الأخبار

شهيد الأرض “أبو جامع”؟!

عندما تدق عقارب الساعة السابعة صباحًا، يشحذ المزارع المُسن محمد عطا أبو جامع “59عامًا” عربته، التي تجرها دابة، ويتحرك للمكان الذي يشعر براحته فيه، رغم المشقة، والمخاطرة بحياته، حيث أرضه الواقعة على بعد مئات الأمتار من الحدود الفاصلة بين قطاع غزة والأراضي المُحتلة عام “48”.

ما بين الساعة الثانية عشرة حتى الواحدة مساءً يعود “أبو جامع” لمنزله، حاملاً معه العشب لدوابه، وبعض من محصول يزرعه في حقله، الواقع جزءٌ منه في الجانب الفلسطيني من الحدود والأخر داخل الحدود، لم تطأه قدماه منذ احتلال إسرائيل لفلسطين.

في هذه المرة، تأخر “أبو جامع”، في موعد عودته لبيته، فيما كانت زوجته تنتظره، للذهاب للطبيب، كما اتفاقا مُسبقًا؛ حتى دق هاتف نجلها خالد “24عامًا” من هاتف والده، فرد : “ألو يابا.. لكن الصوت لم يكن صوت والده.. بل قريبته المُسنة (عائشة)، تعال على المستشفى أبوك/والدك، أتصاوب/أصيب”.

هم خالد مُسرعًا، ونده على والدته، التي ما إن سمعت الخبر، تعالت نبضات قلبها قلقًا وتوترًا، وتوجهوا على عجل من بلدة بني سهيلا التي يقطنون بها للمستشفى الأوروبي، شرقي محافظة خان يونس؛ فوجدوه مُصابًا ويتلقى العلاج في قسم الاستقبال والطوارئ في المستشفى.

تدهورت الحالة الصحية للشهيد “أبو جامع”، فأمر الأطباء بإدخاله لغرفة العناية المُكثفة، ومن ثم للعمليات، وتم طلب نحو “15وحدة دم”، بسبب نزيف داخلي؛ جراء استقرار الطلق الناري، الذي أطلقه جنود الاحتلال الإسرائيلي نحوه، وهو في أرضه، قرب الحدود، في فخده الأيمن، وتفجره، الأمر الذي تسبب في النزيف.

خمس ساعات مكثها في المستشفى، وعائلته في قلقٍ شديد، حتى تم الإعلان عن استشهاده رسميًا، متأثرًا بجراحه، التي بدت في ظاهرها طفيفة، لكن في باطنها، حقدٌ وسمٌ قاتلٌ، سرعان ما انتشر في الجسد، كحقد الذي أطلقه نحوه من جنود الاحتلال.

تفاصيل الاستهداف

السبعينية عائشة أبو جامع، الشاهد الوحيد في مكان استهداف المزارع “أبو جامع”، تقول لمراسل “وكالة قدس نت للأنباء“، : “كنت أتواجد في الأرض، ونجمع الحشائش والأعشاب، على بُعد حوالي (250مترًا)، ولدى محاولتي المغادرة لجلب الغداء، طلب مني الشهيد (المنجل)، لتنظيف بقعة حشائش تبقت”.

وأضافت “أبو جامع” : “في تلك اللحظات، صليت الظهر، وما إن انتهيت، حتى سمعت صوت طلقين ناريين، من جهة الاحتلال، فصرخت بأعلى صوتي على (أبو أحمد)، (توجه للغرب.. توجه للغرب..)، أي الناحية الفلسطينية، وإذ به يسقط أرضه على جنبه، وينادي (إسعاف.. إسعاف.. إسعاف يا أم محمد..) وهكذا”.

وتابعت : “حاولت سحبه، ولم يكن يتواجد عندي أحد، فتحركت نحو قوات الضبط الميداني القريبين، وصرخت عليهم، وهرعوا بسرعة للمكان، ووصل في حينه شباب آخرين، كانوا قريبين من المكان، وساعدوا في حمله حتى طريق المقاومة (شارع جكر)، وقبل حمله، حاول أن يزحف، ولم يتمكن”.

وواصلت حديثها : “وصلت الإسعاف وتم حمله للمستشفى، وكانت الرصاصة قد أصابته في الفخد الأيمن، ويعي جيدًا، ما حوله، وطلب مني الاتصال بابنه وإبلاغهم بما حدث، وأبلغتهم، ورافقتهم للمستشفى، حتى أعلن عن استشهاده، وكان أمرًا مفاجئًا”.

وأكدت المُسنة “أبو جامع”، أن المنطقة كانت هادئة، وإطلاق النار متعمدًا، لأنه لم يكن عشوائيًا، فالجنود هم من أطلقوا النار، بعدما نزلوا من جيب عسكري، وأطلقوا طلقين اثنين فقط، أحدهما أصاب الشهيد، والأخر أعتقد أنني كنت المُستهدفة منه ولم يُصبني؛ مُشيرةً أن الاحتلال يتعمد على الدوام الاعتداء عليهم ومنعهم من الوصول لأراضيهم”.

تهجيرنا من أرضنا

بدوره، يرى عودة أبو جامع “60عامًا”، شقيق الشهيد، أن استهداف شقيقه، يأتي ضمن مسلسل العدوان الإسرائيلي المتواصل على أبناء شعب الفلسطيني، خاصة سكان ومزارعي الحدود، بهدف اقتلاعهم من أرضهم، ومنع الوصول إليها، كما حدث على مدار سنوات الانتفاضة.

ويقول “أبو جامع”، إنهم تفاجئوا بخبر استشهاد شقيقه، الذي ذهب للعمل في أرضه في الصباح كما المُعتاد، وهو رجل كبير في السن، وكثير من المزارعين يعملون من حوله، ولا ذنب لهم في أي شيء، كي يتم استهدافهم”.

ويشدد على أنهم لم ولن يفرطوا في أرضهم، مهما حدث معهم؛ مشيرًا إلى أن ذهابهم للأرض هو لقوت العيش والتشبث بها، ومنع الاحتلال من تحويلها مُجددًا مسرح للتوغلات والقصف والاجتياحات؛ مُتسائلاً : “ما الذي يريده الاحتلال من قبل رجل مُسن؟!، ما الخطر الذي شكله عليهم ليقتلوه؟!”.

وتابع “أبو جامع” : “هذه الحادثة لم تكن الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، إن لم يتم وضع حد لجرائم الاحتلال؛ فهدف الاحتلال ترحيلنا، لكننا صامدون، ولن نرحل منها”؛ مُشيرًا إلى أن شقيقه تلقى رصاصة قاتلة في فخده، ووصلت لأحشائه، ومكثف أربع ساعات وأكثر في العمليات، لإيقاف النزيف، الذي تسببه الطلق الناري، وتم إعطائه (15وحدة دم)، لكنه فارق الحياة.

وشيع أهالي بلدة بني سهيلا شرق محافظة خان يونس، جنوب قطاع غزة، اليوم الأحد، جثمان الشهيد محمد عطا أبو جامع (59 عاما)، إلى مثواه الاخير في مقبرة العائلة.

وانطلق موكب التشييع من امام مستشفى ناصر في خان يونس باتجاه منزل الشهيد في بلدة بني سهيلا، حيث ألقى ابناؤه ومحبيه نظرة الوداع على جثمانه.

وأديت صلاة الجنازة على جثمان الشهيد الني نعته حركة “فتح” في مسجد حمزة وسط البلدة، عقب صلاة الظهر، ومن ثم نقل الى المقبرة. وردد المشيعون هتافات تطالب برص الصفوف والوقوف في وجه المؤامرات التي تحاك ضد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.

وكان “أبو جامع” اصيب ظهر امس السبت، برصاصة في الفخذ اطلقها عليه جنود الاحتلال المتواجدين داخل ابراج المراقبة على الشريط الحدودي شرق خان يونس، ونقل إثر إصابته إلى المستشفى، إلا انه استشهد في قت لاحق متأثرا بجروحه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى