ثقافة

على حاجز قلنديا

ها قد بدأنا، وسواءٌ كانت سيارتك الفارهة تسابق الريح، أو كانت سلحفاةً مسخها الله سيارةً تسعل الدخان، أو أنّك ممن يفضلون الهواء النقيّ فتقود قدميك في الطريق المتفحم والمغسول جيداً بالمياه العادمة تبصقها سيارة قمع الأطفال. فإنّك في كلّ الأحوال ستنتظر، ستنتظر طويلاً وسيقضم حاجز قلنديا عمرك كما يقضم والد الطفل الميّت أظافره وهو ينتظر خبر العملية، فالناس سواسية أمام “المعبر”!

لقد استوردوا العديد من علماء التنمية البشرية، كي يستثمروا الوقت المهدور على الحاجز، وقد أثبتت دراسةٌ نرويجية أنّ الإنسان يقضي خمس سنواتٍ من حياته في المرحاض مسهولاً بكبد سمك القدّ أو بالسلمون المدخّن بدخان المواجهات على الحاجز، وخمس عشرة سنةٍ على حاجز قلنديا، “الإنسان آه؟”

بالتأكيد فحتى الدّول الاسكندنافية تكتظّ بالحواجز، وأكبر مثالٍ على ذلك ما رواه لي صديقي النرويجي هولست عن حاجز أوسلو اللعين. لقد حاولوا كثيرا أن يجعلوك تقرأ أو تدرس أو تستمع للموسيقى أو تمارس اليوغا، وحتى حاولوا أن يفتحو كافتيريا عالواقف ويسمووها كافتيريا “حب عالحاجز”. لكن من يستطيع القيام بأيّ فعلٍ إنسانيِّ في هذا الحاجز الذي ينظمه الحنّ والبنّ والسنّ والخنّ؟

جيّدٌ أنّك لا تنسى التّنفس!

ولكي نكون منصفين قليلاً، فللحاجز فوائد جمّةٌ منها أننا نجرب في الانتظار مرور الزمن في شكله الأنقى كما قال صمويل بيكيت. ولا أنقى من هيك، فبيكيت هذا كما يروي رونان مكدونالد في مقدمة كامبردج الفصل الثالث صفحة 67 السطر الثاني، كتب مسرحيته “في انتظار غودو” على حاجز قلنديا بين أُكتوبر 1948 ويناير 1949 حين كان يَدرس الأدب العبثيّ في جامعة بيرزيت.

وأيضًا فإنّك في الانتظار تسمع أصوات الطائرات إذ تحط قربك في مطار القدس حيث رحلة كلّ يومٍ إلى بيروت مينا الحبايب، وبتكلفة دينارٍ واحدٍ إلى عمان الجمر والجاه. ولا بأس حين تتنظر طويلًا دورك، وحين تقدم امرأةً من شباك اللباقة أمامك فتعبر الحدود إلى الباصات، وحين تكون واقفاً مباشرةً أمام الباب وقد أتم عابروا القارات طقوس العبور أمامك، وفرحتك فرحتين:
فرحة المغترب إذ يقترب، وفرحة “الشب الجنتل” لأنّك أعطيت الأنثى دورك. لا بأس إذا تمخض الجبل فولد فأرةً تَلِدُ على الميكرفون “مسلك 3 مسكر، مسلك 2 مفتوح وفاضي”. لا بأس أبدًا لأنًك لن تضطر للعن شيءٍ أو لعن شرف الفتاة التي تنعم حاليًا بالحرية والتي تتنفس هواءً كان على رئتيك أن تتنفساه، لا بأس لأنّك ستستقل طائرة بيروت إلى غدائك!

لقد كتب شاعرنا الكبير الذي نسيت اسمه، حين شاهد فيلم “جاري توتورو” للمخرج الياباني هاياو ميازاكي، معلّقته العصماء:
“كفتاتين تنتظران بلا مصباحٍ أبًا لن يعود في محطةٍ مهجورةٍ تحت المطر
كنت أنتظر كل شيءٍ:
أنتظر الخبز في مخبز الصباح، أنتظر أن تعود أُمّي من العمل،
أنتظر ملابسي أن تصغر، أنتظر قطارًا يخرج من البحر،
أنتظر نظارتي أن تجد عينيّ
كفتاتين تنتظران أباً حين عاد، عاد كمحطةٍ مهجورة تحت المطر”
ليته شاهد الحاجز ليكتب: “كعجوزين ينتظران مجندة تطلي أظافر قدميها كنت أنتظر كل شيء… “، أو ينتظران العندليب الأخضر الإسرائيليّ كي ينهي فترة نشازه على الميكروفون.

لكن إيّاكم أن تظنّوا النّاس سواسيةً، لم يولد الجميع مثلي، هاكم قصتي، قصة البطل الذي هزم حواجز الاحتلال وكونتينارات المخابرات التي تكتظّ فيها. ولتكن قصتي عبرةً لكل من يعتبر، ودرساً لكل حركات التحرّر في العالم، من الجزائر إلى كوبا.

ولدتني أمّي على حاجز حوارة، أهلها من نابلس وزارتهم في شهري التاسع، والدي من القدس حذرها طويلاً من الخروج من البيت في هذا الشهر الحرج. كان يكره أهلها كرهه للاحتلال، فقد أخرجوه عن كلّ الأديان التي اعتنقها حتى أعطوه أٌمّي، فسمعة أهل القدس في “الضّفّة” ليست كما يجب.

وحين علم أنّها تلد على الحاجز، جاءها بملابسه الداخليّة ركضاً (نعم لقد ركض من القدس إلى نابلس) فعزّز السمعة. وكاد أن يرمي عليها يمين الطلاق بعد الولادة لأنّها خالفت أوامره، لولا أنني نطقت في المهد أولى كلماتي “محسوم”. فاستبشر أبي خيرًا، وسمّاني صلاح الدين، تيمناً بصلاح الدين الأيوبيّ.

كانت مدرستي الابتدائية على يسار الجدار المستقبلي في بلدة الرام، كنت أعبر حاجز الضّاحية القديم، وكانت مدرستي الثانوية على يمين الجدار المستقبلي والذي بُني وأنا في صفّي السابع، وكنت أعبر حاجز الضاحية الجديد القديم الذي نقلوه أمتارًا إلى الأمام. وحين أنهيت الثانويّة العامة بأعلى المعدلات سجلت في جامعة بيرزيت رغم أنّي أستطيع التسجيل في هارفرد التي قبّلت حذائي حتى أسجل لديها ولم أقبل، فكيف يقبل صلاح الدين الهجرة إلى بلاد الإفرنج؟

كنت أعبر الحاجز يومياً، حاجز قلنديا أقصد. وكما لا تعلمون فإنّكم حين تعبرون يسجل الجندي رقم هويتكم، لديهم في جهاز الحاسوب عداد، يسمّونه في لغات البرمجة المتغيّر “كاونتر” من نوع “انتجر”. كنت كلما عبرت يعدّ لي على أصابعه، وحين يصل العداد إلى رقمٍ معينٍ، فإنّ الجنديّ يرفع سماعة الهاتف، ويتلقى التعليمات العليا بإدخال الشخص إلى الغرفة الحمراء.

الغرفة الحمراء هذه غرفةٌ ضيقةٌ، في الحاجز القديم تجلسون ساعتين انتظاراً على كرسيٍّ، أمّا في الحاجز الجديد تظلّون واقفين في غرفةٍ مظلمةٍ مع عنكبوتٍ أسود على الجدار. تظلّون ساعتين، ثمّ يقولون لكم مع السلامة. لكن الحاسوب لا ينسى، جمل التكنولوجيا اللعين لا ينسى، وكلّ يومٍ تمرّون يدخلونكم الغرفة الحمراء، فتنتظرون أن يشفقوا عليكم ويعطونكم ورقة “مقابلة المخابرات”. وربما صرختم بهم حين يطول انتظاركم: “بعرض أختكم خلوني أقابل الكابتن بدي أصير جاسوس!”

وأنا حين أمرني الجندي بأن أدخل الغرفة الحمراء، صرخت وشتمت وشققت الزجاج المضاد للرصاص بضرب يدي، “من أنتم حتى تأمروني بالدخول يا أحفاد القردة والخنازير؟”. فاعتذر الجنديُّ مني، وأرسل بكابتن المخابرات شخصيّاً ومخصياً من الخجل كي يقبل يدي. كان يسمّي نفسه الكابتن أيمن، يجيد العربية أفضل منّي، ويعرف أخبار جامعتي أفضل من طلابها. لا توحي ابتسامته بأنّه كابتن مخابرات، بل مندوب مبيعات!

أدخلني إلى مكتبه وهو يعتذر منّي طول الطّريق، ترجاني أن أقبل إجراء مقابلةٍ شكليةٍ معه، ندردش قليلاً كي لا يقطعوا رزقه، فالحاسوب ابن الحرام لا ينسى، و”قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق… مش هيك بتقولو بالعربي؟”
ولأنّ قلبي أبيض، قبلت أن لا أقطع رزقه، وأن أنتقم لكلّ أصدقائي وأبناء شعبي من “الشاباك”. قلت في نفسي سأجعل ضابط المخابرات فدائياً وأُرسله إلى غزة.
– شو تشرب سيد صلاح؟
– لا شيء، عجّل فلا وقت لدي
– بصرش، انتو العرب مشهورين بكرم الضيافة، إزا جيت عبيتك ما بتشربني إشي؟
– بلى لا أضيفك، فأنا لست عربياً، أنا من بلاد الكرد
– خلص متل ما بدك، لا تعصّب سيدي، احكيلي شوي عنك لو سمحت
– لن أخبرك عن ماضيّ، سأنبئك بغدي وغدكم
– يا ريت والله، احكيلي بعد اذنك
– أنا الذي سيفتح القدس، ويعيد الشمس إلى حيفا، أنا الذي سيهدّ هذا الحاجز على رؤوسكم وقبور آبائكم،
وحدي من سيعيد اللاجئين، وحق تقرير المصير إلى العرب، أنا…….
– بس إنت من كردستان شو بدك بالعرب؟
– وأنت من روسيا، فماذا تريد من فلسطين؟
– أفحمتني الصراحة، مرتاح بالجامعة؟
– جدًا كأنّي أجلس على أُرجوحةٍ يحركها نسيم البحر
– عندكم انتخابات في عشرين الشهر، لمين رح تصوت؟
– للجهاد الإسلاميّ!
– هههه شو دمك خفيف، بعرف إنو الجهاد حرام الانتخابات عندهم، جد لمين؟
– لن أُصوت، لا أحد يستحق صوتي غيري
– طيب… مكتوب عندي هون إنو أبوك عندو سبع ولاد، كيف ملحق عليكم؟
-هذا ما جناه أبي على نفسه وما جنيت على أحد، من قال له أن ينجب سبعة أولاد؟
– طب إنت ما بدك مصروف، شوية مصاري يعني شمّات هوا، بنات؟
– ويحك! أحمارٌ أنت؟ إنّي زير زمني، لا ترفضني امرأةٌ مهما كَبُر رأسها أو أشياؤها الأُخرى
– طب شوية مصاري للمستقبل ما حدا بضمن إشي
– تباً لك، أتريدني أن أُصبح عيناً تخدمكم؟!…لا تحدثني عمّا لا تعلم فأنا الغد
– ليش فهمتني غلط سيد صلاح، أنا قصدي بالحارة عندكم بس تحكيلي عن سعر البندورة والخيار،
أنا كتير قلقان على المستهلك العربي، سمعت إنو يا حرام مش ملحق، وبدنا نحط حد للاستغلال
– ذكّرتني بذلك الكوريّ الجنوبيّ! فقط لا تتدخلوا في شؤونه، وهو بألف خيرٍ من السّماء
– شو بدك حتى تشتغل معنا؟
عندها تدفق دم الشّهداء في حنجرتي وتفجّر نهرٌ أسود تحت جلدي. وقفت أمامه ونشيد “فدائي… فدائي ” يصدح في كونتينارات الحاجز. قلت له: “أريد وطني… أريد وطني من البحر إلى النهر”.

كان عليكم أن تكونوا معي حتى تبصروا دموعه. صار يشهق “يا سيدي ليس الأمر بيدي، واللهِ لو كان الأمر بيدي لأعدت فلسطين إلى أهلها. أنا عبدٌ مأمورٌ فقط”.
فقلت له: “لولاك ما ظلموا” كما قال ابن تيمية لسجانه، ثمّ خيرته بين الذهاب إلى غزة، أو العودة إلى سانت بطرسبرغ.

ولأنّه يكره البرد، ولأنّه يخشى الوقوع في الحرام، أو الغرق في الفودكا، اختار غزة. ولقد سمعت أنّه استشهد في غارةٍ إسرائيليةٍ في الحرب الأخيرة.
***

ها أنا أعبر الباب الإلكترونيّ، حتى الباب يبدو خائفًا إذ يصدر صوت احتكاكٍ غريبٍ بينما يسرع على غير عادته كأنّما يجرّه حصان. ها هي المجندة الحمقاء تضرب رقم هويتي على لوحة المفاتيح، لا بد أنّها ستخاف حين تُعرض المعلومات أمامها… لماذا تأخرت بالخوف؟ ها هي ترفع سماعة الهاتف، هل تطلب طبيب أمراض القلب؟

إنّها تشير بأصابعها لي بأن أنتظر. لا شك أنّها أحبتني، إنّ وسامتي تطغى أحيانًا على هيبتي، فأرادت إبقائي أطول فترةٍ ممكنةٍ وتظاهرت بمكالمةٍ طارئةٍ. حسنًا سأنتظر، فالمرأة امرأةٌ ولو كانت أظافرها مطليةً بالدّم…
* أمير حمد – كاتب فلسطيني/ القدس المحتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى