مقالات وآراء

قراءة في دعوات تشكيل تحالف إقليمي ضد إيران

شرحبيل الغريب

دعوة “إسرائيل”، على لسان وزير أمنها، بيني غانتس، إلى تشكيل تحالف إقليمي بقيادة الولايات المتحدة، يضم دولاً

عربية و”إسرائيل”، لمواجهة إيران وتقويض نفوذها في المنطقة، وما تبع هذه الدعوة من تصريحات لرئيس أركان

الاحتلال الإسرائيلي، آفيف كوخافي، يعكسان حالة قلق كبيرة تعيشها “إسرائيل” جرّاء الإفصاح عما وصفه كوخافي

بالتهديد الاستراتيجي، الذي تتعرّض له “إسرائيل”، والذي يتشكل في ستّ جبهات، هي إيران والعراق واليمن وسوريا

ولبنان والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

إيران لم تصمت عن مثل هذه الدعوات، التي كُشف عنها قبيل الزيارة الأولى والمرتقبة للرئيس الأميركي جو بايدن

للمنطقة، وقابلت هذه الدعوات بتهديدات سقفها عالٍ جداً، جاءت على لسان قائد القوات البرية للجيش الإيراني،

العميد كيومارس حيدري، وقال فيها إن قوات بلاده ستسوّي “تل أبيب” وحيفا بالأرض، في حال ارتكاب “إسرائيل” أي

خطأ تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

“إسرائيل” متورطة مؤخراً في عدد من الاغتيالات بحق علماء إيرانيين، وتقصف أهدافاً في سوريا، وتهدّد وتتوعد بالمزيد.

وهذا السلوك نابع من رؤية إسرائيلية واضحة، كُشف عنها مؤخراً، لحكومة متعطشة إلى الإرهاب كي تضمن استمراراها

وبقاءها، بعد أن تعرّضت لهزات سياسية جعلتها آيلة إلى الانهيار والسقوط. كما أنها تسعى، من وراء ذلك، لاسترضاء

المستوطنين في “إسرائيل”.

دعوة كل من غانتس وكوخافي إلى تشكيل تحالف إقليمي، بمشاركة دول عربية، تتلاقى مع دعوة رئيس مجلس الأمن

القومي الإسرائيلي السابق، مائير بن شبات، الإدارةَ الأميركية إلى ضرورة وضع الخيار العسكري ضد إيران على الطاولة،

بديلاً عن الحصار الاقتصادي، وهو تعبير واضح عن خشية “إسرائيل” الدخولَ في مغامرة منفردة ضد إيران. وهذه الدعوات

تعَدّ اعترافاً بأن إيران أقوى من أن تواجهها “إسرائيل” منفردة، وهي تقف متخبّطة وغير مستقرة، إمّا تحتاج إلى حلف

إقليمي بمشاركة دول عربية لخوض غمار حرب ما، وإمّا تهدف إلى توريط الإدارة الأميركية في خيار عسكري لا ترغب فيه

في الوقت الحالي.

الحروب الخفية (والكلامية)، التي كانت تدور خلف الكواليس بين إيران و”إسرائيل”، انتهت، وبدأت تتَّضح ملامح وأشكال

جديدة للمواجهة. ويتعزّز ذلك المشهد بعد تصريح رئيس حكومة الائتلاف الإسرائيلي، نفتالي بينيت، وقوله إن “إسرائيل”

انتقلت من مواجهة أذرع إيران إلى مواجهة إيران نفسها، أو ما سمّاه “ضرب رأس الأخطبوط نفسه”.

على وقع تصاعد التهديدات المتبادلة، ثمة تساؤل مهم يطرح نفسه بشأن احتمال نشوب حرب عسكرية بين “إسرائيل”

وإيران قريباً، أو اشتباك متكامل متعدد الجبهات هذه المرة، وإلى أي مدى يمكن أن تنعكس تداعيات الاغتيالات الإسرائيلية

لعلماء في إيران، والقصف الإسرائيلي لسوريا، على أشكال المواجهة العسكرية؟

تصاعُدُ التحريض الإسرائيلي، وقيام “إسرائيل” بالتحرش، أمنياً وعسكرياً، ضد إيران، في أكثر من ساحة، يأتيان بسبب

فشل “إسرائيل” في ثني واشنطن عن المضي قُدُماً في إعادة توقيع الاتفاق النووي مع طهران. ومثل هذا التصعيد

يصَنَّف، حتى هذه اللحظة، على الرغم من حساسيته، تصعيداً في حلبات ثانوية غير متقدمة.

خيار المواجهة العسكرية الشاملة مع إيران خيار لا يتعلق بـ”إسرائيل” وحدها، وفي الوقت ذاته لا تستطيع أن تقرر هذا الخيار منفردة. كما أنها، في حال سلكته منفردة، لا تستطيع أن تصمد أمام فاتورته الباهظة بسبب كثير من الاعتبارات. وعليه، فإن عدم واقعية تشكيل هذا التحالف، في المنظور القريب، يدفع بقوة إلى استبعاد خيار التصعيد العسكري الشامل مع إيران، إذ إن أي تصعيد منفرد من هذا القبيل سيخلط أوراق المنطقة بأكملها، وسينعكس سلباً على قضايا أخرى، مثل قضية التطبيع. لذلك، يبقى للعبث الإسرائيلي، والذي تقوم به “تل أبيب” في الحلبات الثانوية، هدفان رئيسيان:

الهدف الأول: تعمل “إسرائيل”، انطلاقاً من قناعة لديها بأنها لا تستطيع أن تقف مكتوفة اليدين أمام تطور برنامج إيران النووي بمعزل عن أيّ رقابة دولية، أو حتى أي ضمان للحد من تطوره.

الهدف الثاني: هو تعبير واضح عن انزعاج وقلق إسرائيليَّين من حالة التطور الكبير لنفوذ إيران الإقليمي في المنطقة، وتعزيز قوة حلفائها ومحورها على الرغم من الحصار الاقتصادي الذي تعرضت له. وعلى الرغم من كل ما فعلته ضد إيران، فإنه لم يحدّ من نفوذها أو تمددها وقدرتها على تسليح حلفائها. وعليه، هي تقوم بعمليات أمنية واغتيالات محدودة بهدف عرقلة نفوذ إيران وإعاقته من جهة، ومن أجل عرقلة التطور العسكري الإيراني من جهة أخرى. كما أنها تعتقد أن الوقوف موقف المتفرج سيكلفها أثماناً باهظة في المستقبل. وفي الحقيقة، فإن سلوكاً كهذا يعكس فشلاً إسرائيلياً في تحجيم دور إيران على كل الصعد.

دعوات تشكيل تحالف إقليمي ضد إيران، أطرافه أصبحت معروفة، والركيزة الأساسية فيه هما الإمارات والبحرين. وعلى الرَّغم من الإغراءات الأميركية، التي تقدَّم من أجل إنجاح تشكيل هذا التحالف، فإنه لا يتعدّى، في الحقيقة، عن كونه طموحاً حتى اللحظة. فليس من السهل على سائر الأطراف الدخول في مثل هذا التحالف، بسبب اصطدامها بالإدارة الأميركية بملفات معقَّدة في المنطقة.

تدرك “إسرائيل”، أمام حالة القلق التي تعيشها جرّاء الجبهات الستّ التي تحدّثت عنها، أنها إذا واجهت إيران منفردة فستكون هي الخاسرة الأكبر. وإذا وقعت المواجهة فستكون حرباً مدمِّرة لها، ليس من إيران فحسب، بل من محورها الممتدّ على امتداد المنطقة. وعلينا أن نستحضر هنا كيف وقفت “إسرائيل” عاجزة، وواجهت صعوبة كبرى في التعامل مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في أيار/مايو 2021، على ضوء الرشقات الصاروخية التي أمطرت الأراضي الفلسطينية المحتلة في معركة “سيف القدس”، وهي التي تمتلك أسلحة وصواريخ بسيطة قياساً بما تمتلكه إيران وحلفاؤها في المنطقة.

حرب الجبهات الستّ، في وقت واحد، أصبحت كابوساً كبيراً يؤرّق “إسرائيل” أكثر من أي وقت مضى، والسيناريو الأسوأ لها. وتجب الإشارة هنا إلى مسألة جزم بشأنها الخبراء المختصّون أن أي حرب إسرائيلية يمكن أن تحدث، لا يمكن لها أن تشلّ البرنامج النووي الإيراني المنتشر على طول مساحة إيران، البالغة مليوناً وستمئة ألف كيلومتر مربع، إذ إن أيّ منطقة يمكن أن تقوم “إسرائيل” باستهدافها لن تستطيع إيقاف البرنامج النووي الإيراني. وبالتالي، فإن كل ما تقوم به “إسرائيل” هو عبث وفشل، ومستحيل أن يتحقق لها أهداف.

“إسرائيل” تريد من وراء كل هذا العبث ضمان تفوقها في المنطقة أولاً، واستغلال أنظمة عربية ضعيفة ثانياً. فهي، من جهة، تخشى البرنامج النووي الإيراني، وتعمل على تأليب أميركا والقوى الدولية، من أجل تشديد الشروط في أي اتفاق جديد يضمن الحد من نفوذها الإقليمي، لكنها، من جهة أخرى، تخشى نهوض إيران، علمياً واقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. وتحوّل إيران من قوة منبوذة خاضعة لعقوبات اقتصادية، إلى قوة مؤثّرة إقليمياً، ينعكس سلباً على هيمنة “إسرائيل” في المنطقة.

من سيُطلق الرصاصة الأولى: “إسرائيل”، أم إيران؟ القراءة الشاملة لطبيعة الصراع الإسرائيلي الإيراني تقول إن معركة الوجود بين إيران و”إسرائيل” هي مجرد مسألة وقت. تدرك “إسرائيل”، أكثر من أي وقت مضى، أنها تعيش تهديداً وجودياً غير مسبوق من جانب إيران ومحورها، وهي تتجهّز للمعركة الحاسمة، وأن أي حرب يمكن أن تقع لن تكون حرب استنزاف، بل معركة وجودية. ويعزّز ذلك ما كشفته صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، عبر اعترافها بأن التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أن “إسرائيل” لن تكون آمنة حتى في ظل توقيع اتفاقية دفاع وتحالف مشترك مع الخليج.

يستطيع أي طرف استدراج الآخر إلى خوض حرب، لكن السؤال هنا: هل “إسرائيل”، وفق المعطيات الحالية والظروف القائمة، قادرة مع حلفائها على خوض حرب وجودية مع إيران؟ في تقديري لا، وعندما تجد “إسرائيل” نفسها قادرة على خوض معركة كهذه وتنتصر فيها، لن تتأخر دقيقة واحدة، وهي تدرك جيداً أنها تتحالف مع أنظمة عربية خليجية، على أسس هشة. وبالتالي، فإن الرهان، بالاعتماد عليها في أي مغامرة، سيكون رهاناً خاسراً.

اقرأ المزيد: انتهاء جلسة النظر في قضية الأسير أحمد مناصرة دون قرار

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى