مقالات وآراء

عمليّة “تل أبيب”.. ضياء في يوم الأرض الخالد

شرحبيل الغريب

ردُّ فدائيٍّ فلسطيني جديد على لقاء النقب يعد ثالث عملية فدائية في فلسطين المحتلة داخل عمق الأراضي

الفلسطينية المحتلة. خلال أكثر من أسبوع، أوصلت هذه العمليات عدد القتلى الإسرائيليين إلى 11 مستوطناً

وجندياً إسرائيلياً في 3 مناطق من فلسطين المحتلة، بئر السبع والخضيرة وهذه المرّة “تل أبيب”.

وقد أتت عملية “بني براك” عشية يوم الأرض، لتسجل تمدداً جديداً إلى ساحة من ساحات المقاومة، تتجسَّد

فيها معاني الوحدة الفلسطينية لشعبٍ يتطلع إلى الحرية والانعتاق من الاحتلال.

3 عمليات فدائية متتابعة، من بئر السبع إلى الخضيرة المحتلة إلى “تل أبيب” هذه المرة، فتحت موجة من الصدمة

والإرباك الكبيرين في الأوساط الإسرائيلية، لتدلّ على أن الشعب الفلسطيني يفرض حدثاً نوعياً، ويخوض مرحلة جديدة

وغير معهودة في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، ولتعود من جديد القضية الفلسطينية إلى الصدارة، كعنوان رئيسي

في الساحة الدولية أمام حراك مكوكي يهدف إلى وأد ثورة الشعب الفلسطيني خلال شهر رمضان القادم.

طيلة 17 عاماً، لم تعِش “دولة” الاحتلال الإسرائيلي مثل هذه الجولة من العمليات الفدائية النوعية، سواء في بئر السبع

أو الخضيرة أو داخل “تل أبيب”، التي تعد قلب “إسرائيل” وعمقها الاقتصادي والسياسي، لكن ما يهمّ استحضاره هو

أنَّ الاحتلال لم يتوقّف طيلة هذه الفترة عن جرائمه بحقِّ الأرض بالاستيطان، وبحقّ الإنسان بالقتل وارتكاب الجرائم، و

تنكّره لحقوق الفلسطينيين وحرمانهم من العيش بكرامة وحرية.

توقيت العملية ومكان وقوعها جاءا في وقت دقيق وحسّاس جداً، تجري فيه تحركات غير معهودة لعدة أطراف في

المنطقة، تخللها لقاء تطبيعي في النقب المحتل، وزيارة قام بها ملك الأردن عبد الله الثاني إلى رام الله، والتقى

خلالها الرئيس الفلسطيني محمود عباس. ومن المتوقع أن يعقِد لقاءً خاصاً مع وزير “جيش” الاحتلال الإسرائيلي

بيني غانتس، بهدف ضمان استمرار حالة الهدوء والاستقرار، والحفاظ على رمضان سلمي في القدس المحتلة، وعدم

انزلاق الأوضاع مجدداً.

يترسّخ يوماً بعد يوم، وبعد وقوع 3 عمليات فدائية في فترة وجيزة من الزمن لا تتجاوز أسبوعين، أنَّ المنطقة مقبلة

على نهج مقاوم جديد، يقوم على أساس ضرب العمق المحتل، وهو ما يدلّ على هشاشة منظومة الأمن الإسرائيلي

أمام العقل الفلسطيني المقاوم القادر على الوصول إلى أهدافه وتنفيذ عمليات فدائية في الزمان والمكان المناسبين، إذ

إنَّ نقل المواجهة بهذا النهج الجديد يعدّ تحدياً يفوق طاقة الاحتلال وأجهزته المخابراتية أو نجاحه بالسيطرة عليها.

أكثر ما يحبط قادة الاحتلال الإسرائيلي في هذا التوقيت هو أنّ عملية “بني براك” التي ضربت العمق الإسرائيلي

تعكس فشل التحركات التي يقوم بها ملك الأردن في المنطقة، والتي تهدف بشكل أساسي إلى تصفية الظروف

المؤدية إلى احتمال حدوث أيّ تدهور في الأوضاع الأمنية وضمان تهدئة شاملة في مدينة القدس.

العمليات الفدائية الأخيرة تؤكّد سقوط نظريات خطرة راهنت عليها “إسرائيل” من جهة، والسلطة الفلسطينية التي

تواصل التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتعمل جنباً إلى جنب في ملاحقة المقاومة في مناطق الضفة

الغربية المحتلة من جهة أخرى، فقد جسَّدت عملية الخضيرة، وقبلها عملية بئر السبع، أنَّ فلسطينيي الداخل المحتل

عام 48 هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني، وأنَّ قضيتهم نشأت تاريخياً كجزء من قضية فلسطين، وأن كل

رهانات التعايش وسياسات الأسرلة باءت بالفشل الذريع، كما فشلت استراتيجية تذويبهم وجعلهم أقلّية في كيان

الاحتلال الإسرائيلي، ليثبت الواقع الجديد أنهم يشكّلون مخزوناً استراتيجياً للمقاومة الفلسطينية.

النظرية الثانية التي سقطت بعد عملية “بني براك” في “تل أبيب” هي نظرية الفلسطيني الجديد الَّذي عملت

“إسرائيل” والسلطة معاً من أجل صناعته، ليحارب المقاومة وفق عقيدة الجنرال الأميركي كيث دايتون. وقد أنفقت

أميركا ملايين الدولارات على الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية المحتلة لضمان أمن المستوطنين وأمانهم، ونزع

الفكر المقاوم من عقول الشباب الفلسطيني.

تأتي عملية “بني براك” في “تل أبيب” لتبعث رسالة احتجاج واضحة على الزيارة المرتقبة للرئيس الإسرائيلي

إسحاق هرتسوغ إلى العاصمة الأردنية عمّان، ولتؤكد أنَّ الزيارة فشلت قبل وقوعها. كما أنها تشكل رسالة احتجاج

أخرى على رفض الشعب الفلسطيني مهزلة التطبيعِ في لقاء النقبِ الأخير، وفشل دبلوماسية “إسرائيل” مع الدول

العربية المطبّعة على وجه الخصوص.

لعلَّ إحدى أبرز النتائج أو الانعكاسات السياسية المحسومة بعد موجة العمليات الفدائية التي بدأت وشكَّلت ضربة

قاصمة لمنظومة الأمن الإسرائيلي هي بداية مؤشّر قويّة على قرب سقوط حكومة الائتلاف الإسرائيلي بزعامة نفتالي

بينيت، إذ إنَّ عملية “بني براك” ستثير حدة الخلافات داخل الائتلاف الإسرائيلي، والتي تعزز ضعف الأداء الأمني في

عمق “دولة” الاحتلال، كما تعزز حالة الخوف الداخلي من قدرة المقاومين على الوصول إلى أهدافهم بأقلِّ عتاد

عسكري ممكن، وبشكل لا يمكن توقعه، ما يعني استحضار سيناريو عودة تصدر حزب “الليكود” اليميني المتطرف

للمشهد الإسرائيلي من جديد.

لقد أصبحت ساحة الاحتلال الداخلية، وبعد موجة العمليات الفدائية الأخيرة، تواجه معضلة أمنية وعسكرية، تتمثل

بعنصر المفاجأة للعمل الفدائي الجريء والاشتباك من نقطة صفر، وهو ما سيفرض واقعاً جديداً على عمق كيان

الاحتلال الإسرائيلي، كما فرضته من قبل المقاومة العسكرية في قطاع غزة خلال معركة “سيف القدس”، عندما

مارست عنصر المفاجأة والمبادرة في معركة الدفاع عن المسجد الأقصى العام الماضي، وهو ما يجسّد تكامل

الاستراتيجية المقاومة في كل أماكن حضور الشعب الفلسطيني.

سلسلة العمليات الفدائية التي وقعت مؤخّراً باتت تشكّل قنابل موقوتة تنفجر في وجه الاحتلال الإسرائيلي من دون

النجاح في اكتشافها قبل وقوعها، وهو ما يسجل إنجازاً للعقل الفلسطيني، ويجعله يقف أمام تحدٍ أكبر للرد على

الخطر المحدق بمستقبل المسجد الأقصى أمام ارتفاع حالة التغول الإسرائيلي على مدينة القدس، واستمرار التهديدات

من قبل المستوطنين باقتحامات المسجد الأقصى وتدنيسه، لتتجسد صورة مقاومة متكاملة نابعة من أهمية

تفعيل استراتيجية المقاومة الشاملة بشكل متزامن، وضمن خطة متدرجة ومتدحرجة، تجعل الاحتلال يدفع ثمن

جرائمه المتواصلة بحق الشعب الفلسطيني، ولا توفر له أرخص احتلال على مر التاريخ، كما تفعل السلطة

الفلسطينية، التي أدانت عملية “تل أبيب” الأخيرة بشكل صريح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى