الأخبارمقالات وآراء

صفقة “أوسلو”: بوابة عبور العدو الصهيوني لعرين الوطنية الفلسطينية

محمد قدورة / لبنان

لم يسبق للشعب الفلسطيني منذ احتلال فلسطين عام 1948 ان تعرض مصيره الوطني لما يتعرض له اليوم، من تبديد يهدده بالتصفية الكاملة. تجرع مرارة التهجير من الوطن فلسطين، والتشريد والاضطهاد اليومي في الداخل والشتات. غير أن ذلك لم يمنعه من تحويل مأساته الى سبب لبناء تماسكه الداخلي واستنهاض وضعه الذاتي وتنمية أواصر وحدته الوطنية، فكانت انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة 1/1/1965.
لم يبدأ المستقبل الوطني الفلسطيني يتعرض للتبديد والتصفية، الا حين بدأت مرحلة صفقة “أوسلو”، بسب أن منظمة التحرير وحركة فتح وبقرار من قيادتهما الرسمية، قد هاجرتا موقعهم كمنظمة وحركة تضحية ومقاومة. حيث ارتضتا المساهمة في تذليل عقبات تلك التصفية، من خلال المساومة على الثوابت الوطنية في صفقة “أوسلو” وما تلاها وما خرج منها من اتفاقات. فقد قامت سلطة أوسلو بتهميش وتصفية منظمة التحرير الفلسطينية التي شكلت على الدوام الحاضنة السياسية للشخصية الوطنية الفلسطينية المستقلة. في مسعى حثيث لوراثة مركزها المرجعي: الاعتباري والسياسي، بعد ان عملت بكل قوة لإسقاط دورها الوطني من خلال استخدامها كختم توقيع لكل مراحل الانحدارالذي ادى الى الانهيار
ان قيادة حركة فتح، قد استثمرت اسم الحركة، وتراثها النضالي التي كونته عبر تاريخ طويل من النضال الثوري على كل الساحات وخاصة فلسطين المحتلة، وصفتها الوطنية الثورية “العامود الفقري للثورة الفلسطينية”. لتوقع على أسوأ اتفاق سياسي وقعت عليه حركة تحرر وطني في العصر الحديث: “صفقة أوسلو”. وبعد التوقيع على الاتفاق لم يعد من دور لمنظمة التحرير وحركة فتح سوى تعزيز وشرعنة الاتفاق والسلطة الخارجة من رحمه. هكذا دعيت اللجنة التنفيذية والمجلسين: المركزي، الوطني، للتصديق على الاتفاق. ثم دعي المجلس الوطني الى الانعقاد في دورتين للاستجابة الى بيريس ونتنياهو، والغاء بيت القصيد في “الميثاق الوطني الفلسطيني”: البنود التي لا تعترف بشرعية كيان “اسرائيل” على ارض فلسطين. …..

ان قيادة السلطة قد انشغلت بتصفية تراث المنظمة، ووراثته بالمصادرة. أي بمعنى آخر أن تصبح السلطة ناطقا رسميا وحيدا باسم فلسطين وشعبها: تحتكر التمثيل والادارة (كافة مكاتب المنظمة في الخارج والسفارات ملحقة بالسلطة)، وتتمتع بمنزلة المرجعية العليا غبر قابلة للاقتسام. رغم ان السلطة تدرك أنها ليست مخولة بحسب أحكام صفقة “أوسلو”، الا النطق باسم “مصالح” و “حقوق” سكان غزة والضفة. أما اللاجئون فلا يقعون في مشمولات السلطة، والأمر نفسه منطبق على فلسطينيي القدس الشرقية، ناهيك عن فلسطينيي أراضي 48.
خلال المسار الذي أوجدته صفقة “أوسلو”، بدأت التحولات تتراكم باتجاه مشهد فلسطيني جديد. حيث انسحب المناضلون من المشهد، ليحل بدلا منهم “خبراء التفاوض العبثي” ورجال الامن الذين أنجبتهم سياسات “اوسلو”. فقد أحيلت أطر حركة فتح ومنظمة التحرير الى تقاعد سياسي قسري، لانتاج المناخات التي تسمح بخلق كائنات سياسية وامنية جديدة لم يسمع بها من قبل. فقد فرض على المناضلين نقل البندقية من كتف الى كتف، ليصبح من كان مناضلا شريفا جلادا على جسد الضحية الفلسطيني. وهكذا تحولت المقاومة الى ذراع محلية ضاربة لتأديب المقاومة واخماد جذوتها، لانها أصبحت ضمن تصنيفات المشهد الجديد ارهابا يجب استئصاله.
قبل “أوسلو” شهدت حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية أشكال عديدة من التدخل العربي في شؤونهما. لكن مرحلة ما بعد أوسلو ، أخذ التدخل أشكال جديدة وبهويات تتمثل بالعدو الصهيوني والامريكي. وقد بات الجميع يعرف حواملها الفلسطينية الداخلية ورموزها، الذين ارتضو أن يكونوا أدوات ومعاول هدم داخل الوطنية الفلسطينية.
لم يدرك هؤلاء أن الاختراق الامريكي الصهيوني، شديد الصلة باستراتيجية الهجوم على الداخل الوطني الفلسطيني، والتي ترتكز في جوهرها على تمزيق هذا الداخل واغراقه في بحيرة من التناقضات، لتزرع الاحباط في نفوس الشعب الفلسطيني كمدخل طبيعي للاستسلام التام.
ان صفقة “أوسلو” شكلت بوابة عبور للعدو الصهيوني الى عرين الوطنية الفلسطينية. والحل يبدأ بتفكيك المشهد السياسي القائم، عبر ازاحة رموزه. ليحل بدلا منهم من يحمل راية المقاومة المسلحة ، وراية التغيير داخل حركة فتح، لتستعيد دورها الطبيعي المسلوب منها…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى