الأخبار

عام على انتفاضة القدس.. ويستمر الصهيل

أحمد علي هلال _ خاص طريق القدس

كم لها من دروب، حملت خطى الآتين فجراً، وكم لها من نداءات كثيفة المعنى، حملت أزمنتها إلى أزمنتها، لتستوي الدروب إليها، وتخط في الصحو سطرها الأبدي، بكثافة اسمها، القدس في قياماتها، وحنين ترابها وتراتيل مآذنها وكنائسها، لألف شمس مشرقة، وقد حملناها على الحلم ذات مقاومة، ظلت مشرعة على الحكايات، لكأنها الحكايات حينما تأتي إلينا لتبثنا وطناً مازال في العينين وفي المهج يضرجهما بالألق، ومازالت القدس في حنين عناصرها إسراءً ومعراجاً تلقم اللغات لتنهض في الصباحات الأخرى، من أعالي صهيلها ومن خلاصة تكوينها على هيئتنا، فكيف إذن نكون على هيئتها إذا لم يسرِ فينا دم الشمس، ويوزعنا على التخوم هناك عند من ظلوا ظلالاً مضيئة لحواري القدس ودروبها العتيقة، وصدى كنائسها ومآذنها، وكيف نعيد رسم خرائط صحونا حينما تعلن القدس لألف عام قيامتها الأثيرة، وانتفاضاتها المديدة لتصحو اللغة في اللغة، ويصبح السفر إليها شهادة، وتصبح الاقامة فيها ولادة.

هي القدس إذن واسطة عقد الحكاية، ولنبتدئ من ذراها شارات تكوينها لنكن في صلبها وعداً وفي دروبها صلاة، هي القدس إذن سلام الجهات وتراتيل الإيمان، ليظل مشهدنا يطل على الروح من علٍ، ولا تنام الحكايات الطويلة في تعقب الدروب إليها، لأنها بواساطة اسمها وعنوانها علامة الصحو لأرضها، فهي فلسطين السليبة، الذاكرة الآيلة إلى الذاكرة، فما قاله اليمام حين حطَّ على المآذن ذات صباح: إني المقيم هنا منذ تفتح الحقب، أسهر ليتم حلمي أني هنا، في القدس مدائن القلب، إني النبض المقيم في الجسد، ولجناحيَّ يخفق الزمن، أطير كيما ألون خارطة القدس، ولأحرس مجد أحلامكم أيها الآتون مع الصبح المخضب بالنشيد والأغاني، وأقول لمن ظلوا هنا ولمن ذهبوا، هو ذا الصراط فكم مشينا إليه فمن قماشة الروح هو، كذلك مشى الشهيد ليدلنا أنّا هنا الباقون، وأن القدس عمارة الروح باقية هنا، ولنسر الحكاية المقيم أبداً في العلا، امنح خافقيك المدى، ليشتعل التراب كعادة التراب حينما يُلهب الأصابع ندى، ولمن كانوا هنا وعادوا، فكم لكم من الوعد، وعداً حينما تنشدون للقدس السلام، وتحملون سجاد الصلاة مرة أخرى، لتقيموا في القداسة، وتظل الأجيال حارسة صمت الصلوات، هي من لمعت في النهارات سكاكينها، وتكور التراب في أصابعها، وسال دم شفيف على التراب، لتتكاثر الشقائق قصائد عشق لا ينتهِ لها، تغسل بالألق كل صباح جدران الأقصى، وترمي بالشرر أعداء لم يتعلموا درس الولادة أو القيامة، أو بضع أشكال من المقاومة.

وما زالت الأرض تقاوم على طريقتها، طريقة شعبها الحضاريون في رسم هوياتهم، وغضبهم المقدس، تلك أجيالهم من حفظت في قلوب لم تتعب درس الوطن، ليكتبوا أناشيدهم الأخرى، وليرتلوا آيات المقاومة، درساً للأبجدية والأبدية درساً ليس يُنسى.

فمن يقرع الأجراس يا وطني، يقول شاعر: من رأى منكم قمراً/ ترابط بين عينيه العقارب/ من رأى شفة تحاصر خلف قبلتها العناكب/ آه يا وطني المضمد بالأنين وبالوعود…./ تدق أجراس النهار على جدار الوقت/ تنقطع الحبال ويسقط الجلاد.

لأغنيات سوف تتلى في حضرة المقاوم، قامت البلاد ولوصايا الأسرى نهضت مدائن، وظل يخفق في الصدور العلم الوطني والنشيد والشهيد والمحارب، ظل الاسم ميلاد الشهيد، لتصحو البلاد وتأخذنا إليها، من شرفة للشمس أعلى، ومن كلمة للمحارب أبقى، يا للقدس كم مر الغزاة، وكم هزمتهم أسوارك وحكاياتك الأولى، الآن من الجرح يبتدئ البرق، لتمطر السماء مقاومة، مقاومة وُجدت لتظل هي الأنقى، ممن عثروا بحروفها، ومن طاردتهم لعنة ذاكرتها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى