مقالات وآراء

كثيرون مروا هنا.. لكن تظّل ابتسامة “حمزة” عالقة في ذاكرة الحيّ

تزيّن حيّ الشجاعية شرق قطاع غزة في مساء الـ 11 من أيار/ مايو 2021، بضحكات “حمزة” للمرة الأخيرة، إذ كان يسير في أزقة الحيّ بالابتسامة لم تغب عن وجهه يومًا، يُلوّح بيده يُلقي التحية على الجيران؛ يسأله أحدهم بقلق “وين رايح يا ابني والقصف شغّال” فيرد: “سأشتري بعض الخضروات لأمي سريعًا وأعود”.

وقبل أن يتنهي حديثهما هزّ المنطقة انفجار شديد، ليُصاب بشظيّة صاروخٍ صهيوني، ويعود إلى حضن أمه الكفيفة شهيدًا بكفنٍ أبيض وحلم فلسطيني آخر لم يكتمل.

إنه الشهيد حمزة نصّار، ابن الثانية عشر عامًا، أحد الأطفال الشهداء الذين ارتقوا خلال العدوان الصهيوني الأخير  على غزة (66 طفلًا)، ليُغادر الحيّ بخِفة عصفور وملامح ضاحكة مستبشرة، إلى مكانٍ أوسع يُكمل فيه الحكاية!

يقول والده محمود نصّار لـ “وكالة سند للأنباء“، إن “حمزة” كان رجلًا بعمر طفل، وبسبب ظروفه الصحيّة، والاقتصادية، كان يعتمد عليه في كثير من الأشياء وتأدية مهام يومية رغم أنه ليس الابن الأكبر في العائلة.

ويضيف بابتسامة تواري حزنه: “صام حمزة شهر رمضان المبارك، وكان يحرص على الاعتكاف وقيام الليل في المسجد القريب من منزلنا رغم صغر سنه”.

والد “حمزة”، لم يكن يعلم أن ضحكات طفله التي يُحبها كل من يُعرفه، ستصبح ذكرى دون سابق إنذار، وأن ابنه المتفوق لن يُصبح طبييًا كما يُحدثهم دائمًا: “بكرا بصير دكتور وبعالج كل المرضى”.

يُكمل والده بصوتٍ تخنقه حشرجات الدموع: “بينما كان حمزة ذاهب لشراء بعض الخضروات لأمه قبيل آذان المغرب، أصابته شظية صاروخٍ إسرائيلي، ألقته بعيدًا وأبقته مجهول الهوية في ثلاجات الموتى لساعاتٍ طويلة”.

كانت أمه تجهّز وجبة ورق العنب “الدوالي” بناءً على طلب “حمزة” المدلل، بعد ليلة خوف عاشها بسبب القصف الإسرائيلي الذي طال الحيّ، كان يُخبرها أنه “خائف ولا يريد الموت”، حاولت طمئنته بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وأنه سيتذوق ألذ طبق “دوالي” غدًا.

انتظرت العائلة مساء ذلك اليوم، عودة “حمزة”، فموعد آذان المغرب اقترب، وليس من عادته التأخر، ظّل والده يرتقب عند عتبة المنزل ويسأل أصدقائه لكن لا خبر، يقول: “عندما يئست من الانتظار ذهبت إلى المشفى للبحث عنه، كان من بين الشهداء طفل مجهول الهوية، حبست أنفاسي تقدمت نحوه، ودعائي يارب ما يكون هو”، صمت تبعه صوتٌ يصرَخَ “حـمزة” !

يُقلّب والده المكلوم صور “حمزة” في هاتفه، ويُشير إلى ضحكته التي تُميّزه، واصفًا إياه بـ “صديق البسمة” وأنه يُتِقن الأمل والحياة وكان يسعى لأجل أشياء جميلة كثيرة لكن صاروخ الاحتلال وقف حائلًا بينه وبين أحلامه.

ويستذكر والد “حمزة” المرة الأخيرة التي تجوّل برفقته في السوق، حيث كان يُجهز نفسه للعيد، اشترى ملابس العيد وطلب من والده “ساعة يد” يقول: “أصرّ على اقتنائها ونزولًا عند رغبته، اشتريتها له، لكنّ لم يحضر العيد معنا، ولم يفرح بها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى