شؤون العدو

فشلنا

 بقلم: يعقوب بيري – معاريف

أكثر من جيل مر – والدرس لم يستوعب ولم يتعلم. فالتحريض منفلت العقال وعديم اللجام الذي شهدناه في الفترة التي سبقت اغتيال اسحق رابين، عاد ليدق أبواب بيتنا بشدة أكبر.

فالمجتمع الاسرائيلي أكثر انقساما وخلافات الرأي أعمق. التحريض، الظواهر العنصرية، انعدام الصبر والتسامح اتسعت بلا قياس.

محاولات التشريع المناهضة للديمقراطية؛ الخطاب العنيف وعديم الكوابح في الشبكات الاجتماعية؛ الانقسام السياسي بين يمين ويسار، بين اصوليين، متدينين، علمانيين وعرب؛ الفجوة الاجتماعية – الاقتصادية بين طبقات الجمهور، بين المركز والمحيط، بين اصحاب المال والكادحين – كل هذه كادت تصبح أمرا اعتياديا.

لقد فشلنا في محاولة التكتل حول إرث رابين، الاستراتيجي ومقاتل السلام. وشرارة الامل والرؤية التي اشعلها رابين في المجتمع وفي الشعب انطفأت وضاعت.

قيادة اسرائيل لا تنجح في أن توحد، تقود، تشق طريق وانماط سلوك. ويخيل احيانا بان هناك تخوف مادي من اتخاذ قرارات بخطوات جريئة. نحن نشهد محاولات متعاظمة لاعادة كتابة التاريخ. اقوال مثل اقوال رئيس الائتلاف بان “اغتيال رابين لم يكن اغتيالا سياسيا”، تصب مادة اشتعال اخرى على الشعلة العامة والاليمة. وفي المجتمع الاسرائيلي تعمل جماعات وافراد تعرض اعمالهم وتصريحاتهم الديمقراطية للخطر، ولاسفي لا تحظى بردود فعل مناسبة من جانب جهاز انفاذ القانون وجهاز القضاء.

تجد أجهزة انفاذ القانون صعوبة في اعطاء اجوبة مناسبة على اولئك النشطاء الذين من شأن اعمالهم أن تؤدي الى الاغتيال السياسي التالي. ولا يدور الحديث فقط عن انعدام التشريع المناسب بل عن تسليم ما للعنف اللفظي الذي من شأنه ان يترجم بسرعة اكبر مما يمكن لنا ان نتوقع الى عنف جسدي.

اغتيال سياسي آخر سيدهور قيم المجتمع الاسرائيلي، محاولات التوحيد ورص الصفوف، وسيؤدي بنا الى درك أسفل جديد. والجيل الشاب الذي بكي في الميدان لم ينجح في أن ينقل الى الجيل التالي حجم الالم والمصيبة والاثار السياسية – الاجتماعية التي شهدتها دولة اسرائيل في اعقاب اغتيال رابين. لا يدور الحديث عن أراء سياسية او اختلافات في الرأي. فالاغتيال السياسي هو أبشع الافعال، ولا ينبغي لاي مجتمع انساني ولا يمكنه ان يحتمله.

لست ممن يعتقدون باننا نقف امام انهيار الديمقراطية في اسرائيل، ولكن هناك ضرورة لتغيير فوري ومصمم للاتجاه. على الزعماء السياسيين والاجتماعيين في اسرائيل ان يأخذوا المسؤولية وان يقودوا خطوات التهدئة وتبريد الخواطر العاصفة في المجتمع الاسرائيلي.

ان الترهات، التحريض المنفلت، تصنيف الناس والجهات من طرفي الساحة السياسية، هي أرضية واسعة للانتقال الى العنف الجسدي، الذي من شأنه أن ينتهي مرة اخرى باغتيال سياسي. والخفة التي لا تطاق للتشهير وانفلات اللسان والاصابع على لوحة مفاتيح الحاسوب تستوجب ردود فعل حادة وصارمة.

كمن شهد زعامة رابين، لطافة معشره وتواضعه، خجله وموقفه الانساني والحميم تجاه محيطه، أدعو كل واحدة وواحد منا أن يأخذ على عاتقه مسؤولية شخصية وان يحترم إرث اسحق في مجتمع طيب، سليم، نزيه ومتسامح أكثر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى