشف عن الموقف الحقيقي والجوهري للمؤسسة الصهيونية الحاكمة من دون اعتبار للنصوص الدبلوماسية.

إذاً، هناك ثلاث ذرائع إسرائيلية تعني أن الاتفاق “سيئ”، يتفق عليها رئيس الحكومة لابيد مع وزير الحرب غانتس، (وهو يرى نفسه مرشحاً لرئاسة الحكومة القادمة أيضاً) ومع رئيس المعارضة، ورئيس الحكومة الأسبق نتنياهو، وهو أيضاً مرشح لرئاسة الحكومة القادمة.

الذريعة الأولى، أن الاتفاق يبقي لإيران في المستقبل إمكانيات تكنولوجية للانطلاق نحو القنبلة النووية، وهذه ذريعة واهية؛ لأن الانطلاق الإيراني نحو القنبلة النووية ممكن بغياب اتفاق أكثر مما هو ممكن بوجود اتفاق.

الذريعة الثانية، أن امتلاك إيران للقنبلة النووية يشكل خطراً ليس فقط على “إسرائيل”، وإنما على دول الإقليم والعالم.

وهي ذريعة أوهى من سابقتها، أولاً، لأن القنبلة النووية الإيرانية هي افتراضية وليست حقيقة، ثانياً، لأن العودة إلى

الاتفاق يمنع أن تتحوّل الفرضية إلى واقع، في حين أن عدم العودة إلى الاتفاق هو من يحوّل الافتراضي إلى حقيقة.

أما الحقيقة التي تخشى منها “إسرائيل” بالفعل، فهي ما عبّر عنها مستشار الأمن القومي السابق، وصاحب الدور الأكبر

في توقيع اتفاقيات إبراهام، وأحد كبار الباحثين في معهد الأمن القومي حالياً، مئير بن شبات، حين قال قبل أيام: “إن

العودة إلى الاتفاق النووي قد تشكل خطراً على مسيرة التطبيع القائمة”.

ويقصد بذلك أن العودة إلى الاتفاق ستزيل من أذهان الأنظمة المطبعة مع “إسرائيل” ذلك الخطر من القنبلة النووية

الإيرانية، وتعود العلاقات العربية الإيرانية إلى علاقات ودية مبنية على الجيرة الحسنة، والتعاون الاقتصادي…. إلخ.

وهذا سيعيد “إسرائيل” إلى الزاوية التي كانت فيها قبل التطبيع، عدواً مشتركاً لجميع العرب والمسلمين ويعيد القضية

الفلسطينية إلى مركز الاهتمام والتعاون العربي الإسلامي، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يتحدث عنه بن شبات.

يجدر التذكير، أيضاً، بما قاله بن شبات إلى رئيس الدولة هرتسوغ عند تسليمه التقرير السنوي لمركز أبحاث الأمن

القومي في كانون الأول/ديسمبر عام 2021، حين قال: “نحن نفضل عدم وجود اتفاق نووي على العودة إلى الاتفاق”.

الذريعة الثالثة، أن الاتفاق يعيد إلى إيران مئات مليارات الدولارات تصرفها على تعزيز قوتها العسكرية وقوة حلفائها في

الإقليم، وهي ذريعة واهية أيضاً، أولاً، لأن هذه الأموال هي حق إيراني وليس هدية من أحد، وهي أموال محتجزة في

البنوك الأميركية وخارج أميركا بقرار بلطجي أميركي يتعارض مع القانون الدولي.

وثانياً، لأن قوة إيران العسكرية وقوة القوى الحليفة لها أو المدعومة من قبلها، تعاظمت حتى في ظل الحصار والحظر الأميركي والعقوبات على الشركات التي تتعامل مع إيران.

هذه الذريعة التي تروج لها “إسرائيل” تهدف إلى تجنيد دول الإقليم إلى جانبها في مقاومة التطور العلمي والتكنولوجي لإيران. هذا التطور يحتاج إلى هذه المبالغ الكبيرة لصرفها على الأبحاث والعلماء الذين لم يغادروا إيران، كما كانت تحلم “إسرائيل” وغيرها من الدول المعادية لكل تطور يحصل في الإقليم، لأن أي تطور علمي وتكنولوجي سيحد من النفوذ الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ويمنع تحقيق أحلامها في الهيمنة على الشعوب، التي يفترض أن تبقى متناحرة ومفتتة ومتخلفة، لتضمن سيطرتها الكاملة على مقدرات الشرق الأوسط، وهو الهدف الاستراتيجي للحركة الصهيونية منذ إنشائها على يد الدول الاستعمارية مجتمعة ولغاية اليوم.

بالمقابل، يرى آخرون أن التوقيع على الاتفاق، بالرغم من كل الملاحظات، هو أفضل من عدم وجود اتفاق، وعلى هذا يتفق عوفر شيلح، وهو عسكري سابق، ومعلق عسكري لاحقاً، وعضو كنيست سابق، والرجل الثاني، في قائمة لابيد قبل أن يتمرد عليه فيجد نفسه خارج الحزب.

يتفق مع شيلح كل من أهرون حاليفا، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وعميت ساعر، رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية. هذا الاتجاه هو الصوت الضعيف في المؤسسة الحاكمة، وهو صوت يدعو إلى التنسيق أكثر مع الولايات المتحدة والاستعداد معاً للحل العسكري مستقبلاً، ولا يرى في التوقيع على الاتفاق النووي مجدداً نهاية المطاف، بل هو فرصة لمزيد من الاستعداد بانتظار تغييرات في الولايات المتحدة تسمح لعمل عسكري مشترك ضد إيران.

مع التأكيد على ضرورة القيام بعمليات سرية ضد المنشآت النووية الإيرانية والعلماء النوويين، والحفاظ على تحالفات إقليمية تُبقي إيران عدواً مشتركاً حتى تحين ساعة الصفر.

أما آيزنكوت، الذي انضم إلى “المعسكر الرسمي”، الجديد، بقيادة غانتس وجدعون ساعر، فهو من معارضي الحل العسكري مقابل إيران، ويدعو إلى استهداف حزب الله بضربات جوية مفاجئة ومكثفة وتدميرية إلى أبعد مدى، مع الاستعانة بالجهود الدبلوماسية، الأميركية والفرنسية، لوقف المعركة في اللحظة المناسبة لـ”إسرائيل”، بالضبط كما فعلت “إسرائيل” في عدوانها الأخير على قطاع غزة.

ما هو البديل الذي تقدمه “إسرائيل” للاتفاق النووي المرفوض؟

في المحصلة، إذا كان الاتفاق الذي يمنع إيران من إنتاج القنبلة النووية “سيئاً”، فما هو الاتفاق الجيد؟ الجواب الحقيقي كان في تصريحات غانتس التي ذكرت أعلاه في معهد علوم السايبر والاستخبارات قبل سفره إلى واشنطن، وهي تعني شروطاً تعجيزية يعلم غانتس وغيره أنها غير قابلة للتحقق. إذاً، لا يوجد اتفاق جيد ويمكن تحقيقه، وعليه ستكون النتيجة هي عدم التوقيع من جديد على اتفاق.

هنا، لا بد أن نتذكر أقوال نتنياهو، خلال حفل تنصيب برنياع رئيساً للموساد، في الأول من حزيران 2021، إذ قال موجّهاً كلامه إلى برنياع: “إذا كان أمامنا الخيار بين مواجهة صديقتنا أميركا وبين مواجهة النووي الإيراني، فعلينا أن نختار مواجهة النووي الإيراني”.

أهود أولمرت، رئيس الحكومة الأسبق، عبّر عن موقفه أكثر من مرة، وقال إن “إسرائيل” لا تملك حلاً عسكرياً ضد إيران، وأن العودة إلى الاتفاق النووي هي الوسيلة الوحيدة لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووية.

كذلك هو موقف رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، أهارون حاليفا، ورئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات، عميت ساعر، وهما يعدّان”وجود اتفاق نووي مع إيران أفضل من عدمه.”

ويرى الإثنان، أيضاً، أن وجود الاتفاق يمنح “إسرائيل” الفرصة اللازمة لبناء “خيار عسكري” ضد إيران وحلفائها. وكان نتنياهو

قد أقرّ بعد إبرام الاتفاق الأول، في العام 2015، مقترح رئيس الأركان السابق، غادي آيزنكوت، بوقف بناء خيار عسكري ضد

إيران وتوجيه الاستعدادات والطاقات والموارد المختلفة لمواجهة حزب الله.

يجدر التذكير بمواقف آيزنكوت وعقيدته العسكرية التي تقضي بتوجيه ضربة استباقية، بالقصف الجوي المكثف والمدمر جداً

للبنان، وليس لإيران، مع الاستعانة بجهود دبلوماسية لوقف العمل العسكري وفق التوقيت الإسرائيلي، من دون دخول قوات

برية إلى المعركة، وهو ما يسمى بـ”عقيدة الضاحية”، وهذا ما تم تنفيذه خلال كل عدوان على غزة منذ عام 2012، عندما

كان آيزنكوت نائباً لرئيس الأركان، مروراً بكونه رئيساً للأركان، ولغاية اليوم.

في حديث مع صحيفة “يسرائيل هيوم”، نهاية الأسبوع الماضي، قال الجنرال عاموس جلعاد، رئيس القسم الأمني

-السياسي في وزارة الأمن الإسرائيلية، ويعكوف عميدرور رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، إن “كل محاولة للتأثير على

الولايات المتحدة لمنعها من العودة إلى الاتفاق النووي ستفشل، لذلك، على إسرائيل أن تستعد في أقرب فرصة للقيام

بعمل عسكري لدرء الأخطار عنها”.

ما المقصود بهذا العمل العسكري؟ إذا كانت “إسرائيل”، وفق تقييمات سابقة لهذين الجنرالين، لا تستطيع القيام بعمل

عسكري ضد إيران، فهل هذا يعني أن تقوم بعمل عسكري ضد حزب الله؟ وهل التوتر القائم على الحدود الشمالية،

بسبب محاولات “إسرائيل” استخراج الغاز من حقل “كاريش” المتنازع عليه، وتهديدات حزب الله بمنع ذلك، تشكل مناسبة

لـ”إسرائيل” للقيام بعملية عسكرية استباقية وخاطفة من الجو والبحر ضد حزب الله؟ وإذا كان عاموس جلعاد، في المقابلة

نفسها، “يتوقع” مواجهة قريباً مع حزب الله في لبنان، فهل هذا هو البديل أمام “إسرائيل”؟

الجنرال غيورا ايلاند، رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، عبّر عن الموقف ذاته، في حديث إذاعي مع ارييه غولان صباح

الإثنين، وقال: “إن الاتفاق يتيح فرصة لإسرائيل، لمدة ثماني سنوات، من دون حصول إيران على سلاح نووي، وهي فرصة

تستعد خلالها إسرائيل لبناء قوة قادرة على مواجهة إيران، لكن المطلوب من أميركا، وفق ايلاند، أن تنشئ منظومة مراقبة

مشددة جداً، وتعود إلى العقوبات إذا ما خرقت إيران هذا الاتفاق”.

يبدو للمتابع أن هناك ارتباكاً إسرائيلياً في الموقف من الاتفاق النووي، اعتماداً على الفوارق في نصوص تلك المواقف، لكن

الحقيقة لا تكمن في النص إنما في الرسائل الضمنية وفي الاستعداد العملي لمواجهة تحديات المستقبل، وفي الكشف

عن حقيقة الاستراتيجية الصهيونية في الشرق الأوسط.

الخطر الحقيقي على “إسرائيل” ليس في امتلاك إيران للقنبلة النووية، ولو كان هذا هو الخطر لما اعترض حكام “إسرائيل” على أي اتفاق يضمن التزام إيران بعدم التسلح النووي، مع المراقبة الدولية المشددة على ذلك.

الخطر الحقيقي هو امتلاك إيران، وأي دولة عربية، قدرات علمية بشرية وقدرات مادية كبيرة، يتم استخدامها بنجاح ضمن استراتيجية إقليمية ودولية للخروج من حالة التخلف إلى التقدم العلمي والتكنولوجي، للخروج من مجتمع الاستهلاك إلى مجتمع الإنتاج، من حالة التبعية إلى حالة السيادة والقيادة.

هذا هو ما يخيف “إسرائيل”، لأنها لا تستطيع العيش في هذا الشرق إلا بضمان الهيمنة السياسية والسيطرة على مقدرات الشعوب، وهذا يحتاج إلى دعم كامل من دول الاستعمار التي أنشأت “إسرائيل” مع ضمان تخلف عربي واستمرار الصراعات فيما بين العرب أو فيما بين المسلمين، سنة وشيعة أو عرباً وفرس…إلخ.

لماذا تصر القيادة الإسرائيلية على التهديد باستخدام القوة؟

تصر القيادات الإسرائيلية كلها أن “إسرائيل” ليست طرفاً في الاتفاق، وأنها لن تلتزم به، هل حقاً ليست طرفاً؟ ونحن نشهد، للتاريخ، أن الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تفاوض إيران بدلاً من “إسرائيل”، ووفق الشروط الإسرائيلية، وتدفع بمصالحها في العلاقة بإيران، من أجل إرضاء “إسرائيل” و”ضمان أمنها القومي”.

إذا كانت “إسرائيل” لا تقدم بديلاً للاتفاق النووي، فلماذا تهدد بالاستمرار في عملياتها السرية ضد إيران وتستعد لحرب كبرى ضد إيران وسلاحها النووي المزعوم؟

إجابة على هذا السؤال، يقول المحلل العسكري لموقع معاريف، طال ليف رام: “يبدو لي أن وزير الأمن بيني غانتس، وكل القيادات، فهموا أن الاتفاق سيئ، لكنهم يخشون من القيام بعمل عسكري ضد إيران، فيتورطون بذلك، لا سيما أن المستوى العسكري لا يوصي به”.

مراقبون إسرائيليون آخرون يقولون: “إذا لم تعارض إسرائيل الاتفاق علانية، فلن تتمتع بالشرعية للعمل (عسكرياً) قبل التوقيع عليه أو بعده”. معتبرين أن هذه الذريعة يشوبها العديد من العيوب: أولها، أن توجيه ضربة عسكرية واسعة ضد المنشآت النووية الإيرانية هو عمل يتطلب، في كل الأحوال، تنسيقاً مع الولايات المتحدة. ويرجع ذلك أساساً إلى الحاجة إلى مساعدات عسكرية أميركية لوجستية ضخمة قبل مثل هذا الهجوم وخلاله وبعده “. ولن تستطيع الحصول على امتيازات جديدة عسكرية وغير عسكرية من الولايات المتحدة تعويضاً عن عودة أميركا إلى الاتفاق.

بعيداً عن المواقف والنصوص الدبلوماسية، “إسرائيل” العميقة، الرسمية وغير الرسمية، لا تقدم أي بديل للاتفاق النووي المزمع توقيعه مجدداً بين الدول العظمى وإيران. الدول العظمى هذه فاوضت إيران بدلاً من “إسرائيل” وباسم الحركة الصهيونية، لا باسم الأمم المتحدة.

في كل جولة من المفاوضات كانت أوروبا وأميركا تخضعان للمطالب والشروط الإسرائيلية. إذ كانت “إسرائيل” في الغرفة المجاورة قبل كل جولة تفاوضية وخلالها وبعدها، ومصلحة “إسرائيل” الاستراتيجية كانت هي الأساس في التفاوض على حساب المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وأوروبا.

أوروبا لم تعد تحتمل دفع الثمن الذي تطلبه “إسرائيل”، وأميركا لم تعد قادرة أن تضغط على أوروبا أكثر من أجل مصلحة “إسرائيل” الاستراتيجية.

من هنا، يأتي الغضب الإسرائيلي، وكل المحاولات الإسرائيلية السابقة والحالية واللاحقة لتخريب أي اتفاق مع إيران.

الحركة الصهيونية لا تعترف بمصالح أحد سوى مصالح “إسرائيل”، وفي عمق العقيدة الأيديولوجية الصهيونية أن العالم الغربي مدين لـ”إسرائيل” لما تقدمه للغرب من خدمات في الخط الأمامي من المواجهة مع الشرق، خصوصاً في مواجهة العالمين العربي والإسلامي، وأنه على الغرب، بالمقابل، أن يقدم لها كل خدمة تطلبها لضمان بقائها وتعزيز هيمنتها في الشرق الأوسط. وفي عمق العقيدة اليهودية لا يختلف الأمر كثيراً، إذ ترى أن سائر الشعوب خلقوا لخدمة “إسرائيل”.

إذا فقدت “إسرائيل” تفوقها وهيمنتها واستعلاءها على شعوب المنطقة فلا مكان لها في الشرق الأوسط. وتصبح في خطر وجودي فعلاً.

إذاً، لم يبق أمام “إسرائيل” من خيارات سوى مواجهة حلفاء إيران بدلاً من مواجهة إيران مباشرة، وهذا يجد إجماعاً في الدوائر السياسية والأمنية الإسرائيلية. فهل تقوم “إسرائيل” بشن حرب “استباقية” تتدحرج إلى حرب إقليمية تتورط فيها الولايات المتحدة، فيصبح توقيع الاتفاق مجدداً مستحيلاً؟

“إسرائيل” تقرع طبول الحرب على لبنان أو سوريا

لا مفر أمام “إسرائيل”، إما الاستسلام لمستقبل مظلم تفقد فيه “إسرائيل” هيمنتها وتقدمها على دول المنطقة، أو شن حرب تخوض فيها مغامرة كبرى. هل ما يزال الاستعمار الغربي قادراً على ضمان التفوق الإسرائيلي في المستقبل، أم أن الغرب سيتخلى عنها وتضطر أن تتدبر أمورها بنفسها؟ هذه هي الخيارات التي تربك “إسرائيل” وتؤرق حكامها وتضع الحركة الصهيونية أمام تحديات تاريخية ومفصلية.

يبدو لمن يراقب الأمور بعمق، أن “إسرائيل” اختارت المغامرة، بحروب تستهدف قوى محيطة بها قبل أن تستهدف إيران

مباشرة. سوريا مرشحة لتكون ساحة الحرب مع إيران، ولبنان مرشح في الأسابيع القادمة، وربما في الأيام القادمة،

لعدوان عسكري إسرائيلي، يسمى ضربة استباقية ضد المقاومة اللبنانية، سبق ذلك ضربة استباقية ضد قوى المقاومة

في قطاع غزة، وحظيت بموافقة عربية ودولية، وشكل النجاح العسكري فيها نموذجاً فتح شهية القيادة العسكرية

والسياسية في “إسرائيل” إلى تكراره في لبنان أو سوريا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى