شؤون العدو

عندما التقى رابين مع بلفور

بقلم: ايلي فوده – هآرتس

اسحق رابين لم يلتق في أي يوم اللورد بلفور، ولكن في هذه السنة بعد موتهما، التقيا في فترة قصيرة بين يوم الذكرى الـ 22 لقتل رابين الذي احتفل فيه في هذه السنة في 1 تشرين الثاني وبين الذكرى المئوية لتصريح بلفور الذي تم الاحتفال به في 2 تشرين الثاني. يبدو أنه لا توجد صلة بين الحدثين: الحدث الاول يخلد قتل رئيس حكومة اسرائيل والثاني يخلد الاعتراف الذي منحته بريطانيا للطلب الصهيوني بالسيادة، على الاقل في جزء من ارض اسرائيل. الاول هو يوم ذكرى والثاني هو يوم عيد، لكن نظرة اكثر عمقا تظهر أن هناك الكثير مما هو مشترك بين الحدثين.

“يوم الذكرى لرئيس الحكومة اسحق رابين” – كنص القانون – هو امر مختلف عليه في اوساط الجمهور اليهودي، هذا الخلاف يعود للاسباب التي أدت الى قتل رابين. منذ تم تقرير تخليد ذكراه فان هذا التخليد ينسب لمعسكر اليسار. صحيح، بنيامين نتنياهو من خلال منصبه كرئيس للحكومة شارك في المراسيم الرسمية في الكنيست وفي جبل هرتسل، لكن اوساط اليمين لم تشارك في أي يوم في التجمع التقليدي السنوي، الذي أقيم في الميدان الذي سمي على اسم رابين. اليمين لم يستبعد من الاحتفال – هو الذي اختار بوعي الغياب عنه. هذه التجمعات نظمت بشكل عام من قبل الاحزاب والجمعيات التي تقع على يسار الوسط السياسي.

في هذه السنة نظم الاحتفال “قادة من اجل أمن اسرائيل” و”طريقنا”. إن تنظيم الاحتفال تحت شعار “نحن شعب واحد” ومحاولة تجنيد متحدثين من اليمين لا يمكنه اخفاء حقيقة ان مواقف هاتين المنظمتين مغروسة على يسار الوسط. اعلان رئيس المعسكر الصهيوني آفي غباي بأنه منذ السنة القادمة سيكون حزبه هو المسؤول عن تنظيم الاحتفال، يشير الى أن الاحتفال ما زال حتى الآن محسوب على طرف واحد. احياء ذكرى وعد بلفور كان له تاريخ مشابه.

كثيرون لا يذكرون أن الحماسة الكبيرة التي تملكت المجتمع اليهودي بعد الاعلان عن التصريح، أخلت مكانها للشك والتخوف من أن بريطانيا لن تقوم بتنفيذه. ايضا التصريح نفسه كان مثارا للخلاف في زمن الانتداب: اليمين التنقيحي رأى في بريطانيا دولة عظمى امبريالية يجب محاربتها، ورأوا في حاييم وايزمن نوع من وزلنغ (عميل) يهودي، الذي كان مستعدا للاكتفاء بانجازات جزئية والتنازل عن النضال العسكري بروح خطابات زئيف جابوتنسكي. حقيقة أن بريطانيا “اقتطعت شرقي الاردن من حدود ارض اسرائيل التاريخية”، كانت سببا لاستمرار النضال ضدها.

عدد من الجمهور المتدين القومي ايضا، وبيقين الحريدي، لم ير في التصريح وثيقة حسم للمصير، لأنه في نظرهم فان حق اليهود في ارض اسرائيل مسجل في التوراة. العداء الشخصي بين بن غوريون ووايزمن ساهم في تقليل أهمية التصريح في اوساط احزاب العمال.

بعد العام 1948 اختفى يوم تصريح بلفور من التقويم السنوي. وفقط اليوبيل في 1967 أعاده الى الحياة. النقاش الاحتفالي الذي أجري في الكنيست على شرف هذا الحدث كشف أن تصريح بلفور لا يحظى بالاجماع. منذ العام 1967 وحتى الآن، يوم بلفور تقريبا لم يتم الاحتفال به. كان ذلك أمرا رمزيا فقط، أنه في السنة السبعين قال شلومو هيلل، رئيس الكنيست، إنه قرر احياء ذكرى هذا الحدث، من اجل عدم القول “إن العرب فقط يقومون باحياء هذه الذكرى”.

منذ العام 1917 ذكر العرب تاريخ تصريح بلفور كيوم حزين، وقاموا باحيائه بالمظاهرات والاضرابات. هكذا في الوقت الذي نسي فيه المنتصرون وعد بلفور، فان من رأوا أنفسهم ضحايا، استمروا في احيائه والبكاء عليه. ايضا يوم الذكرى المئوية قاموا باحيائه في السلطة الفلسطينية بصورة بارزة. من جهتهم، تصريح بلفور يرمز الى بداية النكبة. لقد رأوا في الاحتفالات الاسرائيلية فرصة للحصول على الاعتراف الدولي بمطالبهم لاقامة الدولة وحل مشكلة اللاجئين.

النقطة الهامة في موضوعنا هي أن من يقود الاحتفالات في الذكرى المئوية لوعد بلفور في اسرائيل هي حكومة اليمين. روح الاسناد التي اعطتها الحكومة للجان التي نظمت الاحتفالات في البلاد وبريطانيا اوجدت صدى اعلامي مؤثر، تضمن زيارة نتنياهو في بريطانيا والتقائه مع رئيسة الحكومة هناك، احتفالات رسمية في البلاد، معارض، لقاءات اكاديمية ومقالات كثيرة في وسائل الاعلام. وقد تبين أن شخصية وايزمن حظيت باعادة الاعتبار عن طريق ابراز دوره في قرار نشر التصريح. بكلمات اخر،ى”تأمين تصريح بلفور من قبل اليمين، منحه مكانة اكثر اجماعا في المجتمع اليهودي. وهو يظهر ايضا الاهمية المتملصة للذاكرة الجماعية، التي ترتبط اساسا بالظروف الحالية. يمكن الافتراض أن عامل الزمن فعل فعله، العالمة الاجتماعية البروفيسورة فيرد فنتسكي – سروسي اشارت الى أن الامريكيين احتاجوا الى 60 سنة حتى يقرروا أن لنكولن هو أحد الآباء المؤسسين للأمة.

الاستنتاج هو أنه طالما أن اليمين لا يقود، أو على الاقل يشارك بصورة بارزة، في احتفالات ذكرى رابين، فان هذا اليوم سيستمر في أن يكون يوما مختلفا فيه. ولكن اليمين لا يمكنه المشاركة في التخليد اذا استمر هذا اليوم في كونه يوما مختلفا فيه. هذه الحلقة المفرغة سيتم حلها فقط اذا اعترف اليمين بأنه يتحمل مسؤولية معينة عن الكارثة، وطالما أنه لم يعترف بذلك، فانه لا يستطيع حقا التسليم به.

هل من الضروري الانتظار حتى يوم الذكرى المئوية؟.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى