مقالات وآراء

فلسطينيات القدس… رِباطك عزتي

بيان الباش – طريق القدس

تحمل كفنها بيدها، الحياة تهون، مقابل صلاة تؤديها في ساحات الأقصى أو على أبوابه، أو درس علم تتلقاه رغم أنف العدو، هي مِن الأقصى وهو منها، وسيلتها صمود يكسر حقد المحتل وعنجهيته، لا شيء يمنعها من دخول مسجدها، في جَلد يصرخ حالها “إنا هنا باقون”، هي سيدة تؤمن أن للبيت رب يحميه، تأبى نوم عينيها إن مسه الضُر؛ كأنها طيور محلقة حينما يلوح بالأفق خبر اقتراب مستوطنين من باحة المسجد، يأتي دورها ورفيقاتها، يصحن “الله أكبر.. الله أكبر”، صرخاتهن كفيلة بصد الإسرائيليين، الذين لا تتوقف محاولتهم لاقتحام الأقصى.

ضربن واعتقلن وعانوا أشد أنواع الظلم والقهر, إنهن المقدسيات المرابطات نساء “القائمة الذهبية”, وأشهرهن هنادي حلواني، فاتن حسين، خديجة خويص، سناء رجبي، سمية طه، أم عبد الأجرب، سميحة شاهين، سحر النتشة، دلال الهشلمون، سماح غزاوي، ملاك عطون، عايدة الصيداوي، إكرام غزاوي، زينات الجلاد، هبة الحسيني، سماح دويك وعشرات النساء اللواتي يرابطن في المسجد الأقصى أرادها الاحتلال قائمة سوداء فكانت ذهبية هكذا بدأت إحدى المرابطات في المسجد الأقصى هنادي حلواني حديثها مع وطن للأنباء عن ما يُعرف بـ”القائمة الذهبية” والتي يُحرم مَن يُدرج اسمه فيها من دخول الأقصى, تستذكر هنادي اللحظة التي أعلن فيها ضابط الاحتلال عن اعتماد قائمة يمنع مَن يُدرج ضمنها من دخول الأقصى، وذلك بتاريخ 10/8/2015، في الفترة التي شهدت أعياد لليهود، وحين سألته هنادي عن سبب القائمة، قال الضابط مستهزئاً “لأنكن نسوان وبتعملن مشاكل.. هاي قائمة سودا”

ملاحقة طويلة مستمرة منذ سنوات، منع من دخول الاقصى وإبعاد طويل، حرمان من الصلاة وخاصة صلاتي التراويح والعيد للمرابطات وعوائلهن اعتقال وتحقيق وعزل انفرادي بظروف لا إنسانية، هي جملة الإجراءات التي تتخذها سلطات الاحتلال ضد نساء القائمة, ورغم زيادة أعدادهن وتغير وجوههن وتغييبهن قسراً عن أقصاهم. إلا أن بينهن نساءاً صابرات مرابطات في ساحاته مثلن عنوان الصمود والعزيمة التي لايكسرها أحد هنادي الحلواني التي مثلت جانباً جديداً من الرباط متحدية التعسف الإسرائيلي، وتعرضها للتعذيب في زنزانات الاحتلال، وإبعادها عن أبنائها الأربعة، وحرمانهم كذلك من صلوات العيد والتراويح في الأقصى، ومنعها من دخول المسجد لأي سبب لأكثر من 500 يوم لم تعد تذكر عدد المرات التي اعتقلها الاحتلال فيها، فهي اليوم لا تستطيع الحركة بحرية في القدس، ولا تعلم لدى خروجها من بيتها ما إذا كانت سترجع إليه لاستقبال أطفالها العائدين من المدرسة أو ستكون جانبهم عند تدريسهم, مرارة تجرعتها يوماً تلو الأخر وكل هذا بسبب رباطها, تروي المعلمة هنادي معاناتها في اعتقالها الأخير: “وصلتُ مركز القشلة وأنا لا أكادُ أسمع شيئاً غير كلامهم البذيء وشتائمهم التي أغرقوني بها وهم يضربونني طوال الطريق، لأقابل بعاصفةٍ جديدة من الشتم والتجريح والسخرية، وكلامٍ لا تتصور عقولكم مدى فظاعته ودناءته, بقيتُ محتجزةً لساعاتٍ وسط هذه الضوضاء قبل بدء التحقيق، طلبتُ منهم أن أصلي الظهر فنلتُ قسطاً وافراً من السخرية والشتائم قبل أن تمر ساعتين من الزمن فيسمحوا لي بالصلاة في ركنٍ ضيّق, اتجهتُ للقبلة فوجدتُ علم الكيان منصوباً بالزاوية، نظرتُ للضابط وأنا أطلب منه مكاناً آخر للصلاة وحين رفض، صلّيت عكس القبلة جاعلةً علمهم المشؤوم خلف ظهري، وبدأت بالصلاة أصلي بلا توقف. لم تعجب المحقق قبلتي الجديدة، فبدأ يقول وأنا في الصلاة “مش عاجبها علم إسرائيل؟ طيب هي وين عايشة؟ مش بإسرائيل” واستمرّ يرمي كلاماً مشحوناً بالاستفزاز حتى فرغت من صلاتي والتفتّ إليه وأنا أقول: “أنا عايشة ببلدي، بفلسطين) يسألها أحد المحققين أثناء اعتقالها قائلا: “بعدك بدك تضحي؟ بعد ما اعتقلناك وأبعدناك وقطعنا عنك التأمين الصحي؟ “فترد عليه: “سأضحي لأنكم تستطيعون حرماني من كل شيء إلا رحمة ربي”  برفقة نظيرتها المعلمة المرابطة خديجة خويص يهون الصعب ويحلو المر فهي من المرابطات الذين عاهدوا الأقصى على إكمال الطريق، فالرباط عقيدة عند معلمة التفسير في المسجد الأقصى، علمته لأولادها، ثبات وإيمان بأن المسجد الأقصى سيكون حراً يوماً ما  زرعته الأم في قلب الصغار الخمسة صفاء شفاء، أحمد ، يوسف، وفاطمة فصورة الأقصى محرراً لا تغب عن عقل خويص.

الدخول إلى المسجد حق تعلمته “خويص” وتؤمن به “أنا صاحبة حق في المسجد.. لماذا أبعد عنه، بينما المحتلون والشرذمة يُسمح لهم بالصلاة والاقتحام”. وخويص من المرابطات اللواتي اعتُقلنَ لأكثر من 10 مرات وباتت في سجون الاحتلال تلاقي أقسى أنواع الذل فنزعوا حجابها وجلبابها عنها بالقوة وحرمت من ممارسة شعائرها الدينية وحرم عنها الماء لمدة أربع أيام,  أمّا مجموع أيام إبعادها عن الأقصى فيزيد عن 600 يوم خلال ثلاثة أعوام ومع ذلك فهي تصر على الدفاع عنه وتناشد هي وباقي المرابطات جموع المسلمين للوصول إلى المسجد الأقصى المبارك وإثبات وجودهم وانتماءهم اليه، ولإرسال رسالة للاحتلال مفادها ان الأقصى في قلب كل مسلم ولن يسمح لكم بتنفيذ مخططاتكم.

لن يُقفل باب مدينتنا فأنا ذاهبة لأصلي”.. كذلك حال المرابطات لا يمنعها قرار المحتل بحظر دخولهن للصلاة والتواجد بحضرة بيت المقدس، فحين أغلقت سلطات الاحتلال المسجد صلين في الشوارع بالصقيع ركعن وسجدن، دعين بتضرع إلى البارئ، رمقن الأقصى  بنظرة ود وعبادة، فيما ظن الاحتلال أنه يعاقب أهل فلسطين والقدس خاصة ولم يعلموا أن حب الأقصى عقيدة راسخة في قلوب كل أبناء فلسطين.

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى