الأخبارشؤون العدو

ليسوا اقتصاديين

بقلم: شاؤول برومفيلد
في كتيب نيسان 2014 من “جيش واستراتيجيا” تم نشر “دم ودماء – في التفكير العسكري والتفكير الاقتصادي” والتي تم من خلالها عرض التوقعات التالية:
أ – نوعان من التفكير – العسكري والاقتصادي – هما متشابهان جدا، اذا تم القيام بهما من قبل قادة حقيقيين واقتصاديين حقيقيين. والتشابه بينهما نابع من ان القائد والاقتصادي يعمل كلاهما من اجل تحقيق هدف ما عن طريق اختيار العمل الامثل المرتكز على اعتبارات الكلفة – والفائدة.
ب – هناك انتقاد غير مبرر ضد الاقتصاديين، لأن القادة لا يميزون بين الاقتصاديين الحقيقيين الذين يستخدمون اعتبارات الكلفة – والفائدة وبين واضعي الميزانيات والذين تكون اعتباراتهم ضيقة، وكذلك قليلة.
ج – الضجة التي لا اهتم بها هي تلك التي تدار فيها النقاشات على ميزانية الامن، وهي في اساسها نتيجة لغياب عملية التنظيم لتحديد سياسات الامن القومي، الاهداف وسلم الاولويات لا يعتبران كاجراء من قبل المستوى السياسي، الذي ليس له ادوات كافية لكي يوجه الجيش بخصوص بناء القوة وتفعيلها.
د – احدى النتائج السلبية للوضع هي ان اعتبارات المصالح للذراع او اعتبارات الانا للقائد (هي عديمة التفكير وكسولة) غالبا ما تلعب دورا في تخصيص الموارد للامن .
ه – الدرس المستخلص مما ورد اعلاه هو مضاعف: الاول – من الضروري تحسين الاجراءات لتخطيط سياسات الامن القومي وميزانياته – ثورة اوصى عليها الكثيرون والجيدين، ولكن لم يكن لحكومات اسرائيل الاستعداد لتنفيذها. الثاني – من الضروري لزيادة الفهم الاقتصادي للقادة، وذلك في أطر مختلفة، بدءا من كلية التدريب والاركان الى اعلى مستوى.
مؤخرا تم نشر اقوال لعدد من الجنرالات في الجيش تشير الى موقف متناقض من قادة الفكر الاقتصادي. ويقف في الجانب الجيد مدير عام وزارة الامن، الجنرال احتياط دان هارئيل، الذي كان يشغل في السابق نائب رئيس الاركان، والذي قال في مؤتمر الجليل الثاني للادارة والاقتصاد ان “انتقادي للمنطق الاقتصادي لمنظومة القبة الحديدية كان خطأ (…) يجب احتساب كلفة الاعتراض مقابل الضرر الذي يتسبب به الصاروخ للمباني وللاشخاص في المناطق المأهولة (وليس مقابل كلفة الكاتيوشا). عن ذلك يقال ” يشكر يروحام ويرحل”. والى جانبه وقف نائب رئيس الاركان المنتهية ولايته الجنرال احتياط يائير نافيه الذي قال: ” كنت اوصي لكل نائب لرئيس الاركان بأن يكون خريج ادارة اعمال وان يصل الى هذه الوظيفة بعد فترة من الزمن في الخدمة المدنية”. وعليه ” لا يوجد ذكي كصاحب تجربة”.
الجنرال احتياط غرشونهكوهين يعتقد غير ذلك. فمؤخرا تم نشر كتاب تضمن محاضراته حول موضوع الامن القومي، واحدهما (الفقرة ح) تناولت “دم ودماء”. هكوهين الذي تسرح مؤخرا من الجيش، هو احد القادة عميقي التفكير – مقاتل ومثقف. يقول هكوهين انه يحظر ان تؤدي اعتبارات الربح والخسارة الى عدم تنفيذ المشاريع ذات الاهمية القومية والامنية، وبكلماته :” هل مصير اسرائيل وكيبوتسجليوت ممكن لها ان تصمد امام اختبار عقلانية الاقتصادي؟ وهل الممارسة، وتحقيق نبؤة قيام الامة الاسرائيلية، تحتاج الى تبرير بالمعايير الاقتصادية، وبتحليل لحسابات معادلة الكلفة والفائدة؟.” كما عرض هكوهين نماذج لاستثمارات هامة ومفيدة من الناحية القومية، والتي يمكن القيام بها على الرغم من كونها مرتبطة بخسارة اقتصادية: تعليم “فتية رفول”، الزراعة، مستوطنات خط المواجهة وسياسات القوى البشرية للجيش، المرتكزة على واجب التجنيد العام وعلى افراد الاحتياط.
الادعاءات والنماذج التي عرضها جرشونهكوهين تظهر الاقتصاديين كشركات ” فاسدين ” ضيقي الافق، والذين يتفحصون الموضوع فقط عن طريق “الثقب في القرش”. في ” الدم والدماء” حاولت توضيح لماذا هذا العرض ليس صحيحا. هنا ممكن الاكتفاء بالقول ان الاقتصادي الحقيقي يأخذ بعين الاعتبار “الكلفة والفائدة” لطرق تفعيل الامكانيات في تعابير واسعة، وليس فقط انعكاساتها الاقتصادية الضيقة. والامر يشبه القائد الحقيقي الذي يميز جيدا بين المشكلة التكتيكية وبين المشكلة التنظيمية، ولا يرى المهمة فقط من خلال توجيه بندقية الـ م 16.
يقال بصريح العبارة انه في العقود الاخيرة تحول الاقتصاديون الى مشككين الذين هم ليسوا على استعداد لقبول المزيد، بدون تمييز، من اقوال القادة وتحديداتهم. وذلك لانه اتضح ولاكثر من مرة ان يقف وتختفي وراء ما يتم عرضه كاعتبارات هامة للامن القومي مصالح مختلفة وكثيرة او مجرد كسل وعدم تفكير. وهذا ما يشبه مشروع ال “لافي” – طائرة مقاتلة متطورة والتي تم التخطيط لها في الصناعات الجوية وتقريبا خربت الاقتصاد الاسرائيلي، والجيش وسلاح الجو. لهذا المشروع كان شركاء كثيرون على مستوى الحكومة والجيش، وهنا ليس مجال للتفصيل. ويكفي ان نقول ان الاقتصاديين في الحكومة الاميركية ووزارة المالية نجحوا، وبصعوبة كبرى ” إحباط” المشروع، وبفضلهم يوجد لنا سلاح جو مؤهل ويعتمد على طائرات مقاتلة اميركية من جانب، ومن جانب آخرصناعات التقنيات المتطورة (الهايتك) المؤهلة، والتي بنيت على ايدي علماء، ومهندسين وفنيين تحرروا مع هبوط “اللافي”. وبفضل ذلك تم الحيلولة دون حدوث كارثة اقتصادية. مثال اضافي وهو حقيقة انه في قلب منطقة سكنية في تل ابيب، وبالقرب من مستشفى، ومدرسة، ومتاحف وبيوت للعجزة، تقع منشآت استخبارية، القيادة العامة، قيادة سلاح الجو، ووزارة الامن، والتي تم فيها استثمار اموال طائلة. الاعتبارات العملياتية والاقتصادية تشير الى ان مكان “البنتاغون” الاسرائلي هو ذو اشكالية، ويستلزم استثمارات كبيرة إضافية من اجل الحماية المتواصلة له (من دون التطرق الى ما حدث في يوم القيادة للمدنيين الذين تقع بيوتهم بالقرب من معسكر قيادة الاركان).
ويشير جرشونهكوهين ، بأسف وبصدق، الى تراجع مشاعر المهام في المجتمع الاسرائيلي التي تتم في الجيل الاخير، ويدعي ان الاعتبارات الاقتصادية هي التي حولت المشاعر الى المهام – من النوع الذي يميز افراد الاحتياط ومشغليهم في العقود الاولى لقيام دولة اسرائيل. اقواله هي صحيحة، كما هو مفهوم، ولكن من الممكن ان نستخلص منها عبر مختلفة مما له: ان هبوط الاستعداد للتضحية من اجل الجموع والامتثال لخدمة الاحتياط من الممكن ان ننسبها ليس فقط للمادية الانانية، بل ايضا الى التحسين الذي طرأ على وضع اسرائيل الاستراتيجي في الجيل الاخير، والذي سمح بتقليل العبء الامني وحتى لتقليص قطاعات معينة في ترتيب المعركة. من هنا، فإنه من الصعب اليوم، اكثر من اي وقت مضى، ان تخلق الدافع على طهارة القيم فقط، ولذا فلا يكفي فقط تأدية “التحية” لافراد الاحتياط بل ويجب ايضا ان يتم تفعيل حوافز اقتصادية سليمة.
اشار جرشونهكوهين الى نقطة هامة: انه يجب ان يكون للحكومة طواقم مهنية متخصصة بإمكانها ان تتفحص بشكل عميق قضايا استراتيجية وتنظيمية تتعلق بالامن القومي. فالاعتماد على شركات الاستشارة الخارجية، بما في ذلك شركات اجنبية (!) مثل “مكينزو”، هو خلل خطير، لانه لا يوجد للمستشارين الاجانب المعرفة، الخبرة وحرية التصرف المطلوبة عند التعامل مع الدم والدماء (وكذلك الصلاحيات الاخلاقية المطلوبة لقرارات حول محاسبة النفس). من الضروري وجود هيئات مهنية متخصصة في الحكومة والكنيست، وهذا ما قصدته توصيات كثيرة على مدار سنوات. وهنا يبرز بصورة خاصة النقص في القوى المهنية المتخصصة في وزارة المالية، والتي لا يوجد بها طاقم ذو تجربة وخبير في موضوع الامن القومي ( من المهم الاشارة ان مكتب مراقب الدولة نجح في بناء طاقم كهذا، ويقف على رأسه ضباط متقاعدون كبار، في حين انه في وزارة المالية فإن المسؤولين عن المواضيع الاقتصادية هم من الشبان الذين على الرغم من انهم مؤهلون، ولكنهم بشكل عام عديمو الخلفية السياسية الامنية الواسعة المطلوبة)
وبالاجمال، فإن هذا الكتاب ابدا لم يأت من اجل ان يتصارع مع قادة الجيش، بل انطلاقا من الشعور بأن الحوار بين القادة والاقتصاديين هو حوار في قنوات متوازية لا تلتقي. لذلك، وبسبب اهمية الموضوع، فمن المناسب ان يكون في إطار تأهيل القادة هناك متسع من الوقت من اجل الاصغاء والتعلم حول اهمية الاقتصاد الحقيقي ولمساهمته المحتملة في تحسين اجراءات بناء القوة.
لقد نجح الجيش الاسرائيلي في السنوات الاخيرة في تحسين الدمج بين ذراع القوات البرية وذراع القوات الجوية، وبين جهاز الاستخبارات (امان) وبين جهاز الامن العام (الشاباك). والان من الممكن التوجه للمهمة القادمة: خلق الدمج بين القادة وبين الاقتصاديين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى