مقالات وآراء

قراءة في المرشحين لرئاسة أركان “الجيش” الإسرائيلي

مع اقتراب انتهاء ولاية رئيس أركان جيش الاحتلال أفيف كوخافي بعد سبعة أشهر، تستعد المنظومة الأمنية لاختيار خليفة

له في المنصب العسكري الأهم في دولة الاحتلال، بعد انتهاء العام الإضافي لكوخافي الذي منحته إياه حكومة “بينيت-لابيد”

فور تَشكُّلها العام الماضي. ورغم رغبة كوخافي بالتمديد له عاماً آخر، تحت ذريعة الوضع السياسي غير المستقر قبل مغادرة

الحكومة الحالية، يدور الحديث عن ثلاثة مرشّحين لخلافته في منصبه.

كوخافي الذي سيغادر هيئة الأركان على الأرجح بداية العام المقبل، يشعر بخيبة كبيرة؛ إذ لم يستطع تقديم صورة انتصار

واحدة تؤهّله للسير في طريق السياسة بعد انتهاء مشواره العسكري، وهو يحمل صوراً لخيبات كبيرة تجسّدت في معركة

“سيف القدس”.

يغادر كوخافي منصبه وهو يضع على طاولة من سيخلفه تحديات كبيرة، تتعلق بجبهات القتال التي تزداد قوتها يوماً بعد

يوم، فيما يتواصل اتساع فجوة ثقة الجمهور الإسرائيلي بجيشه، وسط تراجع في الدافع إلى القتال لدى المجنّدين، و

هروب الجنود من وحدات النخبة الميدانية إلى النخبة الإلكترونية.

خليفة كوخافي ورئيس هيئة الأركان الثالث والعشرين في تاريخ كيان الاحتلال بدأ الإعداد لاختياره من قبل وزير الأمن

في الحكومة الإسرائيلية الانتقالية بيني غانتس، وسط تجاذبات سياسية على خلفية علاقة المرشحين بالمستوى السياسي والمعارضة، وخاصة رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو.

وبرزت ثلاثة أسماء لشخصيات عسكرية تعدُّ الأوفر حظاً لشغل منصب رئاسة هيئة الأركان، وهي الجنرال هرتسي هليفي،

والجنرال إيال زمير، والجنرال يوئيل ستريك. وهنا نستعرض الشخصيات الثلاث المرشحة وتوجهاتها في ما يتعلق بجبهتي

غزة ولبنان، على ضوء قراءة في تصريحاتها ومشاركاتها في المؤتمرات العلمية.

المرشح الأول الجنرال هرتسي هليفي 45 عاماً

يشغل حالياً منصب نائب رئيس الأركان، وسبق له أن شغل مناصب عديدة، أبرزها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية

“أمان”، وقائد سرب استطلاع الأركان العامة، وقائد القيادة الجنوبية، وقائد القوات المسلحة، وقائد الكلية العسكرية

للقيادة والأركان، وقائد فرقة الجليل.

على مستوى غزة، يرى هليفي أنّه لا يوجد حلٌّ نهائي للوضع في قطاع غزة، ويعارض التحسينات الاقتصادية للقطاع

بهدف المحافظة على الهدوء، إذ زعم في عام 2019 أنّ مشاريع التنمية الاقتصادية في قطاع غزة – الذي يعاني من

أوضاع اقتصادية متردّية للغاية من جرّاء الحصار – قد تؤدي إلى “تعزيز الإرهاب وزيادته”.

كما يرى أنّ التعامل مع غزة قائم على مبدأ أنّه “كلما عزّز الغزيون من قدراتهم العسكرية، سيتعيّن علينا ممارسة قوة

أكبر لنعيد غزة مجدداً إلى الوراء”.

على مستوى لبنان: عندما تولى هليفي شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان”، وضع الساحة اللبنانية في رأس أولويات

عمله، إذ رأى أنّ استقرار النظام في سوريا أدّى إلى عودة تركيز “حزب الله” على العمل داخل لبنان وزيادة قدراته

العسكرية الموجهة ضد “إسرائيل” وتطويرها، ما فرض تحدّياً كبيراً على “الجيش” الإسرائيلي، وهو يرى أنّ مشروع

الصواريخ الدقيقة الذي عمل الحزب على امتلاكه يمثّل مصدر التهديد الرئيسي في لبنان “الذي قد يأتي الشر منه”،

بحسب وصفه، كما يرى أنّ الحزب في السنوات الأخيرة باتت لديه قدرة عالية على استخلاص العبر وتطوير القدرات،

على الرغم من السياسة الإسرائيلية التي تسمى “المعركة بين الحروب”.

تنبّه هليفي إلى خطر تشكّل جبهات موحدة بين المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وإمكانية اندلاع حرب متعددة الجبهات،

وقد حاول إثارة الإحباط لدى المقاومتين الفلسطينية واللبنانية من إمكانية تحقق هذا الأمر، إذ ادّعى مراراً وتكراراً أنّ

حركة “حماس” ستنضمّ إلى الحرب في حال اندلاع المواجهة مع لبنان، من خلال إطلاقها صواريخ من قطاع غزة تجاه

“إسرائيل”، فيما لن يفعل “حزب الله” ذلك، حتى لو ضغطت عليه إيران.

المرشح الثاني الجنرال إيال زمير ٥٦ عاماً

شغل سابقاً منصب قائد القيادة الجنوبية، والسكرتير العسكري لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ويعدّ صاحب المبادرة

في تحويل إدارة القوات البرية من الإطار الكلاسيكي إلى الإطار الرقمي، وهي منظومة تبلغ كلفتها مليار دولار، تربط

بين الدبابات وجنود المشاة والقيادة العسكرية عبر أنظمة تكنولوجية متطورة، تؤدّي إلى رفع المستوى القتالي في

الميدان. وقد دخل إصدار جديد من هذا النظام في عام 2017، واستخدمه “جيش” الاحتلال في الضفة، وزعم أنّه مكَّنه

من إحباط عدد من العمليات الفدائية الفلسطينية.

تصفه وسائل الإعلام العبرية بأنّه “صاحب خبرة قيادية واسعة” في الضفة الغربية والجبهة الشمالية، وقد تنقّل في مواقعه العسكرية القتالية من لواء “المظليين” إلى “جولاني”، حتى وصل إلى قيادة المنطقة الجنوبية بعد انتهاء حرب غزة في 2014، وهو من الداعين إلى فكرة إقامة “الجدار تحت الأرض” شرق قطاع غزة، وأنشأ وحدة عسكرية خاصة للكشف عن الأنفاق والعثور عليها.

يعدُّ زامير مرشح نتنياهو لرئاسة الأركان، ويعتبره من الشخصيات الموثوقة، وقد قدّمه ليكون نائب رئيس الأركان، على الرغم من أنّه يعدّ أصغر أعضاء هيئة الأركان سنّاً.

على مستوى غزة: يرى أنّ تغيير الواقع في قطاع غزة غير قابل للتحقّق، نظراً إلى ثمنه الكبير، على الرغم من “قدرة الجيش على تحقيق ذلك من الناحية العملية”، وهو يرى أهمية بناء الجدار تحت الأرض حول قطاع غزة مهما كلّف الأمر.

يدعم التوصل إلى تسوية مع حركة “حماس” في غزة، سواء كانت طويلة أم قصيرة، بهدف إبعاد شبح الحرب قدر الإمكان، ويرى أنّ الوقت المناسب للحرب يكون بعد إتمام بناء الجدار تحت الأرض على حدود القطاع، ويرى أنّ أهداف الحرب يجب أن تكون إضعاف المقاومة في غزة وعدم التورط في وحل غزة. وينسب إليه أنّه أعدّ جملة من الخطط العملياتية القتالية لاستخدامها في أي عدوان على المقاومة في غزة.

على مستوى لبنان: في حال اختياره رئيساً لأركان جيش الاحتلال، سيكون ثاني رئيس أركان لم يخض حرب لبنان الأولى في 1982. مؤخراً جدّد مواقفه تجاه لبنان بالقول إنّه يرى أنّ حرب تموز 2006 جلبت معها “ردعاً عميقاً واستمراراً للهدوء، لكنّ المشكلة في لبنان لم تنته بعد، وحزب الله يواصل تكثيف قدراته وتحسينها. يجب أن نستمر في تعلم دروس الحرب، فنحن في الجيش سنذهب إلى كل معركة نكون جاهزين لها في أي لحظة وفي أي ساحة بقدرات تفاجئ الطرف الآخر، وسيدفع حزب الله ودولة لبنان ثمناً باهظاً… السلاح السري للجيش الإسرائيلي لم يعد دبابة قوية ومتطورة أو طائرة متطورة”.

المرشح الثالث الجنرال يوئيل ستريك 56 عاماً

هو القائد السابق للقوات البرية في “جيش” الاحتلال، وسبق له أن تولّى منصب قائد القيادة الشمالية، وقائد قيادة الجبهة الداخلية، ورئيس قسم العمليات في “الجيش” الإسرائيلي.

على مستوى غزة، يرى أنّ عملية عسكرية في قطاع غزة ستكون لها تبعات في الضفة الغربية وفي لبنان وإيران، وأنّ المقاومة اليوم باتت تمتلك أدوات يمكنها أن تعرقل أداء الدولة بشكل خطير عبر استهداف مكثف للجبهة الداخلية، ويرى أنّ هناك فرقاً بين معركة الردع ومعركة الاستئصال؛ فالأولى لا يستخدم فيها ذراع البر، والثانية يستطيع حسمها سلاح البر، لكن بثمن كبير.

ويوضح موقفه من حرب على غزة في الوقت الحالي بالقول: “ينبغي تنسيق التوقعات. ماذا سيحدث عندما يتقرّر شنّ اجتياح داخل غزة؟ فالقضاء على حماس لن يكون مقابل صفر إصابات. وإذا لم نكن مستعدين لدفع ثمن، فلن تكون هناك إنجازات. ومطالب الجمهور منّا لا تغضبني، لكنها تستوجب الإيضاح. وهناك صعوبة في تهيئة الرأي العام لمواجهة الواقع، وضمن ذلك إمكانية إطلاق آلاف القذائف الصاروخية على الجبهة الداخلية”.

على مستوى لبنان: يرى أنّ الحرب مع لبنان غير ضرورية خلال الفترة الحالية، وأنّه خلال الحرب المقبلة يجب أن لا يكون هناك حاجة إلى استخدام الذراع البرية كعنصر أساسي لتحقيق الردع، إذ يمكن تحقيق ذلك بأدوات أخرى، موضحاً رؤيته بالقول: “السؤال هو ما الذي تريد تحقيقه؟ القضاء على قوات الرضوان (قوات النخبة في حزب الله)؟ ينبغي تنفيذ ذلك بشكل فتّاك، بحيث تجرّد العدو من قدراته. ودعنا نرَ حزب الله بعد أن يفقد آلاف المقاتلين، ومخزون الصواريخ، وأنظمة استراتيجية”.

في المحصلة، فإنّ عملية اختيار رئيس هيئة الأركان في الوقت الحالي دخلت المعترك السياسي بعيداً عن المهنية، إذ يرغب بيني غانتس في تعيين هليفي المقرّب منه، فيما يرغب رئيس المعارضة نتنياهو في تعيين شخصيته المدللة إيال زمير، وهذا الأمر قد يؤدّي خلال الفترة الحالية إلى تأجيل اختيار الرئيس الجديد لهيئة الأركان إلى حين إجراء انتخابات جديدة للكنيست في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، مع العلم بأنّ هذا المنصب العسكري يبقى دائماً رهينة لرغبة المستوى السياسي، وتتركز مهمته على تطوير “الجيش” وإعداد الخطط العسكرية التي لا تنفّذ من دون موافقة المستوى السياسي.

اقرأ المزيد: حماس: “إسرائيل” لا تتعامل بجدية مع ملف صفقة تبادل الأسرى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى