الأخبار البارزةشؤون العدو

كيف تخلى الموساد الإسرائيلي عن سوبرمان وتحول إلى باتمان

يستسيغ المتلقى صورة البطل الذي يتماهى مع قدراته الانسانية الذي يخطأ ويصيب، يُضرّب ويضرُب، يُهزّم في جولة وثم يهزم عدوه لاحقاً في المعركة الفاصلة. كما ينبذ المتلقي صورة البطل القوي والمنزّه دائماً صاحب القوة الأسطورية القاضية على جميع منافسيه وأعدائه.

في وثائقي “من داخل الموساد” الذي تعرضه شبكة ” ناتفليكس” شهدنا تحول استراتيجي في الدعاية الإسرائيلية، وهذا التحول قد يتربع باتمان على عرش الأبطال الخارقين الأكثر متابعةً بين جميع الآخرين من سوبرمان وسبايدرمان وغيرهم.

يرى الباحثون الاجتماعيون أن سر نجاح باتمان يعود لكونه البطل الأقل استخداماً للقوى الخارقة، وهو الشبيه الممكن لكل متابعيه. فهو لا يستخدم السلاح ولا يملك قدرات خرافية تجعله يطير في الهواء بنفسه دون وسائل تقنية، لا بل يتلقى الضربات والصفعات الكثيرة، ولكنه يقاوم بدأ منذ مدة قصيرة في أفلام ومسلسلات إسرائيلية تتعمد إظهار الإسرائيلي بصورة إنسانية أكثر من ذي قبل، وتتحاشى إظهاره بصورة الكامل والمعصوم والجبار.

اعتمد الوثائقي على مقابلات مع ضباط ومسؤولين متقاعدين في الموساد، حكوا عن تجربتهم وأجابوا عن أسئلة وأحداث كثيرة. يقول أحد ضباط الموساد أن تدخلهم العسكري في جنوب السودان لمساندة الانفصاليين الجنوبيين كان هدفه أخلاقاً ومبدئياً لحماية استقلال الأقليات، بينما يقول ضابط موساد آخر أن الاستخبارات لا تعترف بالأخلاق وأن الهدف كان الوصول إلى حدود قناة السويس ولا تعنيهم حماية الأقليات.

قد يستغرب المتلقي كيف يُظهر الوثائقي إعترافاً خطيراً من ضابط سابق بحقيقة التدخل الإسرائيلي وإظهار وجههم السيء. يروي أحد ضباطهم كيف مارس الجنس مع مثلي عربي ليقوم بتجنيده كعميل، ويرى أن كل شيء مبرر للحصول على المعلومات.

في مشهدٍ آخر يوصف مسؤول آخر العميل العربي على أنه صديق مؤقت لفترة وجيزة وثم يتحول إلى نكرة أو حتى عدو،  فالعميل بنهاية المطاف عميل.

ويروي ضابط آخر أنه بينما كان يطعم طفله، رأى على غلاف الجريدة صورة أحد العملاء في غزة الذين جندهم بنفسه مشنوقاً في ساحةٍ عامة، فيشعر بأنه مذنب للحظات. لكن ما أن تسأله زوجته عن سر تباطؤه في إطعام الطفل يعود إلى طبيعته وينسى الأمر وكأن شيئاً لم يكن. فالعميل لا يُحترّم سواء من أهله أو من الجهة التي جندته، هو ليس سوى حقير نذل باع نفسه وأهله وخان وطنه من أجل المال أو للتشفي من بعض الناس أحياناً.

يروي مسؤول آخر عن راعي لبناني تواصل مع الموساد في سبيل الوشاية بفدائيين فلسطينيين، وكيف أنه وعده في حال تسلله معهم بأنه سينجيه لأن لديهم طرقهم في المحافظة على حياته، لكنه يعترف بأنه كان يكذب عليه وكان يعلم بأن الرصاص لن يميز أحد من المتسللين.

هل ممكن لهذه الاعترافات من ضباط الموساد أن تشجع ضعيفي النفوس للعمالة مع “إسرائيل” وهل تعطيهم الأمان أم ترعبهم!. لكن هل الإسرائيلي فعل ذلك في سبيل سرد رواية حقيقية عنه أم أنه اعتمد استراتيجية أخرى أكثر نجاعة في التطبيع، ولربما قد أصبح أسلوب العمالة قديم وقد بدأ بأسلوبٍ جديد أكثر جدوى.

لا ينتهي الأمر عند هذا الحد، فيقول موسادي آخر في مراجعة لعملهم أنهم أخطأوا في التعاون مع اليمين المسيحي وقد وجب عليهم أن يمدوا اليد للشيعة والدروز. قد لا ينطلي هذا الكلام على اللبنانيين الذين عايشوا حروب “إسرائيل” ومجازرها فهم خبروا خبثها وشرورها وفظاعة إجرامها. ولكن ماذا عن جيل الألفية الذي لم يشهد تلك الحروب والمجازر وهو الجيل آلي ولد قبيل أو بعيد التحرير، ولم يبلغ السابعة من العمر عندما تعرضت بلده لحرب 2006. وهو الجمهور الأكثر تعلقاً اليوم بالتقنيات الحديثة والأكثر مشاهدةً للنتفليكس.

لربما قد بعتبر أن الإسرائيلي يجري مراجعة ذاتية لتاريخه الحقير وينوي اليوم أن يفتح صفحةً بيضاء ويمد الجسور ويبني العلاقات الودية والندية مع العرب.

يجمع الخبراء بالشأن الإسرائيلي والصراع العربي الإسرائيلي بأن الوثائقي يحوي الكثير من الأكاذيب والاختلاقات، ولا شك بذلك، ولكن عليكم أن تعلموا أن هذا الوثائقي ليس موجهاً للمخضرمين، إنما موجه لجيل الشباب الناشئ، فالإسرائيلي لا يريد من شباب العرب عامةً ولبنان خاصةً عملاء له ولا يشجعهم على ذلك بدليل إظهاره لاحتقار العمالة وعدم حماية العملاء، إنما يريد أن يظهر بشكلٍ مختلف عن السابق ليتكلم عن هفواته ويعترف بقوة أعدائه، ويكشف عن مساوئه السابقة مع إعطاء نفسه بعض التبريرات، ليبدو كمن يقوم بمراجعة نقدية لتاريخه من خلال اعترافاته سعياً لخرق جدار العداء وفتح الطريق نحو التطبيع التدريجي مع جيل الشباب.

الصراع الثقافي بوجود التقنيات الحديثة أشد مضاضة من الصراع المسلح فاحذروه!..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى